العنف يتحول إلى لغة اعتراض على تقارير الإعلام في لبنان

يعتبر القائمون على قناة الجديد اللبنانية أن الاعتداءات المتكرّرة عليها تهدد الإعلام اللبناني بشكل عام وتؤسس لمنطق يمكّن أي جهة لا يعجبها خبرا أو مادة تعرضها أي قناة تلفزيونية من الرد بواسطة العنف والاعتداء، خاصة في ظل غياب أي محاسبة للمعتدين المحسوبين على جهات سياسية نافذة.
الجمعة 2017/05/12
وراء كل تقرير مزعج اعتداء

بيروت - تعرضت قناة الجديد اللبنانية إلى اعتداء جديد بإلقاء مواد حارقة على إحدى سيارات النقل المباشر الخاصة بالقناة، ما أدى إلى احتراقها بالكامل، ويضاف هذا الحادث إلى سلسلة من الاعتداءات السابقة كان آخرها في شهر فبراير الماضي، ما يهدد بضرب الحريات الإعلامية في البلاد.

وذكرت مصادر لبنانية مطلعة لـ”العرب” أن هذه الاعتداءات ترتبط بخلافات بين إدارة القناة ورئيس مجلس النواب نبيه بري على خلفية أخبار وتقارير تعرضها القناة، يرى مناصرو بري أنها تهدف إلى الإساءة لزعيمهم السياسي.

وسبق لموزعي الكابلات الموالين لحركة أمل التي يتزعمها بري، فرض تعتيم إعلامي على قناة الجديد عبر سحبها من قائمة القنوات التي يعرضونها ونتيجة لذلك غابت القناة عن معظم مناطق بيروت والضاحية الجنوبية.

وعرضت الجديد في بيان أصدرته على موقعها الإلكتروني تفاصيل الحادثة، وقالت “إن شابين غير ملثمين تسللا قرابة الثالثة فجرا إلى مبنى ملاصق لمبنى القناة وعمدا إلى إحراق سيارة النقل المباشر قبل أن يلوذا بالفرار على دراجة نارية”.

وأشار البيان إلى أن السيارة احترقت بالكامل نتيجة سكب مادة حارقة عليها، مضيفا “لقد نجونا من كارثة كبيرة جدا إذ كانت بالقرب من سيارة النقل المشترك سيارة أخرى ومولدات كهرباء وقد عمل الموظفون الموجودون في القناة والدفاع المدني على إخماد النيران وإبعاد السيارة الأخرى عن السيارة التي احترقت”.

وذكر إبراهيم الحلبي، مدير العلاقات العامة في قناة الجديد في تصريحات لـ”العرب”، أن الاعتداء على القناة يندرج في إطار “استهداف كل وسائل الإعلام وترويعها، والتأسيس لمنطق يمكن من خلاله لأي جهة لا يعجبها خبرا أو مادة تعرضها أي قناة تلفزيونية الرد بواسطة العنف والاعتداء”.

إبراهيم الحلبي: انعدام محاسبة مرتكبي الاعتداء هو بمثابة تشجيع على تكرار الاعتداء

ولفت الحلبي إلى أنه بإمكان أي طرف يعتبر أنه تعرض إلى استهداف من أي مؤسسة إعلامية “اللجوء إلى القضاء والقانون، ولكن هذه الطريقة العنيفة تخرج الأمور من دائرة الضبط والمعالجة”.

وانتقد الحلبي أداء السلطات في التعامل مع حوادث الاعتداء السابقة التي طالت القناة، معتبرا أن انعدام المحاسبة هو بمثابة التشجيع على تكرار الاعتداء، مشيرا إلى أن القوى السياسية “تعتمد منطق التضامن مع القناة إثر كل اعتداء وتفتح القوى الأمنية تحقيقا، ولكن هذا التحقيق لا يستكمل أبدا، وفي حال استكمل لا يفرج عن المعلومات والحقائق، وينتهي الأمر عند هذا الحد”.

وتأسّف لعدم تحول أي اعتداء على وسيلة إعلامية إلى قضية رأي عام تتسبب في استنفار المجتمع لمنع استفحالها والتعبير عن رفضها ويعود السبب في ذلك، وفق رأيه، إلى ظاهرة الشخصنة.

وأصدر المدعي العام التمييزي القاضي سمير حمود تعليمات بتكليف الشرطة القضائية ومكتب الأدلة العلمية بالتوجه إلى مبنى تلفزيون الجديد لإجراء تحقيق في الاعتداء والاستماع إلى إفادة الشهود الموظفين في المحطة والكشف عن مكان حصول الاعتداء ورفع البصمات وضبط الكاميرات وتفريغها، من أجل التوصل إلى معرفة الفاعلين تمهيدا لتوقيفهم وملاحقتهم جزائيا.

وزار وزير الإعلام اللبناني ملحم رياشي مقر قناة الجديد، وأفاد بأنّ الاعتداء الذي تعرضت له القناة مرفوض ويشكل تهديدا للحرية. وأكّد وقوفه إلى جانب العدالة واصفا الاعتداء بالعمل الخطير وغير اللائق.

ومن جهتها قالت رئيسة مجلس إدارة قناة الجديد كرمى خياط في تصريحات تلفزيونية “كلّما قامت قناة الجديد بتقرير يتعلق بفساد أو بانتقاد يطال رئيس المجلس النيابي يتم الاعتداء علينا”.

وتسببت تصريحات خياط في موجة من الغضب بين أنصار بري، كما أصدر المكتب الإعلامي في مجلس النواب بيانا يتهم فيه خياط بالكذب والافتراء، وجاء فيه “طالعتنا كرمى خياط هذا الصباح بافتراءات وأكاذيب درجت عليها مطلقة الاتهامات في شأن حادثة احتراق إحدى السيارات التابعة لمحطة العائلة”.

وتابع المكتب الإعلامي أن “مثل هذه الأكاذيب والأضاليل لم تعد تنطلي على أحد، وإننا نتمنى أن يأخذ القضاء هذا الكلام بعين الاعتبار للقيام بمسؤولياته، قبل أن تسافر خياط في اليومين المقبلين إلى مونتي كارلو للاحتفال بعقد قرانها”.

وعلّق الحلبي على البيان قائلا “نحن في بلد يمكن فيه استخدام السلطات العامة وتجييرها لخدمة المصالح الشخصية”، لكنه أكد أن “لغة العنف لا يمكن أن تردع الإعلاميين”.

وتفاقمت الأزمة بين قناة الجديد ورئيس مجلس الوزراء بعد الاعتداء الذي تعرّضت له القناة من قبل مجموعات مناصرة لحركة “أمل”، على خلفية الاعتراض على حلقة البرنامج السياسي الساخر “دمى/كراسي” للمخرج والمعدّ شربل خليل. حيث استضاف البرنامج النائب السابق حسن يعقوب وتناول موضوع الإمام المغيّب موسى الصدر من خلال محاكاة مع دمى مثّلت عدة شخصيات ومنها رئيس مجلس النواب نبيه بري. وأحدث الاعتداء، فضلا عن ترهيب الإعلاميين الموجودين في المبنى وإصابة مصوّرين بجروح طفيفة، أضرارا مادية وتحطيم مكاتب ومعدات تصوير.

ويرى الحلبي أن هذه الظاهرة تتسبب بحالة من العماء العام يصبح معها من الصعب النظر إلى أي ملف بموضوعية.

ونبّه إلى أن القناة حين تتعرض لملف معقد مثل ملف الفساد، فإنها تتناوله كقضية عامة لا تهدف إلى التصويب بشكل خاص على أي شخصية أو تيار.

ومن جهتها انتقدت محامية القناة ماي حبلي تقصير الأجهزة المعنية في ملاحقة المعتدين على القناة، وقالت إن القناة تعرضت لأربعة اعتداءات خلال ستة أشهر وقد قدمت القناة ما يلزم من مستندات تبيّن ما جرى وتظهر المعتدين بالصورة.

18