العودة إلى الجذور.. الكنيسة المصرية تربط المهاجرين الأقباط بالوطن

الكنيسة القبطية الأرثوذكسية تفتتح مؤتمر "العودة إلى الجذور" بالمقر البابوي بدير الأنبا بيشوي في مصر في محاولة لمواجهة التحديات التي فرضتها هجرة الأقباط نحو الغرب.
الخميس 2018/08/30
نحو جيل أكثر تجذرا

القاهرة - استقبل الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، تواضروس الثاني بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية، الأربعاء، وبصحبته وفد من الشباب المشاركين في المؤتمر العالمي الأول لشباب الكنيسة القبطية الأرثوذكسية من مختلف قارات العالم. وهي خطوة توقعها المتابعون للشأن القبطي، في إطار اهتمام السيسي بالشباب وحرصه مشاركتهم في الأحداث المهمة والمناسبات المختلفة وإعلاء قيم المواطنة وعدم التمييز.

وكانت الكنيسة القبطية الأرثوذكسية برئاسة بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية، تواضروس الثاني، قد افتتحت مؤتمر “العودة إلى الجذور”، خلال الفترة من 25 أغسطس حتى 1 سبتمبر، بالمقر البابوي بدير الأنبا بيشوي، بوادي النطرون، شمال غرب البلاد، بمناسبة مرور خمسين عاما على إنشاء كنائس قبطية في المهجر، في محاولة لمواجهة التحديات التي فرضتها هجرة الأقباط نحو الغرب، وغياب الهويات الأصلية وتراجع الشعور بالانتماء لدى شباب المهجر.

 

مؤتمر “العودة إلى الجذور” الذي ينعقد حاليا بالمقر البابوي بدير الأنبا بيشوي في مصر، ليس فقط مجرد احتفال بمرور نصف قرن على إنشاء كنائس قبطية في المهجر، وإنما هو أيضا سعي نحو التصدي للتحديات التي أفرزتها هجرة المسيحيين المصريين نحو الغرب، واضمحلال الهويات الأصلية وتراجع الإحساس بالانتماء لدى أبناء المهاجرين الأقباط.

يبدو المؤتمر متسقا مع مؤتمرات الشباب التي تنظمها الرئاسة المصرية منذ ثلاث سنوات، وتيمنا بأسبوع “إحياء الجذور” الذي دشنته وزارة الهجرة من قبل في محافظة الإسكندرية.

ويعتبر الحدث القبطي فريدا لأنه عالمي ويقام للمرة الأولى في تاريخ الكنيسة الأرثوذكسية، بحضور 200 شاب وفتاة، دون سن الـ30 عاما من أبناء مهاجرين يقطنون في 30 دولة حول العالم.

أوضحت نبيلة مكرم، وزيرة الدولة للهجرة في مصر أن المؤتمر خطوة هامة لربط الشباب المصري من الجيلين الثاني والثالث المقيمين في الخارج بجذورهم، وهم شريحة قوية لتوصيل الرسالة والأخبار بشكل صحيح عن مصر، لأنهم يتحدثون نفس لغة البلد الذي يقيمون فيه وتربطهم ثقافة متشابهة مع أبناء الدول التي يعيشون فيها.

كشف البابا تواضروس، أن الكنيسة فكرت في ملتقى الشباب العالمي منذ أربع سنوات، ولم يذكر العقبات التي واجهت تأخيره، أو الدوافع التي ساهمت في إخراجه للنور الآن بتلك الصورة الجذابة. ربما تكون للأمر علاقة بالزيارة المقبلة للرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، للولايات المتحدة في سبتمبر المقبل لحضور اجتماعات الأمم المتحدة في نيويورك، فأبرز الوفود المشاركة جاءت من أميركا، فضلا عن السبب المعلن بأن الغرض “تنمية الجانب الروحي والوطني للشباب الأقباط في المهجر”.

وفقًا لبعض التقديرات يبلغ إجمالي عدد المصريين المهاجرين بصورة دائمة في الدول غير العربية، حوالي 824 ألفا، نصفهم في الولايات المتحدة وكندا، والنصف الآخر يقطن في أستراليا وبريطانيا وإيطاليا واليونان.

أشار كمال زاخر، مؤسس التيار العلماني في الكنيسة المصرية، إلى أن المؤتمر رسالة واضحة تؤكد تبني الكنيسة للتواصل، خاصة مع الجيل الثالث من المصريين بالخارج، ويدعم جناح الإصلاح، حيث رافق الشباب أساقفتهم من الخارج.

وأكد لـ”العرب” أن البابا تواضروس، يولي اهتماما بالشباب لإيمانه بأن الأجيال الجديدة تكسر القواعد التقليدية، وهم مستقبل الكنيسة ورموزها في الخارج، وربطهم بالكنيسة الأم يساهم في تصحيح الصور الخاطئة في أذهانهم بسبب تشويهها من قبل بعض وسائل الإعلام الدولية، ويحاول المؤتمر أن يبعد عقول شباب المهجر عن الأفكار التي تهاجم المعتقدات الأرثوذكسية.

ويرى بعض المراقبين أن المؤتمر سيكون له مردود ايجابي على الشباب، حيث يتنقل بفعالياته بين أكثر من محافظة لتعريف الشباب ببلدهم الأم.

أطلق مصطلح “أقباط المهجر” في السبعينات من القرن الماضي، إثر مظاهرات اندلعت في بعض المدن الأميركية نددت بسياسات الرئيس الراحل أنور السادات تجاه الأقباط، عقب وقوع بعض أحداث الفتنة الطائفية بين مسلمين وأقباط أثناء خلافه مع البابا شنودة. وكانت تندلع مظاهرات من وقت لآخر تندد بأوضاع المسيحيين في مصر، قبل أن تظهر منظمات قبطية تدعم السياسات المصرية منذ ثورة 30 يونيو 2013.

ورفض أكرم خليل، باحث قبطي، استخدام مصطلح أقباط المهجر باعتباره يختزل جميع المهاجرين المسيحيين المصريين وتقديمهم ككتلة متجانسة سياسيا وثقافيا واجتماعيا، وهذا ليس صحيحا، وأن الخطاب الإعلامي قام بتحويلهم إلى “عملاء وخونة”، واعتبار الناشطين منهم جزءًا من مؤامرة دولية.

ولا ينكر خليل في تصريحات لـ”العرب”، أن هناك من تفرغ لإثارة الجدل وافتعال الأزمات وتضخيمها، مؤكدا أن غالبية المهاجرين أصحاب مواقف وطنية، ودعموا مصر في ثورة 30 يونيو، والتقى بعضهم بأعضاء في الكونغرس الأميركي لتوضيح صورة مصر والتشديد على أن ما جرى كان ثورة شعبية.

وتعلم الحكومة المصرية أن أقباط المهجر قوة ناعمة مهمة، ولهم تأثير حيوي على بعض الجهات التي تلعب دورا في صناعة القرار، ومنهم من يشارك في الحياة السياسية في بلد الإقامة.

وأوضح خليل أن تحسن علاقة مؤسسات الدولة المصرية بأقباط المهجر يشجع الكنيسة على المزيد من الانفتاح، لأنها أول من تتجه إليها الأنظار عندما تزداد حدة تجاوزات أقباط المهجر.

أما توتر العلاقة فيضع الكنيسة أمام خيارات صعبة، كأن تتهاون معهم فتصيبها نيران الهجوم بالتواطؤ، أو تتخذ موقفا صارما تجاههم فتخسر صوتا وتبرعات في حاجة إليها، أو إمساك العصا من المنتصف باستخدام مبدأ التقية، فتعطي لنفسها رخصة بتركهم وشأنهم حينما تحتاج ذلك وتهاجمهم حين تضطر للهجوم.

أقباط المهجر قوة ناعمة مهمة، ولهم تأثير حيوي على بعض الجهات التي تلعب دورا هاما في صناعة القرار

قد يعود انفتاح الكنيسة المصرية على أقباط المهجر وإقامة مؤتمر لشباب العالم الآن، إلى فشل البابا تواضروس في إقناع متشددي الكنيسة بأفكاره الإصلاحية وتعرض خطواته في هذا المجال لانتقادات عنيفة، ما دفعه للاتجاه نحو الشباب في الخارج ليمهد الطريق لقهر الأفكار الرجعية وإحداث التغيير الذي يتوق له.

لدى أبناء أقباط المهجر حالة من الصراع والصدام والأفكار المتعارضة حيال مسألة الاندماج، سواء كان الاندماج اختياريا أم قسريا.

وعززت الكنيسة العزلة عندما اهتمت ببناء الحجر على حساب البشر، فالبابا السابق (شنودة الثالث) راح يتوسع في إنشاء الكنائس القبطية في الخارج لمواكبة عملية هجرة الأقباط التي تزايدت في فترة السبعينات والثمانينات من القرن الماضي، حتى بلغ عدد الدول التي تملك الكنيسة القبطية مقرات فيها نحو 60 دولة.

عمدت الكنيسة منذ وصول البابا تواضروس للكرسي البابوي عام 2012، على افتتاح كنائس قبطية في الدول التي لا وجود للكنيسة القبطية فيها، ووصل عدد الكنائس خارج مصر لنحو 360 كنيسة، فضلا عن 8 أديرة للرهبان واثنين للراهبات، لكن دون رؤية مستقبلية للتعامل مع التحديات التي تواجه الأجيال الجديدة.

انتبه البابا تواضروس إلى أن ذلك سوف يقود إلى الانفصال بكنائس خاصة بهم في المستقبل، وقد تجذبهم كنائس أخرى إليها، أو يفقدون الهوية المصرية وسط صخب الحياة الغربية، علاوة على تمرد الشباب على نمط الفكر الروحاني ونزعة الفكر المادي والعلمي ما يتيح الفرصة لانتشار أدبيات الفكر الإلحادي، وتدريجيا تتحول العشرات من الكنائس التي بناها الجيل الأول في الخارج إلى مبان خالية من الأرثوذكس.

أصبح الإصلاح الأرثوذكسي حتميا لإرساء دعائم التطور والاحتواء الفكري داخل وخارج مصر، وحمل البابا تواضروس على عاتقه تلك المهمة، وتحمل الانتقادات العنيفة التي وجهت له بسبب سعيه لتوحيد الأعياد بعد الشكاوى التي تلقاها خلال رحلاته الرعوية للخارج، لاختلاف مواعيد الاحتفالات بالأعياد والمناسبات الدينية بين الكنيسة القبطية والكنائس الغربية. وواجه البابا إشكالية أخرى تسببت في مشكلة كبيرة من قبل المعارضين لتطوير المنظومة داخل الكنيسة، فكان انفصال أبناء الجيلين الثاني والثالث من المهاجرين عن الكنيسة القبطية، والذين لا يعرف أغلبهم اللغة العربية، ما يشكل انفصالا ثقافيا عن اللغة التي تحدث بها الكبار والكثير منهم يذهب للكنيسة مجاملة للآباء، وهو ما سينتهي بمجرد وصول الأبناء لمرحلة الاستقلال.

واتخذ البابا تواضروس قرارا أن تكون الصلوات في الكنائس القبطية بالمهجر باللغة القبطية ولغة البلد التي يعيش فيه المواطنون المسيحيون، وعدم التمسك باللغة العربية، لأن أبناء الجيل الثاني والثالث من المهاجرين لا يتقنونها، ووجه المركز الإعلامي للكنيسة لترجمة قصصه للأطفال إلى اللغة الإنكليزية للتواصل مع الأجيال الناشئة ممن يعيشون في المهجر.

عندما التقى شباب الأقباط بكنيسة لوس أنجلس وكاليفورنيا، دعاهم البابا إلى زيارة مصر، وطالبهم بالجمع بين التقاليد والعلم والتحلي بالحكمة في اختيار ما يناسبهم كشباب مسيحي يعيش في الغرب المتطور بتقاليد الشرق.

ويصعب فصل الصورة التي رسمتها الكنيسة المصرية لنفسها في 3 يوليو 2013 ودعمها للوطن وقيامها بدور سياسي وقت إزاحة جماعة الإخوان عن حكم مصر، عن الأذهان عند تحليل أي مبادرات تقوم بها.

وأضفت تلك الصورة على مؤتمر شباب العالم نكهة سياسية بسبب المدى الزمني القليل الذي يفصله عن الزيارة المرتقبة للرئيس المصري إلى نيويورك. وفسرت بعض المصادر توقيت المؤتمر واحتواء الكنيسة لأقباط الخارج بأنه استباق لأي مظاهرات متوقعة في نيويورك قد تسيء إلى النظام الحاكم.

13