العنف يلوّث العالم

الأحد 2016/01/31

العنف يغرق عالمنا ويلوثه برماد الكراهية، ترى متى نفتح نوافذنا وأحلامنا على أفق يهدهده الأمان الجميل واللغة المسالمة؟ متى يستعيد كوكبنا وعيه المُغَيّب ليمحو من اللغات مفردة الحرب والعنف والإرهاب؟

ترى من دفع بسكان الكوكب إلى طريق الدم بدل سبل الحوار والحب والأمل؟

هل هي جريمة الساسة؟ أم تراها الأيديولوجيات العمياء التي دجّنت عقول البشر وحوّلتهم إلى روبوتات تردد مقولات مفارقة لطبيعة حياتها وآمالها؟ أم هو تردي أوضاع الاقتصاد وتفاقم الفقر والظلم وسطوة العولمة؟

لقد غاب الوعي عندما أسلمت الحشود مصائرها لقادة التجهيل، واحتجزت ملايين البشر في زنزانة التلقين الإعلامي، وتخدرت العقول بما تبثه التلفزة وبما تفضي إليه وسائل التواصل الإلكترونية من إدمان.

كلما غاب الوعي خوت الرؤوس وصارت مرتعا لكل التفاهات وتهيأت لاحتضان جنون العنف وخمدت طاقة اللغة وعجزت عن استنهاض الوعي وإدارة الحوار، وكلما لجأ المرء إلى العنف في القول والسلوك اليومي فإنه يعترف بهشاشة وعيه وعجز لغته وانحرافه عن سبل التأنسن فيعود إلى سلفه الصياد المتوحش كائن الكهوف.

يعطل العنف القوة الكامنة في اللغة والكلمات وبالتالي يستبعد أهمية تداول اللغة في إدارة الحوار بين كائنين سويّين ويدمر إمكانات التفاهم بين البشر، وكلما تعطلت طاقة اللغة تصدر العنف الموقف لأنه خيار العاجز ووسيلته لحل مشكلات الوجود مما يستدعي تجييش القوى الضارية الراقدة في أعماق الإنسان وإيقاظ روحه البرية التي اعتادت عنف المواجهات.

ويستدعي التحرر من أشكال العنف، تجديد اللغة وتحريرها من مفردات العنف التي استمكنت فيها خلال العصور بفعل عقائد معينة وتقاليد ثأر وعادات قبلية بائدة فتمترست في العقول بعون من وسائل الاتصال وسرعة وصول المعلومة والصور الدموية ومشاهد القتل التي أضحت زادا يوميا لمشاهدي التلفزة ومدمني وسائل التواصل.

يزدهر العنف اللغوي في عمليات عسكرة المجتمع وتجهيله وإشاعة النزعات القومية العنيفة والدينية المتعصبة والعرقية وإحياء الطقوس الدينية الدموية التي تجعل تعذيب الذات مدخلا لممارسة العنف على الآخر.

وتسهم مفردات مناهج التعليم عموما في وضع العنف موضع التبجيل والتقديس كعنصر من عناصر الدفاع عن الأمة ونقائها ولا نجد في مفردات دروس اللغة العربية في بلداننا -بخاصة في المراحل الثانوية – سوى القصائد والنصوص التي تعجّ بمفردات الموت والمشانق والمنايا والغزو وتدمير الأعداء وسحق الرؤوس وباقي المفردات التي تتحدث عن الفداء والمقابر والأكفان والطعنات والردى.. وتبعا لهذا النهج يجري استبعاد كل نص أو بيت شعري فيه غزل رقيق أو مشاعر إنسانية رفيعة أو عواطف وأحاسيس ترهف الذائقة وتهذب اللغة وتمنح الطالب متعة وتخصب خياله بالصور الجميلة وتعزز قدراته التعبيرية وإنسانيته، لذلك نجد الكثير من الأجيال الشابة تفتقر إلى مهارات الكلام الشيق اللطيف، وتعجز عن التعبير الطليق لأنها لم تتدرب أساسا على التفكير الحر الذي يرتبط به غنى اللغة وتنوع مفرداتها وجرى تلقين الأجيال تلك المعلومات الجافة والمادة الدراسية الميتة التي تقحم قسرا إلى عقولها الفتية.

ونشأ جيل منزوع الإرادة فاقدا لأهمية قيمه الإنسانية ودوره الإيجابي في الحياة وتربّى على قيم الثأر وقطع اللسان إذا بادر ونطق أو عارض رأيا أو تمرد على خرافة سائدة أو ثار على تفاصيل الحياة التي قننها كهنة السياسة وحراس الفضائل الزائفة فاتجه هذا الجيل المدجّن إلى ممارسة العنف لعجزه عن التحاور فقد روّضوه على التماثل والطاعة المطلقة وحرمة الاختلاف عن القطيع وعجز عن الارتقاء بإنسانيته في حاضنة المحبة واحترام المختلف وممارسة الحوار.

كاتبة من العراق

11