العودة إلى أسطورة "بوني وكلايد" في ثوب جديد

فيلم "رجال الطريق السريع" ينزع فكرة الجمال والبطولة عن بوني وكلايد أشهر من غشي عالم الإجرام في الولايات المتحدة أوائل الثلاثينات، مصوّرا بشاعة جرائمهما وجرائم عصابة كلايد.
الجمعة 2019/04/26
مقتل الشرطيين دون أي مبرر أجج الرأي العام ضد بوني وكلايد

مرة أخرى تعود السينما الأميركية إلى قصة “بوني وكلايد”، تلك الأسطورة الرومانسية الذائعة الصيت لاثنين من أشهر من غشي عالم الإجرام في الولايات المتحدة، وذاع صيتهما بوجه خاص في ولايات الجنوب أوائل الثلاثينات وقت الأزمة الاقتصادية الطاحنة، هذه الأسطورة خلدها المخرج آرثر بن في فيلمه الشهير “بوني وكلايد” (1967) بطولة وورين بيتي وفاي دوناواي.

الفيلم الجديد “رجال الطريق السريع” The Highwaymen للمخرج جون لي هانكوك (من شبكة نتفليكس) كان يمكن ببساطة أن يحمل اسم “فرانك وماني”، فهما البطلان اللذان تدور من حولهما الحبكة أو أحداث هذا العمل الطموح، الذي كان يمكن أن يعرض أيضا في دور السينما حول العالم ويحقق النجاح.

يصوّر الفيلم قصة بوني وكلايد، أشهر من غشي عالم الإجرام في الولايات المتحدة أوائل الثلاثينات، ولكن من الجهة الأخرى المقابلة، أي من وجهة نظر الرجلين اللذين كانا يتعقبان كل خطواتهما، لذلك فقد حرص سيناريو الفيلم على ألاّ يجعلنا نراهما رغم كونهما في بؤرة الفيلم، لكننا نرى ما يخلفانه وراءهما من جثث، نسمع شهادات البعض عنهما، نتابع ردود فعل الجمهور العام، وكيف يحظى الثنائي بالشهرة والإعجاب الذي يصل إلى حد جعلهما أسطورة رومانسية، تمتزج فيها الجريمة بالجرأة، بفكرة تحدي المؤسسة الرسمية أو الدولة، والتصدي للشرطة والسخرية منها باعتبارها رمز القمع التقليدي، وسرقة البنوك التي كانت سببا في إفقار الناس ودفعهم إلى حياة البطالة والبؤس والتسول.

وفي مشاهد عديدة نشاهد تجمعات الفقراء الذين أرغموا على التخلي عن منازلهم والعيش دون مأوى على هامش المدن. فرانك وماني، هما الرجلان اللذان قادا البحث عن بوني وكلايد واشتركا مع قوة ضخمة من الشرطة في قتلهما على نحو ما شاهدنا في المشهد الأخير من فيلم “بوني وكلايد”، ولكن من دون أن نعرف عنهما شيئا.

إنهما نموذجان مثاليان لما يعرف في الدراما بـ“نقيض البطل” anti-hero، فهما أولا طاعنان في السن، وكانا في الماضي ضمن قوة شبه مسلحة موازية للشرطة تسمى Rangers، تأسّست في القرن التاسع عشر في ولاية تكساس التي ينتمي إليها بوني وكلايد، وتخصصت في تعقب الخارجين على القانون والقبض عليهم أو تصفيتهم.

فرانك وماني الآن متقاعدان، أولهما فرانك (كيفن كوستنر) يعيش حياة أرستقراطية هادئة في بقعة ريفية ومنزل كبير فخم مع زوجته ذات الشخصية القوية والجمال الذي لم يخفت بعد، غلاديس (كيم ديكنز)، أما ماني (وودي هارلسون) فهو على النقيض من الأول، مفلس، سكير، يعيش عالة في منزل ابنته.

وعندما تكثر الجرائم التي يرتكبها بوني وكلايد وعصابتهما، خاصة جرائم قتل ضباط الشرطة، يقترح مدير شرطة تكساس على حاكمة الولاية السيدة مافيرغسون (كاثي بيتس) الاستعانة بـفرانك (أو فرانك هامر) الذي عرف بمهارته في اصطياد المجرمين وقوة شكيمته، ولكنه في حاجة إلى من يساعده، وعندما يبحث عن رفاقه السابقين يكتشف أنهم جميعا غادروا الحياة فيما عدا ماني، ورغم حالته المزرية يقرر الاستعانة به.

بين القديم والجديد

الفيلم يبدو مزيجا من الفيلم البوليسي (ثريللر) والدرامي والويسترن وفيلم الطريق
الفيلم يبدو مزيجا من الفيلم البوليسي (ثريللر) والدرامي والويسترن وفيلم الطريق

يقدم الفيلم هذين المتطوعين الرفيقين القديمين الطاعنين في السن، في ملابسهما التي تشبه ملابس رعاة البقر، مقابل مجموعة من ضباط وكالة المباحث الفيدرالية الأميركية المتأنقين في بذلاتهم الرسمية اللامعة، الذين جاءوا من واشنطن لتعقب بوني وكلايد، بأوامر إدغار هوفر، الرئيس الأسطوري للوكالة.

سيناريو الفيلم الذي كتبه جون فوسكو صاحب “نمر زاحف وتنين خفي: سيف المصير” (إنتاج 2016)، وأسلوب الإخراج الذي يتبعه المخرج جون لي هانكوك صاحب “إنقاذ مستر بانكس” (إنتاج 2013) يجعلان الفيلم يبدو مزيجا من الفيلم البوليسي (ثريللر) والدرامي والويسترن وفيلم الطريق، فلدينا على سبيل المثال مطاردات أشهرها المطاردة الطويلة المثيرة التي تجري على الطريق قبل أن تنحرف سيارة كلايد إلى طريق ترابي حيث يصبح الغبار الذي يثيره خلفه عائقا أمام الرجلين لتعقب السيارة.

ولدينا الكثير من المشاهد التي تقع على الطريق: في محطات الوقود، كمائن الشرطة وكيف يفلت منها البطلان العجوزان، الكثير من مشاهد الجموع النازحة خارج المدن تحمل أمتعتها هربا من البطالة والفقر وبحثا عن النجاة، كما نشاهد مشاهد قريبة من عالم الويسترن عندما يتوجه مارك على سبيل المثال ليشتري كمية كبيرة من البنادق والأسلحة وصناديق الذخيرة، ثم وهو يتدرب في الخلاء لكي يستعيد لياقته في التصويب بعد أن ابتعد لسنوات عن استخدام السلاح.

الرفيقان القديمان فرانك وماني يمثلان الوسائل القديمة في التعقب والمطاردة اعتمادا على دراسة ملف الثنائي العاشق بوني وكلايد: أصلهما العائلي، واتباع وسائل تقليدية مثل المراقبة والاستنتاج وفحص المخلفات التي كان يتركها وراءهما بوني وكلايد مثل الصور والمجلات والملابس.. إلخ، كما يؤمن فرانك بحدسه الخاص وخبرته الشخصية بأن المجرم عادة ما يعود إلى موطنه عندما يضيق عليه الخناق، ويرى بالتالي ضرورة العودة إلى بلدتهما والاتصال بأسر أعضاء العصابة، أما ضباط المباحث الفيدرالية فيعتمدون على الوسائل الحديثة مثل التنصت على المكالمات التليفونية وفحص البصمات وغير ذلك.

غموض الأسطورة

صور من الفيلم

يتردد في الفيلم اسم هاملتون (والمقصود ريموند هاملتون) أحد أعضاء عصابة بوني وكلايد، لكننا لا نراه أبدا، كما يتردد اسم هنري ميثفين الذي نرى والده قرب النهاية، وهو الذي سيلعب دورا مباشرا في الإيقاع بكل من بوني وكلايد اللذين لا نراهما سوى من بعيد وعلى نحو عابر تماما دون أن نرى الوجهين.

يظهر الجزء الأسفل من جسم بوني في لقطة أو لقطتين وهي تعرج، كما يظهر جسد كلايد من ظهره وهو يدلف إلى داخل أحد المحلات، وحتى عندما تقترب النهاية التراجيدية للبطلين الشهيرين اللذين أفاض الإعلام في الترويج لصورتهما باعتبارهما معادلا أميركيا لروبين هود، لا نراهما سوى من خلال صورة مهتزة تجعلهما أقرب إلى تماثيل الشمع أو شخصيات أفلام الكرتون.

بوني تزوجت وهي في الـ16 من عمرها، لكن لم يكن ممكنا أن نرى هنا زوجها أو يلجأ إليه فرانك للاسترشاد بما يدلي به من معلومات، فقد كان يقضي عقوبة 5 سنوات في السجن، وقد لقيت بوني باركر الحقيقية مصيرها بينما كان لا يزال سجينا. لكن الفيلم يستعين بصديق مشترك للثنائي، كان زميلا في المدرسة لبوني تحديدا، وقد أصبح الآن شرطيا في مقتبل العمر، وهو يوافق على التعاون مع فرانك وماني، ويتطوع ببعض المعلومات التي تسلط الأضواء على شخصية بوني تحديدا، كما أنه سيتعرف في النهاية على الاثنين.

أحداث كثيرة تدور على الطريق، ينتقل البطلان المفترضان من ولاية إلى أخرى، ومن بلدة إلى بلدة، يستجوب فرانك كل من يشك في أنه يمكن أن يكون قد التقى بالثنائي أو شاهدهما: عامل في محطة تزويد السيارات بالوقود يبدو منبهرا ومتعاطفا مع الثنائي الإجرامي، يرفض الإدلاء بأي معلومات، ويستنكر وصفهما باللصين، بل يتمنى لهما التوفيق. ويُغضب هذا الموقف فرانك الذي يمسك بخناقه ويشبعه ضربا “لقد قُتل شرطيان صبيحة عيد الفصح.. ضابط تزوج حديثا.. زوجته ستتضوّر جوعا”.

تعديل الأسطورة

أحداث كثيرة تدور على الطريق
أحداث كثيرة تدور على الطريق

ينزع الفيلم فكرة الجمال والبطولة عن بوني وكلايد، مصوّرا بشاعة جرائمهما وجرائم عصابة كلايد عموما (كانت تضم أيضا شقيقه وزوجته بلانش التي قدمها آرثر بن في فيلمه في صورة هزلية)، صحيح أن الرأي العام كان يبدو منبهرا بهما، لكننا نرى كيف أن بوني مثلا كانت عرجاء نحيفة للغاية، تسير بصعوبة ولم تكن تتمتع بنفس مستوى جمال فاي دوناواي بالطبع، وكانت قد تعرضت للإصابة بعد سقوط سيارتهما بسبب رعونة كلايد في القيادة، كما كان كلايد نفسه يعاني من عدم الاتزان في السير بعد أن قطع إصبعين من إحدى قدميه حتى يتم إعفاؤه من العمل الشاق بينما كان يقضي عقوبة السجن.

هناك مشهدان توقفت أمامهما من أفضل مشاهد الفيلم تنفيذا ومغزى وتمثيلا: الأول مشهد المواجهة بين فرانك ووالد كلايد.. فهو يستجوب الرجل العجوز الذي يدافع عن ابنه ويقول إنه لم يكن طفلا شريرا، لكنه ينهي حديثه بالتعبير عن أمنيته في وضع حد لمعاناة الابن والأسرة كلها. والمقصود أنه يحفز فرانك على قتل كلايد، وهو يعرب عن رغبته وهو شديد التأثر، لكن أهمية المشهد ترجع إلى كونه المشهد الوحيد الذي يتخلى خلاله فرانك عن صمته وغموضه وصرامته الظاهرية ويعترف للرجل بأنه لم يكن يود أبدا أن يسلك هذا المسلك أو يمتهن العمل الذي يقوم به، وكان يحلم في شبابه المبكر بأن يكون شيئا آخر.

المشهد الثاني يدور في الليل، في الداخل تجتمع مجموعة من رجال الشرطة مع ماني على مائدة القمار، وفي الخارج يجلس فرانك وحيدا في الظلام (نستطيع أن نراه عبر النافذة من الداخل) يفكر مهموما ساهما حزينا، يتوجه أحد الشرطيين بسؤال إلى ماني عن ماضيه مع فرانك “هل صحيح أنكما قتلتما في يوم واحد 15 شخصا؟”، الإجابة “بل 50 شخصا”.

لكن هناك قصة، كان الأصل أن نقول “ارفعوا أيديكم.. وفي كل مرة كنا نهاجم العصابة كانوا يقتلون منها فردا أو اثنين”، إلى أن قال فرانك “إننا لن نقول ارفعوا أيديكم (بالإسبانية) بل سنقتلهم مباشرة، فقتلناهم وهم في حالة سبات بعد ليلة من السكر المبين”. لكنه يروي ما حدث ليستعيد حادث إطلاق النار على صبي كان يحاول الهرب قبل أن يتبيّن وجهه.. وهو الحادث الذي ترك تأثيرا كبيرا عليه.

في مواجهة بين الرجلين يعرب ماني لفرانك عن ألمه بعد أن تسبب الإفراج عن هامبتون ماكناب (بناء على طلب فرانك) في قتله على أيدي عصابة كلايد حتى لا يشهد ضدهم، يقول فرانك “كان سيخرج من السجن بعد تسعة أشهر على أي حال، وهو كان يختار مصيره بنفسه”، أما ماني، فيقول له “أتعرف.. الفرق بيني وبينك أنك دائما تختبئ وراء الخطأ والصواب، أما أنا فلم أحب أبدا أن أتحمل عبء تحديد من يعيش ومن يموت”، فيجيبه فرانك “هناك اختلافات بيننا لكن الاختباء وراء شيء ما ليس من بينهما”!

نهاية حزينة

رجلان طاعنان في السن يحاولان خوض مغامرتهما الأخيرة
رجلان طاعنان في السن يحاولان خوض مغامرتهما الأخيرة

تنتهي القصة كما هو معروف بقتل بوني وكلايد بعد استدراجهما واستهدافهما على الطريق وإطلاق عشرات الرصاصات التي تمزق جسديهما، ويتم نقل سيارتهما التي اخترقتها الرصاصات إلى المدينة المجاورة.

تحيط جموع هائجة هائلة بالسيارة، تنعي وتبكي البطلين القتيلين.. يحاول البعض لمس جسدي بوني وكلايد، ينزوي كل من فرانك وماني في أحد الأركان يراقبان من بعيد، لا أحدد يشعر بهما.. وحتى الاعتراف بالنجاح يُنسب في نهاية الأمر إلى حاكمة الولاية التي تظهر متباهية أمام الصحافيين.

يقترب رجل من فرانك ويسرّ إليه أن صحافيا كبيرا في “نيويورك تايمز” ينتظر على الخط التليفوني لإجراء مقابلة معه وسيدفع له 1500 دولار وهو مبلغ فلكي بمقاييس عام 1934، يشيح فرانك عنه ثم يبتعد، أما ماني فيتطلع إليه ويوبخه “يجب أن تشعر بالعار”. إنهما ليسا قاتلين محترفين ورغم أنهما كانا فقط يطبقان القانون، أي يفعلان ما يعتقدان أنه “الشيء الصواب” إلاّ أننا نلـمح مسحة من الحزن العميق تغطي وجهيهما، إنها نهاية قصة ونهاية حياة.

أحد أسباب متعة مشاهدة الفيلم يرجع إلى أداء كيفن كوستنر ووودي هارلسون، أداء سلس وسهل وبسيط، يعكس خبرة وتمكن الممثلين في دوري رجلين طاعنين في السن، يحاولان خوض مغامرتهما الأخيرة قبل العودة إلى التقاعد النهائي في انتظار الموت.

16