العنيف والسليم في السياسة والدين

الثلاثاء 2014/06/17

تمكن الإسلاميون المتشددون من اكتساب موطئ قدم في أنحاء كثيرة من العالم العربي، فتغلغلوا في العراق وبدؤوا يزحفون على مدنها السنية التي سقطت الواحدة تلوى الأخرى فتفكك الجيش العراقي وبدأت حكومة العراق في الانهيار تلك التي بنت سياستها على التهميش الطائفي.

ومن المعلوم أن تنظيم “داعش” يهدف في حربه المتواصلة في سوريا إلى إعادة الخلافة الإسلامية الممتدة من الساحل اللبناني حتى جبال زاغروس في إيران وابتلاع بلاد الخليج وإماراتها. كيف نفهم هذا العنصر العنيف المتواصل في السياسة والدين وهل حقا أن ثقافة الإسلام تصنع العنيف؟

لقد أفرزت التجربة الفعليّة البراغماتية للإنسان المعاصر علاقات بشرية من نوع خاص قد لا ننتبه إلى مرتكزاتها الأساسية. فقد بينت الأبحاث السياسية أنها- منذ بداياتها- تتسم بالعنف المتواصل الذي يحدث توازنا اجتماعيا نسبيا، يقوم على مبدأ الغلبة حيث أن الغالب سيتفانى في إخضاع الطبيعة وما عليها لتكون في خدمته وفي خدمة مصالحه، وفي المقابل سيعمل المغلوب جاهدا على الحفاظ على حياته بكل الوسائل وسيفضل العبوديّة والقهر أحيانا باعتبار أن مصلحته الأولى تكون أساسا في البقاء، كما بينت الأبحاث أيضا أن وضعية الغلبة في العلاقات البشرية لا تؤدي حتما إلى توازن متواصل للمجتمع. بل قد تفرز حالة عنف متواصلة فتصبح سبب وجود النظام نفسه. ولعل ظاهرة العولمة وما تقوم عليه من طمس التنوع الحقيقي وتهميش الغير تؤكد ذلك، فقد دخل العنف بجميع أوجهه ميدان التعامل اليومي والتواصل بين البشر، حيث أن تدبير شؤون المجتمعات داخليا وخارجيا قد ارتكز أكثر على النواحي الأمنية العنيفة.

وقد لا نخطئ كثيرا إذا قلنا إنّ المؤسسات الاجتماعية والسياسية التي تقوم على العنف “القانوني” كالجيش والشرطة والمخابرات وغيرها، أصبحت اليوم في كل بلدان العالم تقريبا تلعب دورا رئيسيا في صنع التوازن الاجتماعي طلبا لاستتباب الأمن وضمانا للإنماء المتواصل. ولكنها وفي الآن نفسه تصنع بؤرا متعددة للصمود بما في ذلك ما يسمى بالإرهاب. زد على ذلك أن الدبلوماسية نفسها قد أقحمت الحرب في العلاقات الدبلوماسية وسيلة للتعامل مع البلدان بعد ما كانت الملاذ الأخير، فترى البلدان القوية لم تعد تتحرج كثيرا في التدخل العنيف في شؤون البلدان الأخرى باستعمال الحرب، بل لم تعد تتفادى التقتيل الذي يصيب عامة الناس، أطفالا كانوا أو شيوخا ونساء، باعتباره الآن نتيجة حتميّة لتطور الأسلحة وتطور الإستراتيجية الحربية.

هذه الحالة الجديدة للعالم والتي تنبأ بها الفيلسوف الألماني نيتشه عندما أكد أن الحالة العادية للإنسانية هي الحرب، وأن السلام لا يعدو أن يكون هدنة مؤقتة تقوم فيها الإنسانية بإعداد الحرب القادمة. لذلك لا يمكننا اتهام الدين بكونه العنصر الأساسي لهذه الحروب المتواصلة، حتى وإن استعمل المحاربون من الجهتين الدين وسيلة للتعبئة الأيديولوجية والفكرية.

فالدين، إضافة إلى الروابط العائلية، هو في الواقع أهم عنصر يحقق الوحدة الاجتماعية، وهو في ارتباطه بأخلاقيات التعامل يحقق نوعا من السلم على الصعيدين السياسي والاجتماعي. إلا أن قراءة الفكر الديني من الناحية التاريخية وحتى العقائدية قد تبرز الوظيفة السياسية للأديان: هذه الأديان تقوم بخلق فضاء ثقافي تتشكل داخله المجتمعات وتقوم بابتكار أساليبها الخاصة في التفكير وعاداتها وطقوسها ومجالات حضورها واختلافاتها بإقصاء من لا يكون من أهلها ومعتنقيها. لذلك كانت مهمّة الثقافة العربيّة الإسلاميّة النّاشئة في أوائل العهد الإسلامي تتمثّل أساسا في بناء النموذج الفاعل لحضارة قد شرع العرب في إعادة صياغتها وتركيزها. وهو نموذج ديني وسياسي يقوم على مبادئ روحيّة وأخلاقيّة من ناحية، ووظائف عمليّة وسياسيّة من ناحية أخرى.

فكان لابدّ على المثقّف العربي أن يقوم بالتعريف بهذا النموذج وبالبحث في مكوّناته وتبعاته، وكان لابدّ أن تتركّز معالمه في الحضارات الكبرى الأخرى التي قد تمّ التعامل معها سلما وحربا. وكان لابد على رجل السياسة أن يدبر شؤون الحرب والسلم معتمدا على هذا النموذج المعياري الديني. ولكن وبتطور الحضارة العربية الإسلامية لم تعد ثقافة الإسلام تصنع العنيف، بل توجهت نحو إبراز ما به يكون الإنسان في ربوعها سليما. ومن الأمثلة العديدة على ذلك نسوق مثال تطور الأدب في تلك الحضارة. فمن المعروف أنّ الأدب في معناه الأصلي الأوّل يفيد كلّ مجالات الفكر والإبداع والثّقافة ولعلـّه يقترب كثيرا من المعنى الذي عليه الآن مفهوم الثـّقافة لأنّه لا يفيد فقط إرادة المعرفة والإطلاع على الجديد والطريف، بل يهتم أيضا بمعرفة سير الناس وتقاليدهم وطرق عيشهم وأنماطها، بحيث سيكون الأدب مرآة تنعكس عليها معطيات المجتمع الماديّة والفكريّة والرّوحيّة.

هنا تكمن عظمة الثّقافة العربيّة. أي في هذا التنوّع الشديد وفي انفتاحها الكبير على الحضارات الأخرى، ولكنّ هذه العظمة تكمن أيضا في أنّها لم تحدّد منهاجا في الولوج مباشرة ودون واسطة نحو المعلومات بالأحداث فقط، ولم يرتكز هذا المنهاج على الوجدان وفي الإحساس فقط، بل كان حقيقة منهاجا تنويريّا يعتمد أيضا التبصّر والتعقّل واستعمال الرؤية والبحث في المعاني واستخراجها وإعادة بنائها بالعقل والتأويل. كما أكدنا ذلك مرارا.

يبدو لي إذن أن المكوّنات الأساسية التي تقوم عليها الثّقافة العربيّة تحث على السليم وتنبذ العنيف، وتحث على التعقل والأخذ بكلّ معطيات العلوم دون استثناء بداية من القرآن الكريم الذي أعطى للمسلم قاعدة التعامل العقلي مع الوجود والأشياء المحيطة، فالإسلام دين إيمان وإحسان، والإحسان يتطلب أن تكون معارفنا بالوجود معارف عقليّة حكيمة، لأنّ الإحسان هو أصل الحكمة، ولأنّ الحكمة هي أصل التعامل مع الآخر. والمحسن هو العارف الذي يطمح إلى الحسن في العمل والإبداع في الإنتاج، والمحسن هو المبدع الذي يضفي الجمال على الكون، والمحسن هو الذي يجعل العالم جميلا يحلو فيه العيش، والمحسن هو الذي يمكّن الناس كلّ النّاس من العيش سويّا، مهما كانت مآربهم ومواقفهم ومشاغلهم.

ولست أدري كيف يمكننا أن نفهم الإسلام خارج ثقافة الإحسان وخارج ثقافة السّلام. فالجاهل هو الوحيد الذي يرى في الإسلام عنفا وقتلا فلكي لا ينزلق في كابوس الجهل حثّنا الإسلام في آيات بيّنات لا غبار عليها، أن نتعلّم ونتعقّل وأن لا نقهر إلاّ الجهل وما ينتجه من عنف وفتنة. فثقافة الإسلام لا تصنع العنيف ولا تحث على الفتنة، ولكنها قد تكون ثقافة الصمود التي إذا ما أصابها الجهل تنزلق في العنف العشوائي لتحقيق أحلام العودة إلى النموذج الفاعل والمعياري للسلف في بدايات الدين الإسلامي.


كاتب ومفكر تونسي

9