العنف والتطرف لا يهزمان إلا بالتنوير الفكري والخطاب الديني الحداثي

مسألة علاقة الدين بالسياسة في الإسلام لا تزال تمثل مدار مطارحات فكرية وأكاديمية، وهذا ما شهدته الندوة العلمية التي نظمها مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية تحت عنوان “السراب.. الفكر المستنير في مواجهة الإرهاب”، والتي كانت مداخلاتها قراءات لكتاب “السراب” لجمال سند السويدي المفكر والخبير الاستراتيجي الإماراتي، حيث ناقشت الندوة قضية الإسلام السياسي والقوى والجماعات التي تمثله.
الجمعة 2015/05/22
التنظيمات المتطرفة التي تطرح نفسها حلا ليست إلا مجرد سراب

أبوظبي- تناولت الندوة التي نظمها مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية بعنوان “السراب.. الفكر المستنير في مواجهة الإرهاب” في قاعة الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان بمقر المركز في أبوظبي، والتي أدارها عبدالله الشيبة، الكثير من المحاور المهمة التي تعالج أبعادا مختلفة لظاهرة الإسلام السياسي والجماعات الدينية السياسية من خلال قراءة متعمقة في كتاب “السراب” وهو لجمال سند السويدي مدير عام مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية.

تحدث في الندوة مفكرون وخبراء ومتخصصون من داخل دولة الإمارات العربية المتحدة وخارجها، وهم الشيخ وسيم يوسف إمام وخطيب جامع الشيخ زايد الكبير في أبوظبي وعبدالحق عزوزي المفكر والأكاديمي المغربي وعمار علي حسن الكاتب المصري المتخصص في علم الاجتماع السياسي وماجد بن وقيش الباحث القانوني والسياسي الإماراتي.

الشيخ وسيم يوسف تناول في ورقته “إشكاليات الجماعات الإسلامية والسياسة” موضحا أنه “بجهل الناس للسياسة الشرعية وعزوفهم عن تعلم دينهم ظهرت الجماعات الإسلامية التي دخلت عالم السياسة سواء كان ذلك بجهالة منها أو بتحريف لأصول الدين، وانطلى ذلك على عامة المسلمين بسبب جهلهم بأمور السياسة الشرعية، فظهر لنا من يستغل الدين لتحقيق مصالح سياسية ومن هؤلاء “السروريون” وتنظيم “داعش” وجماعة “الإخوان المسلمين” و”حزب الله” اللبناني. كما أن هؤلاء جميعا أدخلوا السياسة في دينهم بعيدا عن منهج النبوة”. وقد ركز يوسف في ورقته على تنظيم “داعش” وسياسته، كما أفاض في الحديث عما سماه “الإخوان المسلمون وسياسة الحرباء”.

من جانبه تحدث المفكر والأكاديمي المغربي عبدالحق عزوزي الأستاذ الجامعي في العلاقات الدولية والعلوم في ورقته التي جاءت بعنوان “مستقبل التيارات السياسية الدينية. نظرة استشرافية انطلاقا من خلاصات كتاب السراب”، عن أهمية الدراسات الاستشرافية والمستقبلية التي تعد أداة مهمة في التخطيط ووضع البدائل والسيناريوهات من أجل الوصول إلى رؤية أوضح للمسارات المستقبلية، وركز على موضوع التيارات السياسية الدينية بناء على النتائج التي وصل إليها كتاب “السراب”.

بجهل الناس للسياسة الشرعية ظهرت الجماعات الإسلامية التي دخلت عالم السياسة من خلال تحريف أصول الدين

وتضع ورقة عزوزي السنوات الثلاث الأخيرة (2012 – 2015) كسنوات الأساس وسنة 2030 سنة استشراف وبالتالي تتنبأ بمصير التيارات الدينية – السياسية ومعدل استقرار الأنظمة السياسية وعلاقتها بالمجال الديني السياسي ونضج المجال السياسي العام وكل الفاعلين السياسيين، ومن ثمة تصاغ السيناريوهات على أساس الاتجاهات المستقبلية الممكنة.

وأشار عزوزي في ورقته إلى أن لهذه السيناريوهات مقصدين أساسيين يتجليان أولا في تنبيه صانع القرار، وبل حتى الرأي العام، إلى طبيعة المشكلات والنتائج التي يمكن أن يترتب عليها اختيار مسار معين ما يمكنه من تكييف القرارات السياسية وبلورة سياسات عمومية، وثانيا قد يؤدي السيناريو إلى مساعدة صانع القرار في التخطيط أو التقويم، وفي هذا السياق تطرقت الورقة باستفاضة إلى السيناريو الناجع وهو السيناريو الإصلاحي، ورأت أنه سيمكن من إحداث ثورة فكرية – سياسية في مجتمعاتنا العربية وزرع بذور التنمية والنهضة.

وجاءت مشاركة المتحدث الثالث في الندوة عمار علي حسن الكاتب المصري المتخصص في علم الاجتماع السياسي تحت عنوان “سرابهم وماؤنا. كيف نصنع تنويرا يحاصر الإرهاب” والتي خلص فيها إلى أن تحديث المجتمع اجتماعيا واقتصاديا وسياسيا ركيزة أساسية في النهضة وبناء التنوير وإشاعته، حيث أكد أن التطرف الديني والإرهاب ينموان في الغالب الأعم إن وجدا بيئة اجتماعية مظلمة بكل ما يعنيه الإظلام من معان تنصرف إلى الفاقة والجهل والعزلة وضيق الانتماء وانحرافه بفعل التعصب الأعمى تارة والاستهانة بكل فكرة وكل جماعة بشرية أو نزعة إنسانية خارج تحكمات التنظيم المتطرف وتعاليمه تارة أخرى. كما ينمو التطرف مع الشعور الدفين بالنقص والمهانة سواء كان ذلك حقيقة أو زيفا وكذلك وجود هوة واسعة بين الحكام والمحكومين وظهور علامات لفشل الدولة أو ارتخائها.

تحديث المجتمع اجتماعيا واقتصاديا وسياسيا ركيزة أساسية في النهضة وبناء التنوير وإشاعته

ونبه عمار علي حسن إلى أن كتاب “السراب” لجمال سند السويدي حوى كثيرا من الأفكار والتدابير التي تظهر هذه الأسباب بطريقة غير مباشرة أو مضمرة في مقاربته للتنظيمات والجماعات الدينية السياسية بدءا من عرض تاريخ نشأتها وتطورها مرورا بطرح أفكارها الأساسية وشخصياتها البارزة ومواقفها من الوقائع السياسية والاجتماعية في البلاد التي ظهرت فيها أو تلك التي امتدت إليها وانتهاء برسم مسارات مستقبلها.

وخلص حسن إلى أن كتاب “السراب” الذي رسم خريطة معرفية لمثل هذه التنظيمات يفرض ثلاثة أمور أساسية تشكل حصيلة إمعان النظر فيه أو الوقوف على الرسالة التي يطرحها ويرعاها وهي: أولا مشروع هذه التنظيمات المتطرفة التي أنتجت الإرهاب الرمزي واللفظي والمادي محض كذبة كبرى، فهي ظلت كثيرا تطرح نفسها بصفتها “الحل” و”الوعد” و”الأمل” وانخدعت قطاعات عريضة من الناس بهذا، لكن اكتشف الجميع أن ذلك كله وهم وسراب.

ثانيا لا خروج من هذا الوهم إلا بكشف مقولاته وفضح مساراته وممارساته وإنهاء الذرائع التي توجده عبر تعبئة الموارد المادية والمعنوية التي تملكها الدولة والمجتمع المدني في وجه الجماعات الدينية السياسية.

فصل الدين عن السياسة يشكل عنوانا مهما وأساسيا في عملية التطوير والتنمية في العالمين العربي والإسلامي

ثالثا يكون هذا الخروج بالإصلاح الديني والتنوير جنبا إلى جنب مع الإصلاح المجتمعي وتحرير إرادة البشر ما يقطع الطريق على سعي هذه التنظيمات إلى بناء عمق اجتماعي مستغلة أي انسحاب للدولة من تقديم الخدمات الكافية إلى المواطنين.

أما المتحدث الرابع في الندوة ماجد بن وقيش الباحث القانوني والسياسي الإماراتي فقد تناول “الإسلام السياسـي بين الواقع والخرافة” وأوضح أن الإسلام السياسـي ظهر منذ بدايات القرن العشـرين في مجتمعات عربية وإسلامية، وكان أول تجلياته الحديثة انطلاق جماعة الإخوان المسلمين في مصر على يد مؤسسها حسن البنا عام 1924 وقد تأثر فكر حسن البنا بمحب الدين الخطيب وأبي الأعلى المودودي وكل هؤلاء تأثروا بالإصلاحي الشيخ محمد عبده ولكنهم حادوا عن فكره الأساسـي في الانفتاح على الغرب والاستفادة منه وركزوا على محاربة الغرب ومناهضته واتجهوا إلى تبني أفكار ابن تيمية، وفي هذا السياق ظهرت كتابات سيد قطب التي دعت إلى العنف في الدول العربية والإسلامية وفي الغرب من أجل تأسيس ما رأى أنه الحكم الإسلامي الصحيح.

ولفت ابن وقيش النظر إلى أن مسألة فصل الدين عن السياسة أو الدولة تبقى محورا مهما في العالمين العربي والإسلامي لأنها تتعلق بالاستقرار في المجتمعات العربية والإسلامية، إضافة إلى وحدتها وقدرتها على التنمية والتفاعل الإيجابيين مع متغيرات العصر.

وبين أنه انطلاقا من ذلك فإن فصل الدين عن السياسة يشكل عنوانا مهما وأساسيا في عملية التطوير والتنمية في العالمين العربي والإسلامي، وكما كان إعمال هذا الفصل في أوروبا طريقا للقارة القديمة نحو التقدم العلمي والارتقاء الإنساني فإنه كان يمكنه في العالمين العربي والإسلامي أن يقود إلى النتائج نفسها.

13