العنف يهدد التعايش بين الطوائف في الجزائر

الجمعة 2014/01/31
بنو ميزاب، أغلبية أمازيغية في مدينة غرداية، يتبعون المذهب الأباضي

الجزائر- في الوقت الذي تسيطر فيه أخبار الاستعدادات لرئاسيات الجزائر وترشيح الرئيس عبد العزيز بوتفليقة لولاية رابعة، على اهتمامات الجزائريين، تدور رحى مواجهات إثنية، منذ شهرين، بين عرب سنة وأمازيغ أباضيين في مدينة غرادية الجنوبية، في موقف قد تكون له عواقب وخيمة على البلاد.

أدى تحطيم مقام دفن فيه أحد علماء الأباضية في مدينة غرداية الأمازيغية بالجنوب الجزائري، إلى مواجهات بين شباب المجموعتين ما يهدد بصراع طائفي قد تكون له عواقب وخيمة على البلاد.

وتقع غرداية التي يرجع تاريخ تأسيسها إلى القرن الحادي عشر ميلادي، على بعد 600 كيلومتر من العاصمة الجزائرية ويقطنها حوالي 400 ألف نسمة منهم 300 ألف أمازيغي.

وتشهد هذه المدينة الجنوبية منذ عدة أسابيع مواجهات متكررة أدت إلى تدمير الممتلكات وغلق المحلات وحرمان الأطفال من الدراسة. ونظرا للتداعيات الخطيرة لهذه المواجهات، حذّر المحلل السياسي رشيد تلمساني من أن “المساس باستقرار غرداية قد يؤدي إلى عدم استقرار كل المناطق المحيطة بها”. وغرداية منطقة قريبة من أبار النفط وتعتبر بوابة الصحراء الكبرى بالجنوب الجزائري الذي يتقاسم الحدود مع دول الساحل الأفريقي.

ورغم الهدوء الحذر السائد خلال الأيام الماضية بعد مواجهات أدت إلى مقتل ثلاثة أشخاص، إلا أن التعايش بين طائفتي بني ميزاب الأمازيغ الأباضيين والشعامبيين العرب السنة الذي يدوم منذ مئات السنين، يبقى مهددا.

وتبدو السلطات المحلية عاجزة عن إيجاد حلول دائمة للمشاكل في المنطقة ولا حتى وضع حد للمواجهات التي طالت حتى المقدسات. وبمرارة شديدة، تحدث نور الدين داني نونو، وهو من الأباضية، عن تحطيم مقام دفن فيه “عمي موسى” أحد علماء الأباضية. وقال: “لن يبرأ جرحي ما حييت”.

وعمي موسى المتوفى في 1617، هو رمز للتعايش السلمي في هذه المنطقة. فهو “من تحمل مسؤولية قرار إدماج البدو (العرب) في المدينة الميزابية في 1586”، بحسب الباحث محمد حاج السعيد. ولم يتقبل السكان تحطيم المقام المسجل في التراث العالمي من قبل منظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم (يونيسكو) ثم نبش القبور المجاورة له في 26 ديسمبر.

وانتشرت في مواقع التواصل الاجتماعي أشرطة فيديو تظهر شبابا يمكن التعرف عليهم وهم يحطمون أملاك الميزابيين أمام أعين رجال الشرطة ومن دون أن يوقفوهم. كما يتم عرض هذه الأشرطة لكل الصحافيين الذين يتنقلون إلى غرداية.

وطلب أعيان المنطقة من الدرك الوطني التابع لوزارة الدفاع حماية الأحياء القديمة المعروفة في الصحراء الجزائرية بالقصور، لأنهم لا يثقون في الشرطة التابعة لوزارة الداخلية ويتهمون بعض أفرادها بالتواطؤ مع المخرّبين. وكانت المديرية العامة للأمن الوطني بالجزائر أعلنت الأحد الماضي عن توقيف ثلاثة عناصر من الشرطة وإحالتهم على القضاء بسبب “تهاونهم في أداء مهامهم”.

كما تحدث وزير الداخلية الطيب بلعيز، المسؤول الأول عن جهاز الشرطة، عن اتهامات بعض أعيان المنطقة لرجال الشرطة بـ”التجاوزات” معتبرا ذلك “أعمالا فردية ومعزولة” مشيرا إلى فتح تحقيقات بخصوصها.

احتجاجات شعبية ضد العنف الطائفي في غرداية

وطالب موسى وهو تاجر في المدينة القديمة بـ”توفير الأمن (فقط) فنحن لم نطلب شيئا من الدولة منذ 1962 (تاريخ الاستقلال عن الاستعمار الفرنسي)”. وبالنسبة إلى محمد جلماني، أحد أعيان الأباضية، فإن “هذا الوضع هو نتيجة السياسة المتبعة في المنطقة منذ الاستقلال”.

وأوضح أن الشعامبة استولوا على الحزب الحاكم، حزب جبهة التحرير الوطني، بعد الاستقلال معتبرين أنفسهم ثوريين وأن الميزابيين “أثرياء رجعيون”. ويعرف عن بني ميزاب أنهم مستقلون عن الدولة. فهم يسيرون أمورهم وفق تقاليد عريقة مبنية على التضامن الاقتصادي داخل الطائفة.

ومن بين أسباب النزاعات في المنطقة نقص الاندماج بين الطائفتين لذلك هناك فرق لكرة القدم تنشأ على أساس طائفي حتى الآن. وما زاد من حدة المواجهات عدم تعرض المسؤولين عن العنف للعقاب، إضافة إلى التغير الذي حصل في المجتمع الميزابي، بحسب جلماني.

وأوضح أنه في الماضي كان شباب بني ميزاب ينتقلون للعمل في المدن الشمالية لكن التطور الذي عرفته المنطقة جعلتهم يستقرون فيها. وبرأي الكثير من الأعيان فإنهم عاجزون عن منع الشباب من الرد على الاستفزازات رغم معارضتهم لها.

واعتبر محمد جلماني أنه “لا يوجد مشكل بين الميزابيين والشعامبيين ولكن هناك مشكلا بين مجرمين أيا كان انتماؤهم، والميزابيون يدافعون عن ممتلكاتهم”. ويتبادل الشباب من الطائفتين الاتهامات في جو يسوده شعور بالكراهية من الجانبين.

لكن رئيس مؤسسة الشعامبة، بوعمر بوحفص، اعتبر أن “المشكل هذه المرة هو بين الميزابيين أنفسهم”، مؤكدا أن طائفته هي التي تعرضت للاعتداء “من طرف مجموعات من الميزابيين”. وحذرت جمعية العلماء المسلمين، وأحزاب سياسية وناشطون إعلاميون، من مخاطر الفتنة الطائفية وتداعياتها على أمن واستقرار الجزائر.

وفي رأي الكثير من الملاحظين فإن النزاع الحالي لا علاقة له بالانتماء الديني أو اللغوي. وبالنسبة إلى بعض السكان فإن “مهربي المخدرات يؤججون الوضع” لأنهم يسيطرون على الحي الذي يأتي منه المخربون.

12