العنف يحصد الأرواح في ملاعب تونس

حادثة مقتل مشجع شاب بمثابة دقة جرس جديدة توحي باستفحال ظاهرة الشغب الجماهيري الذي تعدى حدود مدرجات الملاعب ليصل إلى مدى أبعد.
الخميس 2018/04/05
فتيل العنف يوتر علاقة الأمني بالجمهور

تونس - توفي المشجع الشاب الذي لم يتجاوز بعد سن الثامنة عشرة مباشرة إثر نهاية المباراة التي جمعت بين النادي الأفريقي وضيفه أولمبيك مدنين بملعب رادس، حيث راح ضحية لأعمال العنف والشغب التي اندلعت بين شوطي تلك المباراة بين أحباء ينتمون إلى الفريق ذاته، ما اضطر قوات الأمن لتفريق عدد كبير من الأحباء وإخراجهم من الملعب بيد أن العنف امتد إلى خارجه وذهب ضحيته هذا الشاب الذي سقط في واد متاخم لأرض الملعب ولم يكن يحسن السباحة.

ما حصل في تلك المباراة ليس أمرا مستجدّا، فهذا الموسم وكذلك المواسم الأخيرة شهدت الكثير من أعمال العنف بين فئات الجماهير المنتمية لفريق واحد، وخلال مباريات الديربي بين الجارين الأفريقي والترجي غالبا ما تحدث هذه التجاوزات رغم أن السلطات الأمنية تحجر في غالب الأحيان دخول جماهير الفريق الضيف، هذا الانفلات الأمني في الملاعب فسرّه البعض بمحاولة مجموعة من الأحباء إلى بسط نفوذها فوق المدارج وطمس وجود مجموعات “الألتراس” الأخرى الأمر الذي يؤدي في غالب الأحيان إلى اندلاع مواجهات ساخنة و”دموية” تصل إلى حد الموت.

فحادثة مصرع هذا الشاب ليست سابقة إذ شهدت الملاعب التونسية خلال السنوات الماضية حالات مماثلة دفع ثمنها غاليا بعض المحبين، ففي إحدى مباريات الدوري سقط شاب من أعلى المدرجات بملعب رادس جراء التدافع الكبير ليلقى حتفه على الفور.

في قفص الاتهام

يعتبر أغلب المتابعين للشأن الكروي في تونس أن تنامي ظاهرة العنف في الملاعب يعود أساسا إلى توجه هذه المجموعات لاعتماد سلوك عدائي في تعاملها مع الآخر، الأمر الذي أدى إلى تصاعد وتيرة أعمال الشغب بشكل كبير للغاية بسبب عدم القدرة على التعامل مع هذه المجموعات التي أصبحت تمثّل خطرا حقيقيا في الملاعب خاصة وأنها تضمّ عددا كبيرا للغاية من المنتسبين لها، وأغلبهم لا تتجاوز أعماهم 20 سنة.

تنامي ظاهرة العنف في الملاعب يعود أساسا إلى توجه مجموعات لاعتماد سلوك عدائي في تعاملها مع الآخر، الأمر الذي أدى إلى تصاعد وتيرة أعمال الشغب

وفي هذا السياق أوضح الصحافي التونسي عمر المجبري أن تزايد أعداد مجموعات الألتراس ساهم بطريقة مباشرة في زيادة حدة العنف، قائلا “أعتقد أن المشكل لا يكمن أساسا في إنشاء مجموعات للمشجعين يكون هدفها الوقوف باستمرار إلى جانب فرقها، بل في فهم الأهداف التي بعثت من أجلها، في تونس هناك فهم خاطئ من قبل هؤلاء الأنصار الذين يريدون فرض سيطرتهم على بقية الروابط، وفي كثير من الأحيان تندلع شرارة العنف دون أي موجب بسبب معارك جانبية بين أعضاء هذه الروابط”.

وأوضح محدثنا أن المتهم الرئيسي بخصوص تنامي ظاهرة العنف هو بعض المنتمين إلى هذه المجموعات بسبب ميلهم لممارسة السيطرة على بقية الروابط وهو ما يؤدي بالضرورة إلى حدوث أعمال شغب وعنف سواء ضد الجماهير أو ضد أعوان الأمن. بعد الأحداث التي جدّت في تونس سنة 2011 وأدت إلى سقوط النظام السابق، نجح القائمون على شؤون الكرة في البلاد نسبيا في التعامل مع التطورات الأمنية حيث سعى الإتحاد التونسي لكرة القدم بالتنسيق مع بقية السلطات المعنية إلى استكمال المنافسات في كل المواسم الرياضية رغم توتر الأوضاع الأمنية وحصول بعض الانفلات في الملاعب وكان الحل الأنسب هو حرمان جماهير الفرق الضيفة من الدخول إلى الملاعب كما تم منع الأحباء دون 18 سنة من ارتياد الملاعب.

في هذا الظرف نجحت روابط الأحباء التي تضاعفت أعدادها بشكل كبير في توسعة قاعدتها وباتت أكثر قوة من ذي قبل، وهو الأمر الذي ساعدها على تكوين جبهات قوية في الملاعب، وفي ظل غياب جماهير الفرق المنافسة جنح بعض الأفراد المنتسبين لهذه الروابط إلى تبادل العنف مع بقية أعضاء الروابط الأخرى، لتحدث عدة تجاوزات بين جماهير الفريق الواحد تسببت في خسائر مادية فادحة في الملاعب وأدت إلى سقوط بعض الضحايا.

في الأثناء حاول المشرفون على الكرة التونسية إيجاد الحلول اللازمة من أجل تطويق المشكل والحد من أزمة العنف، حيث تم إصدار الكثير من القرارات وتم منع عدد كبير من المشاغبين من ارتياد الملاعب وبات التفتيش الأمني عند الدخول إلى الملاعب أكثر صرامة، كما دعت الكثير من الأطراف إلى حل هذه الروابط، لكن الأمر لم يفلح خاصة وأن القاعدة الواسعة لهذه المجموعات ونشاط بعضها بصفة غير قانونية حال دون التمكّن من السيطرة عليها.

وضع قوانين صارمة
وضع قوانين صارمة

وفي هذا الإطار سعت بعض الأندية إلى تشكيل روابط أحباء معترف بها يكون هدفها حسن تأطير الجماهير والنأي بهم عن التصرفات العنيفة في الملاعب، بيد أن هذه الجهود لم تكن كافية للحد من تنامي ظاهرة العنف والسبب في ذلك أن روابط “الألتراس”غالبا ما يكون تأثيرها أثناء المباريات قويا للغاية ولا يمكن التكهن بتصرفات منتسبيها، ففي بعض المباريات التي لا تكون حماسية ولا يوجد بها أي رهان تخرج هذه المجموعات عن السيطرة وتبادر إلى تبادل العنف مع بعضها البعض أحيانا أو مع قوات الأمن في أحيان أخرى، وهو ما حصل في مباراة الأفريقي ضد أولمبيك مدنين الأخيرة والتي تسببت في نهاية المطاف بمصرع أحد الشبان.

قرارات أكثر صرامة

مع تنامي ظاهرة الشغب حاولت وزارة الرياضة في تونس إيجاد الحلول حيث انعقدت في أكثر من مناسبة ندوات علمية بمشاركة عدة خبراء الهدف منها القضاء على هذه الظاهرة، وفي هذا السياق نظمت الوزارة مؤخرا ملتقى وطنيا بمشاركة جميع الأطراف المعنية وقد يتم قريبا سن قوانين زجرية أكثر صرامة من أجل مقاومة هذه الظاهرة.

وفي هذا السياق يفترض أن يتم إصدار قرار بحل كل روابط “الألتراس” وجعل الانتماء إلى روابط الأحباء يقتصر على المجموعات المعترف بها سواء من الأندية أو السلطات المعنية، وبخصوص هذا الموضوع أشار الخبير في القانون الرياضي أنيس بن ميم إلى أن الحل الأنسب للقضاء بشكل كبير على العنف في الملاعب التونسية يكمن في إحكام مراقبة سلوك الجماهير أثناء المباريات، مع ضرورة حل كل الروابط التي تتبنى العنف ولديها سوابق في هذا المجال، مضيفا “من الواضح أن روابط الألتراس تبقى المتهم الرئيسي في تنامي مظاهر الشغب، خاصة وأن هذه الروابط تضم بعض الأعضاء الذين ثبت في السابق تورطهم في القيام بأعمال تخريبية، أعتقد أن الوقت حان من أجل اتخاذ تدابير صارمة لتنقية الملاعب التونسية من ‘الهولينغانز” الجدد، والحل في ذلك يكمن أساسا في تطوير أساليب المراقبة في الملاعب وحرمان كل متورط في أعمال العنف من ارتياد الفضاءات الرياضية مدى الحياة”.

22