العوائق والمحرمات في أدب السيرة العربي

الكتاب العرب ينفرون من كتابة سيرهم الذاتية وتجنبهم ذلك يعود إلى خوفهم من الرقابة الخارجية والداخلية.
الثلاثاء 2019/10/22
محمد شكري من القلائل الذين كتبوا سيرهم بجرأة

إذا ما نحن تأملنا في الثقافة العربية في مختلف أطوارها التاريخية، فإننا نتبيّن أن النماذج التي تحيل إلى فن السيرة الذاتيّة، نادرة ندرة الماء في صحراء الربع الخالي.

في القديم مثلا، كان جلّ الشعراء والأدباء يمتنعون عن الخوض في أيّ شيء يتّصل بحياتهم الشخصية، موكلين الأمر لمؤرخي الأدب. فإذاهم اضطروا إلى كسر الطوق، اكتفوا بالإشارة والتلميح الخفيف.

حتى الذين تغنوا بأناهم حتى الإفراط مثل أبي الطيب المتنبي، لم يتركوا لنا ما يمكن أن يشفي الغليل في هذا الغرض.

نادرون هم الذين شذّوا عن هذه القاعدة. وأبوحامد الغزالي واحد من هؤلاء. ففي كتابه “المنقذ من الضلال”، حاول أن يرسم لنا صورة عن ذاته وهي تمضي مضطربة وحائرة من الشك إلى اليقين. وليس العكس.

وما فعله أبوحامد الغزالي كان أمرا غريبا في عصره، بل في جل العصور العربية والإسلامية القديمة. وحتى وإن كان الهم الأساسي للغزالي من وراء كل هذا لم يتعدّ الإبلاغ عن التأثيرات المعرفيّة والروحيّة التي قادته من ظلام الشك إلى نور اليقين، فإنه يمكن اعتبار “المنقذ من الضلال”، نموذجا قريبا من فن السيرة الذاتيّة، ومنسجما معه.

وفي كتاب “التعريف”، روى ابن خلدون أطوار حياته منذ نشأته في تونس، وحتى السنوات الأخيرة من حياته في القاهرة ، واصفا بدقة متناهية أحواله في المغرب، وفي الأندلس، وفي قلعة “ابن سلامة” حيث كتب “المقدمة”.

كما يروي تفاصيل عودته إلى تونس، وخلافه مع الإمام ابن عرفة الورغمي، إلى غير ذلك من الأحوال والأطوار من دون أن يغفل عن أحداث عصره الموسومة باضطرابات خطيرة، ونزاعات دموية. وكذا كان حال ابن بطوطة الذي استوفى في رواية رحلته العجيبة شروط السيرة الذاتية.

وفي النصف الأول من القرن العشرين. بدأ فنّ السيرة الذاتيّة، يشهد نوعا من الانتشار بعد أن كان فنا منبوذا، ومرتابا في أمره. وكان أولئك الذين درسوا في الجامعات الغربية هم من تجاسروا على طرق باب هذا الفن. فقد كتب طه حسين “الأيام” بعد أن قرأ “اعترافات” جان جاك روسو، و”ذكريات ما وراء القبر” لشاتوبريان، و”ذكريات الطفولة والشباب” لارنست رنان، وآثارا أخرى من هذا القبيل مثل “لو أن البذرة لم تمت” لأندريه جيد.

بدأ فنّ السيرة الذاتيّة
بدأ فنّ السيرة الذاتيّة

واقتحم فن السيرة أيضا أدباء آخرون أمثال عباس محمود العقاد وتوفيق الحكيم وسلامة موسى ويحي حقي ومخائيل نعيمة وأحمد أمين، إلاّ أن الشهرة التي حصل عليها طه حسين بفضل كتاب “الأيام” لم تتحقق لأي واحد من هؤلاء. وانطلاقا من النصف الثاني من القرن العشرين، ازداد الإقبال على فن السيرة الذاتية من قبل الشعراء والكتاب. وهذا ما نتبينه في “قصتي مع الشعر” لنزار قباني، وفي المجموعات الشعرية الأخيرة لمحمود درويش.

ونادرون هم الذين كتبوا سيرهم الذاتية متحدّين العوائق والمحرمات. وكان المغربي محمد شكري واحدا من هؤلاء. وعلينا أن نشير إلى أن دور النشر العربية لم تتجرأ على نشر سيرته التي حملت عنوان “الخبز الحافي” إلاّ بعد أن صدرت في ترجمة إنكليزية. لكن سرعان ما انقضّت عليها أجهزة الرقابة لتمنع بيعها وتوزيعها في أغلب البلدان العربية، بما في ذلك بلاده المغرب.

وتمكن العراقي الآشوري صاموئيل شمعون من إقناع القراء بإتقانه لفن السيرة من خلال سيرته التي حملت عنوان “عراقي في باريس”.

وقد حاول بعض الكتاب العرب كتابة سيرهم إلاّ أنهم فشلوا في ذلك. ولعل من بين أسباب فشلهم جنوحهم إلى التصنع والمبالغة والحرص على تقديم أنفسهم عبر صورة “طهرانية”، أو “بطولية”، في حين أنهم يكونون في الحقيقة وفي الواقع دون ذلك بكثير.

أما سبب نفور كتاب عرب آخرين من كتابة سيرهم فهو خوفهم من الرقابة الخارجية والداخلية أيضا، إذ أنهم يعتقدون بأنهم قد يسيئون إلى أنفسهم وإلى عائلاتهم إن هم كشفوا عن بعض الأسرار والخفايا، وفضحوا ما هو مستور ومغيّب في مجتمعهم.

وأذكر أن أخوين تونسيين، والاثنان أديبان معروفان، تخاصما إلى حد القطيعة لأن أحدهما تجرأ على كشف بعض أسرار العائلة. ومرة قال لي شاعر تونسي معروف بأنه لا يحب أن يروي أسرار حياته لأنه يخشى أن يصدم زوجته وأبناءه.

وقد حاولت كاتبات عربيات كتابة سيرهن على طريقة الكاتبات الغربيات، ولا هدف لهن غير الحصول على الشهرة الزائفة والمغشوشة.

لهذا السبب لم يقدمن ما يمكن أن يثبت صدقهن ونزاهتهن وقدرتهن على تجاوز العوائق والمحرمات، فجاءت سيرهن مصطنعة وباهتة وفاقدة لروح فن السيرة الذاتية في مفهومه العميق والبديع.

14