العودة إلى الأدب هي الأقدر على انتشال السينما العربية من أزمتها

ارتبطت السينما المصرية في عصرها الذهبي بالرواية، فأفضل الأفلام التي رسخت في ذاكرة الشاشة الفضية مأخوذة عن روايات لكبار الكتاب، بداية من رواية “زينب” للكاتب محمد حسين هيكل، التي تحولت إلى أول فيلم في تاريخ السينما المصرية عام 1930. ومع ذلك شهدت السنوات الماضية تراجعا في اعتماد السينما على الرواية، إلاّ في ما ندر، في وقت سادت أفلام المقاولات سوق الفن السابع لتقدم العشرات من الأفلام التي لا يحمل معظمها قيمة فنية.
الثلاثاء 2016/01/12
الرواية منجم للخيال السينمائي

عادت مؤخرا بعض الروايات إلى المشهد السينمائي العربي إجمالا والمصري خصوصا من خلال التلفزيون الذي أتاح فضاء واسعا للاستفادة من تراث مصر الروائي، حيث قرر السيناريست محمد أمين تحويل رواية الكاتب الراحل نجيب محفوظ “أفراح القبة” إلى مسلسل تلفزيوني يخرجه محمد ياسين، استكمالا لمسيرة سابقة تحولت فيها ثلاثية محفوظ الأدبية، “بين القصرين” و“قصر الشوق” و“السكرية”، إلى مسلسل طويل.

رواية “واحة الغروب” للأديب بهاء طاهر، التي فازت بجائزة البوكر العالمية للرواية العربية عام 2008 حولتها السيناريست مريم نعوم إلى مسلسل تلفزيوني تولت إخراجه كاملة أبوذكرى وتقوم ببطولته منة شلبي.

ثالث الأعمال الأدبية التي يتم تصويرها الآن هي رواية “تراب الماس” للأديب الشاب أحمد مراد، الذي كتب سيناريو الفيلم بنفسه وسيخرجه مروان حامد، الذي قدم من قبل روايتي “عمارة يعقوبيان” و“الفيل الأزرق”، علما بأنه بدأ أول مشاريعه السينمائية بتحويل قصة “لي لي” ليوسف إدريس إلى فيلم سينمائي.

قراءة ومشاهدة

الناقد عادل عباس، قال لـ”العرب” إنه يؤيد بشدة الرأي القائل بإسهام الرواية في نهضة السينما من عثراتها، منوها بأن فيلم “عمارة يعقوبيان” غيّر من واقع السينما والحياة الثقافية، بعدما أثار العديد من الجدل وقت عرضه. لذلك يعتقد أن الشاشة طريق ممهد تتحول فيه الرواية من بضعة آلاف من القراء كمتلقين، إلى الملايين من المشاهدين عبر السينما.

أهم الأعمال التي ظهرت على الشاشة ومازالت تحافظ على بريقها هي المأخوذة من نصوص أدبية

ويدلل على كلامه بالإشارة إلى أن نجيب محفوظ حين بدأ كروائي في نهاية الأربعينات، كانت المعرفة بعالمه محدودة في أوساط القراء، وعندما اتجه إلى السينما أصبحت القاعدة التي تتلقى رسائله أوسع بكثير، وبذلك عبرت الرواية الجسر من القراءة إلى المشاهدة.

في المقابل، فإن أهم الأعمال التي ظهرت على الشاشة ومازالت تحافظ على بريقها هي المأخوذة عن نصوص أدبية، حتى أن قائمة أفضل مئة فيلم تتضمن نسبة كبيرة من الأفلام المأخوذة عن الروايات، لكن مرت فترة تعامل فيها صناع السينما مع الفن على أنه تجارة أكثر منه إبداعا.

وأضاف عباس قائلا: إن مخرجا مبدعا مثل داود عبدالسيد، يمتلك أدواته الفنية، لكنه وقع في فخ التكرار، لأنه اعتمد على ما يكتبه لنفسه، رغم أن المخرج نفسه أبدع حين قدم فيلم “الكيت كات” عن رواية إبراهيم أصلان، حيث ظهر فيه بالشكل الذي يليق به كمخرج متميز.

وأكد الناقد خالد عيسى لـ“العرب” أنه ثبت بالتجربة أن الأفلام التي تتأسس على الأعمال الروائية تحظى بشعبية كبيرة، بعكس أفلام المقاولات التي تتعامل مع تركيبة تجارية واحدة.

الرواية بوابة الأمل الوحيد لإنقاذ السينما

فالعمل الروائي يمكن أن يقدم مادة ثرية وغنية للسينما العربية، مع الوضع في الاعتبار أن عالم السينما بتقنياته وجمالياته مختلف عن عالم الرواية، ولكن لا يصعب نكران أن كليهما يحتاج إلى الآخر.

ويعتقد عيسى أن سلسلة الأعمال التي ذكرت في بداية التقرير لا يمكن اعتبارها ظاهرة، حيث شهدت السينما المصرية منذ سنوات عديدة أعمالا مأخوذة عن روايات سواء لكبار الكتاب، مثل نجيب محفوظ وإحسان عبدالقدوس ويوسف السباعي وتوفيق الحكيم، أو الأدباء الأحدث سنا، والأمر لم يكتمل، وعادت ظاهرة الأفلام التجارية لتسود مجددا.

وحسب رأي عيسى إن الرواية هي أحد أسباب نجاح السينما: حتى نوثق لتعدديتنا الثقافية، ولا ننسى أن طلبة معهد السينما يعتمدون بشكل كلي في مشروعات التخرج على الأعمال المأخوذة عن الرواية أو الأدب.

وأضاف عيسى أنه لا يؤمن باللجوء إلى الرواية، والأدب له شروط معينة: أراه فقط مجرد هوى للمنتج أو لصناع الفن وعندما تتاح لمخرج رواية يمكن تحويلها إلى عمل سينمائي تجده يلهث خلفها، لأنها تفتح أمامه مساحات غير مطروقة من الإبداع خاصة عندما تكون حافلة بالمشاعر والأحاسيس التي تختلف عن السيناريو.

مساحة للإبداع

في تقدير كثير من النقاد، إن صناعة الفن مرت بفترة انتشر فيها الكتّاب الذين يكتبون مباشرة للتلفزيون، مثل أسامة أنور عكاشة، ومحمد جلال عبدالقوي، ومجدي صابر، ومحمد صفاء عامر وغيرهم، لكنهم أصبحوا يكررون أعمالهم أحيانا.

وأكدوا أنه في ظل إنتاج عدد كبير من المسلسلات بات هناك إحساس بوجود مشكلة في المضمون، وأيضا في البناء الدرامي لتلك الأعمال ما دفع صناع الفن إلى الاتجاه لتقديم أعمال فنية قائمة على الرواية والتي يوجد فيها بناء درامي متكامل.

العمل الروائي يمكن أن يقدم مادة ثرية وغنية للسينما العربية، مع الوضع في الاعتبار أن عالم السينما بتقنياته وجمالياته مختلف عن عالم الرواية

وأوضح الناقد محمد قناوي أن الدراما والسينما منذ البداية كانت تعتمد على الرواية، وهناك العشرات من الأدباء تحولت رواياتهم إلى أعمال فنية خالدة في تاريخ الفن، أشهرهم نجيب محفوظ وإحسان عبدالقدوس.

وتابع قناوي “من يكتب الرواية يكون هدفه دائما أن تخرج إلى النور كعمل أدبي بعكس من يكتب السيناريو الذي يكتب من أجل العرض التجاري”، لافتا إلى أنه قرأ مؤخرا ثلاث روايات، هي “تراب الماس” و“1919” و“شيكاغو”، وهي تصلح أن تتحول إلى عمل فني جيد .

أما الناقد عصام زكريا فأكد لـ“العرب” أن الفن الروائي يتميز عن غيره بخيال المؤلف والشخصيات الفريدة في الرواية، وهذا غير موجود عند كتاب السيناريو العاديين.

وأشار إلى ضرورة عودة السينما إلى الأدب، تجنبا لتكرار المواضيع والقضايا، فضلا عن تجديد الدماء، لأن هناك معاناة واضحة من إفلاس الخيال لدى كتاب السيناريو الذين يدورون في دائرة واحدة، مطالبا بأهمية إيجاد البديل.

وأضاف زكريا أن دور المنتج والموزع والفنان يتمثل في تحديد مزاج الجمهور وتقديم عمل فني يعبر عنه، فالروايات الجديدة أصبحت تستعصي على السينمائي، لأن الروائي وجد نفسه يكتب ما لا تستطيع السينما تنفيذه، بتجسيد حالات الوجدان والأحاسيس الدينية والصوفية والفلسفية، والتعبير عن ذلك العالم الداخلي للنفس البشرية والخيالي والأسطوري والسحري، وهو العالم الذي لا تطاله السينما. لم يعد يوجد روائيون يشجعون على تحويل أعمالهم إلى السينما، فبدلا من أن يقوم المؤلفون بكتابة سيناريو لنص أدبي، من الممكن أن يستغلوا نفس أفكار العمل بطريقة مختلفة.

16