العواصف النيزكية تصنع صخبها الخاص في فيلم "كارثة وجليد"

الناس متجمعون لكي يمضوا أوقاتا سعيدة، ويكمّل الحوار الإنساني المعتاد مشاعر البهجة في لقائهم ذلك وحيث يقيمون، في تلك المدينة التي تعيش لحظاتها السعيدة، وتتعالى في كل مكان منها الضحكات، لا شيء يشوّش عليهم ولا ينال من تلك الغبطة السائدة، لكن هنالك قوى فاعلة وغير مرئية بإمكانها أن تنقضّ على المشهد برمته وتقلبه رأسا على عقب وتحيل الأفراح إلى نوع من الهلع المتواصل، الذي لا تُعرف حدوده، وما بين الحالتين؛ الأفراح الباذخة والخوف المديد، ثمة سؤال: من الذي يقف وراء تلك الدراما الهائلة من الرعب الذي يلاحق حياة الإنسان؟ ذاك ما يطرحه فيلم “كارثة جليد عيد الميلاد” أو “كارثة وجليد” للمخرج جوناثان وينفري.
الاثنين 2015/11/09
كل من يغادر المكان من الممكن ألا يعود إليه

في فيلم “كارثة جليد عيد الميلاد” (إنتاج 2014) وهو عنوان تم تحويره في أصله الإنكليزي للجمع بين كلمتي (كارثة وجليد) ليظهر بهذا الشكل وهو للمخرج جوناثان وينفري، سنغوص في ثنايا ذلك العالم المجهول ابتداء من تلك المدينة شبه المعزولة والمنقطعة، والتي تحفّ بها الجبال والغابات وتتردد فيها أصداء احتفالات عيد الميلاد، عندما يلوح في الأفق نيزك يتحرك عبر المدى الفسيح لتبدأ بعدها الكارثة.

يبدأ قصف العاصفة النيزكية مصحوبا بصقيع وعاصفة جليدية تتحدان وتنهيان حياة كل ما تطاله، إذ سرعان ما ستتحد عوامل عدة لتنشئ كتلا جليدية هائلة تمزق جسد الأرض وتنشر الموت في كل مكان.

على وقع هذا الهلع تسري خطوط الدراما الفيلمية، وهنا يكمن تحدّ جمعي يلاحق الجميع، وتلعب الطبيعة والجغرافيا دورا في فقدان الاتصال بالكثيرين، فكل من يغادر المكان من الممكن أن لا يعود.

يقود تشارلي (الممثل فيكتور ويبستر) تلك الدراما المتصاعدة ويحاول إنقاذ ما يمكن إنقاذه، لكن ذلك لن يجدي نفعا فالموت يلاحق الجميع والعواصف النيزكية لا ترحم أحدا، التصوير من زوايا ومستويات متعددة والقطع المونتاجي المتسارع يسهمان في مواكبة الأحداث وتقديم خطاب صوري متنوّع.

يجتمع عزم تشارلي مع العلم الذي تمتلكه أليكس نوفاك (الممثلة جينيفر سبينس)، فهي عالمة متخصصة في النيازك والشهب وتجري أبحاثا معمقة فيها حتى تعثر على تلك الوصفة الغرائبية؛ أنه باتحاد الجليد مع النار ستتوقف العاصفة النيزكية عن قصف الأرض، وهو ما تنفذه فعلا في مغامرة شديدة الخطورة وسط جبال الجليد، وفي موازاة ذلك ثمة سرد فيلمي يتعلق بالعاشقين الشابين تيم وتيرا.

يخوض الشابان مخاطرة تفضي بهما إلى موت محقق مرات عدة وسط عصف وانهيارات جليدية متكررة، ينجوان منها في كل مرة ويعودان سالمين لينضمّا إلى بقايا سكان المدينة المختبئين. يلعب المكان دورا مهما في هذه الدراما التي تنتمي إلى نوع دراما الكوارث، فقد تمت صناعة مفردات مكانية كل منها يكشف عن حدث ما من الأحداث يسهم في تصعيد الدراما، فضلا عن الحصاد الذي يطال ضحايا كثرا. هذا التنوع المكاني كان في كل مرة مرتبطا بواقعة، فتارة على جسر وأخرى على طريق جبلية، وثالثة قرب بحيرة وهكذا.. فالمكان يتحوّل إلى شاهد على الهول المقبل، ممّا يجعل المشاهد يشعر أن قوة خفية ما تدير تلك الهجمة الشرسة على سكان المدينة.

وفي المقابل ثمة بطولات تبدو مصطنعة وتقوم على فرضية نجاة الشخصية حتى آخر لحظة وأيا كان نوع الخطر الذي تواجهه، ومثال ذلك تشارلي والفتاة تيرا التي تُطمَر مرارا تحت كتل الجليد، ثم تنجو وهكذا الحال بالنسبة إلى صديقها، أما المشاهد الأكثر لفتا للانتباه هي مشاهد تجمّد السيارات وحتى طائرتي الهليكوبتر، فكل ما تطاله العاصفة النيزكية- الجليدية سيكون مصيره التجمد أولا ثم التصدع والتفتت قطعا صغيرة ثانيا، بما في ذلك الإنسان، حيث تتعرض العديد من الشخصيات لذلك القدر المحدق وتتصدع سريعا فلا يبقى منها شيء.

ووسط هذه الدراما الهائلة وقطع الأنفاس وحيث بإمكانك أن تتساءل مَن هي الضحية المقبلة؟ وكأن العاصفة تتعقب ضحاياها تباعا، وسط هذه الدراما هنالك الزوجات الأنيقات اللائي بقين محافظات على أناقتهن، ماكثات في القبو يراقبن سير الأحداث حتى وإن خطفت العاصفة ابن إحداهن أو أخفت آخر أو غيّبت زوجا. لا يتغير شيء كثير بالنسبة لهن حتى يلتئم الشمل مجددا خاصة بالنسبة إلى تشارلي الذي التهمته العاصفة هو وزميلته العالمة أليكس، إذ قدما حياتهما من أجل إنقاذ الآخرين عندما نفذا تجربة جمع القسم الناري مع الثلجي لردع العاصفة، وهو ما سينجحان فيه وسنعتقد أنهما فارقا الحياة إبان تلك المغامرة، لنكتشف أنهما مازالا هناك حيين يرزقان، ولكنهما سينجحان في استخدام أصابع الديناميت لإيقاف العاصفة، بل وقهقرتها في مشهد لافت.

تعود الطبيعة إلى سيرها الأول بعد العاصفة، وها نحن وسط منظر خلاب للطبيعة الخضراء وقد ذابت الثلوج تماما، وعادت البهجة إلى الجميع ليمارسوا احتفالاتهم بعد ذلك البلاء الذي حل بالمدينة وقتل العشرات من سكانها.

16