العنف والانتقام يقودان صبيا إلى نهايات كارثية

 فيلم "برايتبيرن" يمزج ما بين ميزة الخيال العلمي من جهة وبين ميزة فيلم الرعب وحتى عنصر الحركة في تكوين جمالي مؤثر حيث بدا متكاملا من خلال الشخصيات الرئيسية فيه.
الاثنين 2019/07/01
خوف لا ينقطع من التهديد المستمر

تشكل القدرات الخارقة والتي تتفوق على الإنسان موضوعا مهما من موضوعات سينما الخيال العلمي، إنها سينما التفوق، عندما يتمكن كائن يمتلك قدرات استثنائية من قهر الآخرين ودحر الخصوم.

لا شك أن سلاسل الكوميكس الأميركية كانت مدرسة في مجال سينما الخيال العلمي التي كانت ثيمتها القدرات الخارقة للإنسان الاستثنائي المتفوق على كل خصومه، والتي خرجت منها العديد من الأفلام التي تقدم مثل تلك الكائنات أو ما يعرف بـ”السوبرهيرو”، حيث الشخصية معرضة للعديد من المخاطر، لكنها تنجو في كل مرة بل وتدحر خصومها تباعا.

وتتجلى متعة مشاهدة هذا النوع في كون الشخصية الدرامية الرئيسية لا تندرج في إطار الشخصيات الدرامية الشريرة، مما يجعل المشاهد متعاطفا معها ومتفاعلا مع الأحداث التي تقع أمامه.

وفي فيلم "برايتبيرن" للمخرج ديفيد ياروفيسكي سوف نبحث عن القدرات الخارقة وقد امتلكها فتى في مقتبل العمر، تأتي به مركبة فضائية مجهولة لتتركه وهو رضيع، فيلتقطه زوجان هما توري (الممثلة إليزابيث بانكس) وكايل (الممثل ديفيد دينمان) ويتبنيانه حتى بلوغه سنا يفاجآن فيها أنه ذو قدرات خارقة، وكان من علامة ذلك اعتداؤه على زميلة له في المدرسة لأنها سخرت منه.

وتتوالى الجرائم غير المعتادة والتي في كل مرة ينتصر فيها الفتى براندون (الممثل جاكسون دون) على خصومه أيا كانوا، وبما فيهم المشرفة التربوية في المدرسة وزوجها حيث يدمر حياتهما براندون لينتقل إلى أشخاص آخرين حتى يتحول الحي الذي يعيش فيه والداه إلى حالة الطوارئ تحسبا من وقوع ضحايا جدد.

اعتمد الفيلم خطوطا سردية عدة، فمن جهة كان هناك خط يربط كلا من والدي براندون ومن جهة أخرى خط آخر يجري فيه تتبع مسار الفتى وكيف تحوّل إلى كائن شرس ذي قوة خارقة مُؤذية، وهناك أيضا الخط السردي المرتبط بالتحري البوليسي والذعر الذي أصاب المحيطين بمنزل براندون.

وأما بالنسبة للحبكات الثانية، فقد نجح الفيلم في رسم تلك الحبكات بمهارة، ونذكر منها مثلا تأكد الأب من أنه لا يتعامل مع طفل هو ابنه بل مع كائن وحشي، وبالفعل يأخذه في رحلة صيد يقرّر خلالها التخلص منه، وهو ما كانت ترفضه الأم إلى أن تكتشف الرسومات والتخطيطات الدالة على الحقيقة، لكن يكون الأوان قد فات، إذ أجهز على الأب وقتله بطريقة بشعة، وكذلك سوف يقتل الأم بطريقة غير مسبوقة عندما يحلق بها في الأعالي ثم يتركها تسقط لتلقى حتفها.

المخرج يوظف المشاهد الليلية ويستخدم المؤثرات البصرية والإضاءة لغرض تعميق أجواء الرعب والعنف على السواء

من جانب آخر نجح كاتب السيناريو والمخرج في رسم سلوك الطاعة والتمرد، الذي كان يغلف شخصية براندون، فمن جهة هو يدرك معاناة الوالدين، لكنه بدلا من ذلك يفرد نزعة التمرد بشكل صاخب ومُتفجر حتى لا يبقي أي أمل، إذ يكون الجميع قد نالوا نصيبهم إما من الخوف وإما من التهديد المستمر.

ويمزج الفيلم ما بين ميزة الخيال العلمي من جهة وبين ميزة فيلم الرعب وحتى عنصر الحركة في تكوين جمالي مؤثر حيث بدا متكاملا من خلال الشخصيات الرئيسية فيه.

واستكمالا لذلك التأثير تم استخدام التنوع المكاني بشكل ملفت للنظر، فالمكان يضيق على الشخصيات المستهدفة وخاصة في الليل، حيث يتحوّل المكان الداخلي والخارجي إلى بؤر للخوف والانتقام المرتبط أساسا بشخصية براندون.

والمكان الذي يتم من خلاله إبراز الصراع بين براندون وبين والديه سواء في المنزل أو في الحقل أو في حظيرة الحيوانات، إنما هو مكان مختلف له دلالات مؤثرة لجهة استخدام تقاطعات الضوء والموسيقى والمؤثرات لصنع عدد مهم من المشاهد التي قدّمت صورا مروّعة للانتقام.

وهناك أيضا تلك المشاهد العاطفية التي تنقسم فيها عاطفة الأم ما بين الحنو على الابن وبين رفض المساس به، ثم اكتشافها أنه بالقوة التي يمتلكها جمع الفلول من أتباعه ليقوم بالفتك بأي كان من دون رحمة ولا تردد، وبها وإن كانت مختبئة.

وتأكيدا للأداء المتقن لشخصية الفتى براندون نجده وهو ممزق في مشاعره بين والديه من جهة وبين القوة الفضائية الخارقة التي تتحكم به أو تمده بالطاقة والقدرات الاستثنائية والحية، كل تلك كانت ميزات إضافية استطاع براندون أن يستوعبها تماما وأن يوظفها في ردود أفعاله الشرسة وضد كل من يخالفه أو يحاول النيل منه، ساعتها فقط لن يفرق بين الأشخاص بل سيذهب إلى الانتقام مباشرة.

ووظف المخرج المشاهد الليلية واستخدم المؤثرات البصرية والإضاءة لغرض تعميق أجواء الرعب والعنف على السواء، إذ كانت تلك الأجواء المشحونة كافية للتعبير عما هو آت من عمليات انتقام وعنف يرتكبها براندون.

بقي الفيلم محتفظا بسر كامن ممثلا في قطعة من المركبة الفضائية التي لفظت براندون، وربما هي التي كانت تشع قوتها بشكل ما فيمتلك براندون تلك القدرات الخارقة للإيقاع بخصومه، ولهذا تلجأ الأم لذلك المكان على أمل أن ينقذها، لكن ذلك لن يحصل فلن تسلم الأم أيضا من الانتقام.

وفي واحد من المشاهد المصنوعة بعناية من خلال إطلاق الأم إلى الأعالي حتى الموت لتتصادم مع طائرة ركاب لا ينجو منها أحد، وليدعي براندون على أنه الناجي الوحيد لتبدأ رحلة غرائبية أخرى.

16