العودة إلى الديار.. حلم كل عربي مقيم في مصر

الحنين إلى الديار بات أشبه بكابوس يطارد العرب المقيمين في القاهرة، حيث يلعن البعض منهم تلك الحرب التي دمّرت منازلهم وممتلكاتهم، فيما يطلق البعض الآخر على “ثورات الربيع العربي” لقب “ثورات التفرقة العربية”، بسبب تشتت أفراد الأسرة الواحدة بين عدة دول، إلا أنهم كلهم يجمعهم حلم واحد هو العودة مرة أخرى إلى أحضان أوطانهم بعد أن تتوقف الحرب ويعود الاستقرار.
السبت 2016/11/05
الذكريات أجمل من الواقع

القاهرة- أغلبية العرب الفارين من أوطانهم بسبب الحروب إلى مصر، يقيمون في ثلاثة أماكن رئيسية بالقاهرة الكبرى. النسبة الكبيرة منهم تقطن مدينة السادس من أكتوبر التابعة لمحافظة الجيزة (غرب القاهرة)، والتي يطلق عليها في مصر “مدينة العرب”، حيث عززت هذه التسمية إقامة أكبر مركز تجاري بها يحمل اسم “مول العرب”. وتأتي مدينة “القاهرة الجديدة” (شرق القاهرة) في المرتبة الثانية، يليها حي مدينة نصر (شمال القاهرة)، بالإضافة إلى أعداد قليلة متفرقة في محافظات ومدن أخرى لا تبعد كثيرا عن القاهرة أيضا.

ويشكو الكثير من العرب الذين لجأوا إلى مصر من ارتفاع تكاليف الحياة مقارنة ببلدانهم التي أتوا منها، خاصة في ما يتعلق بتكلفة التعليم، حيث أن المدارس الحكومية المصرية لا تقبل بسهولة تسجيل الأطفال العراقيين، نظرا إلى اكتظاظ المدارس المصرية بالتلاميذ وارتفاع كثافة الفصول، وبالتالي يلجأ هؤلاء إلى تعليم أبنائهم في المدارس الخاصة، ذات التكاليف المرتفعة جدا، مقارنة بالمدارس الحكومية.

وقال محمد علي حسين (40 عاما) وهو عراقي، إنه مقيم بمدينة السادس من أكتوبر منذ خمس سنوات ويعمل حاليا سائقا لسيارة أجرة لينفق على أسرته. وأكد لـ”العرب” أن “أي إنسان حر لا يمكن أن يغادر وطنه إلا مجبرا. كنت أقيم في بغداد وأمتلك معرضا لصناعة الأثاث ورثته عن والدي، وبسبب الحرب والتدمير تركت بلادي منذ 7 سنوات، قضيت منها عامين في الأردن والآن أقيم بالقاهرة منذ 5 سنوات مع زوجتي وأبنائي الثلاثة”.

شاورما في الغربة

ومن يقترب من العرب المغتربين في القاهرة ويختلط معهم لبعض الوقت يشعر بأنهم يعيشون حالة توصف بـ”شبة الحياة”، وليست حياة كاملة، فالخوف والرعب اللذان رأوهما في بلدانهم لا يزالان في مخيلتهم، حيث أنهم يقضون ليلهم في اجترار الذكريات المؤلمة وإعادتها ونهارهم في السعي إلى كسب العيش، ولا وقت لديهم لاتخاذ قرارات حتى ولو كانت مصيرية، فكل القرارات هي أحلام مؤجلة. صلاح حسن عجم (36 عاما)، غادر سوريا هو وجميع أفراد أسرته في أغسطس 2012، والداه وإخوته الثلاثة اتجهوا إلی تركيا، أما هو وزوجته فجاءا إلی القاهرة تاركين مصنعا للزجاج وورشة لتصنيع أعمال “الألوميتال”.

وأوضح صلاح لـ”العرب” أن شركته في سوريا كانت من كبری الشركات العاملة في مجال الزجاج و”الألوميتال”، وكان يحصل علی مناقصات لمشروعات سكنية تابعة للجيش السوري، لكن كل شيء دمّر نتيجة الحرب فلم تبق له سوى مزرعة والبعض من قطع الأرض. وقال متألما “كل إنسان يتمنى العيش في وطنه.. بنتاي الاثنتان أنجبتهما في القاهرة، ولا تعرفان شيئا عن وطنهما، ولم تريا جدتهما أو جدهما حتى الآن إلا من خلال شبكة الإنترنت، ولدينا إقامة سياحة بمصر يتم تجديدها كل ستة أشهر وحياتنا غير مستقرة بسبب التنقل من مسكن إلی آخر كل فترة”.

الموت خارج الديار

علاوة على متاعب وكوابيس الحياة التي يعيشونها، فإن هاجس الموت بعيدا عن الوطن، بات هو الآخر واقعا مرعبا للعرب المقيمين في مصر بصفة عامة، فأين سيدفنون موتاهم إذا وافتهم المنيّة؟ فليس أمامهم سوى مدافن “الصدقة”، وتعد مدافن “الصدقات”، الكائنة بمدينة السادس من أكتوبر، حائط مبكى للكثير من الأسر العربية الوافدة والتي وارى الثرى جسد واحد منها.

وقال الشاب الليبي مجاهد سليم (33 عاما) “منذ شهر تقريبا توفي أبي عن عمر ناهز 76 عاما بعد مرضه لفترة طويلة، فوقفت حائرا، لا أدري ماذا أفعل؟، فأشار عليّ الجيران بالذهاب إلى مسجد “التقوى” القريب من مكان إقامتنا في منطقة جنوب الأحياء بمدينة السادس من أكتوبر، وبالفعل ذهبت للمسجد فأعطوني “كفنا” وأحضروا إلي “مُغسّلا”، وتكفلوا بنقل والدي بسيارة تابعة للمسجد إلى مدافن “الصدقات”.

وبصوت حزين واصل حديثه “أعلم أن لكل أجل كتابا، وأعلم أنه لا تدري نفس بأي أرض تموت، ولكن إحساس الموت خارج الوطن مُرّ، ولم يتخيل أحد من أسرتي أن نعود في يوم من الأيام إلى ليبيا من غير والدي، فبيتنا وأرضنا ليس لهما أي قيمة دونه، وأدعو الله ليل نهار ألا يدفن أحد آخر من أسرتي خارج ليبيا، وبالرغم من أن العودة إلى ديارنا أصبحت حلما بعيد المنال، إلا أننا سنظل نحلم بالعودة حتى يقضي الله في أمرنا”.

ومجاهد، الذي يعمل في مهنة تركيب البلاط والسيراميك في أرضيات الوحدات السكنية، يقيم في شقه صغيرة مكونة من حجرتين منذ شهر فبراير 2012، بعد تعرضه للاعتقال لأكثر من شهرين بعد أحداث الثورة الليبية، ما أجبره على اصطحاب والديه وأسرته المكونة من زوجة وطفلين ومغادرة ليبيا قاصدا القاهرة.

يبقى الوطن أجمل

أما التاجر العراقي موفق جبار (58 عاما)، فيمتلك متجرا لبيع العطارة بالقاهرة ومقيم في مدينة السادس من أكتوبر أيضا، حيث قال “لم تفارق تفاصيل حي العدل ببغداد خيالنا، أنا وزوجتي وأبنائي الثلاثة منذ تركناه في العام 2006 وحتى هذه اللحظة، وجميعنا نحلم باليوم الذي نعود فيه إلى دارنا وأرضنا ووطننا العزيز العراق”. وأضاف “رغم امتلاكنا عقارا هنا ومتجرا للعطارة ونجاحي بعد معاناة في إلحاق أبنائي بالمدارس الحكومية المصرية، إلا أنه بمجرد توقف الحرب وعودة الأمن والأمان إلى العراق، فسأترك كل ذلك من أجل بغداد وأدعو الله في كل صلاة أن يقبض روحي وأدفن في ثرى العراق”.

الحنين لبقايا جدران

يميل أغلب العرب المقيمين في مصر من العراق وسوريا وليبيا واليمن إلى العمل في التجارة، فهي لا تحتاج إلى مسوغات تصطدم بالروتين الحكومي المصري، لذلك انتشرت المحال التجارية التي تحمل أسماء عربية في المناطق التي يتمركزون فيها بالقاهرة، أما من كانوا يمتهنون مهنا أخرى في دولتهم قبل الفرار إلى مصر فتجدهم محافظين عليها ويمارسونها في حياتهم بالقاهرة، فمنهم “البلاّط” والنجار والسباك وغيرها من المهن.

ولم يكن يخطر ببال جمال صلحة، الرجل الخمسيني، أن يترك ورشة النجارة التي ورثها عن والده بمدينة حلب السورية، لكنها الحرب كما قال، “بعد أن دمر القصف واجهة منزلنا وأصبحنا نحتمي ببقايا جدران، خشيت على أبنائي الثلاثة وزوجتي من هول الرعب الذي نعانيه كل يوم، فشددت الرحال إلى القاهرة وكنت وقتها (في العام 2012) لا أعرف أحدا في مصر، فهي المرة الأولى التي أزورها”.

وأضاف لـ”العرب”، “تركت كل شيء في حلب، لأنقذ أبنائي، ورست بنا سفينة الهجرة في مدينة القاهرة الجديدة (شرق القاهرة العاصمة)، ونظرا لخبرتي في مهنة النجارة، التي عملت بها طيلة ثلاثين عاما، لم أجد صعوبة في إيجاد عمل بمصر، حيث يكثر الطلب على هذه المهنة وخاصة في المدن المصرية الجديدة، واستطعت في فترة قصيرة توفير مبالغ مالية واشتريت معدات العمل الرئيسية التي تساعدني حتى الآن في كسب العيش”.

ويلحّ حلم العودة للديار على ذاكرة جمال بين الحين والآخر، ما يجعله يدخل في نوبات بكاء، خاصة أثناء العمل، لأنه يتذكر ما كان يفعله لتعمير بيوت حلب وتركيب أساسياتها من النجارة، حيث قال، “ملعونة تلك الحرب التي تفرق الأشقاء وملعونة الحرب التي تدمر البنايات.. ننتظر يوم توقفها لنعود إلى بيوتنا وحياتنا من جديد، لتعود لنا أرواحنا التي تركناها في حلب، فنحن نعيش في القاهرة بأجساد فقط”.

أما الشباب، فإن لهم حكاية أخرى، إذ يرفض الكثير منهم فكرة الإقدام على الزواج، ويتساءلون كيف نبني أسرة في وطن ليس وطننا؟ وقال سامر محمود، وهو شاب ليبي يعمل طبيبا صيدليا لـ”العرب”، “أسرتي تركت ليبيا بعد الثورة مباشرة، وكنت وقتها في السنة الثالثة بكلية الصيدلة بجامعة الفاتح للعلوم الطبية، واستقر بنا المقام في البداية في القاهرة بمدينة حلوان، لكن لكي أكمل دراستي انتقلنا للعيش في مدينة السادس من أكتوبر والتحقت بجامعة 6 أكتوبر الخاصة، ووفقني الله وأنهيت دراستي منذ عام وأعمل حاليا في مجال تخصصي”. وكشف سامر، أن الأهل يطالبونه بالزواج والاستقرار لكنه يرفض الزواج في الغربة، وأخذ عهدا على نفسه بألا يتزوج إلا بعد العودة إلى ليبيا، ويتمنى أن تكون هذه العودة قريبة، وأكد أن قرار الزواج سيبقي مؤجلا، حتى وإن طال الانتظار.

على بعد سنوات من الحلم

المرأة تبحث عن الأمان

اللافت للنظر في جولة “العرب”، لاستقصاء آراء العرب المغتربين، أن النساء كُنّ أقل حماسا من الرجال للعودة إلى الديار، ويرجع ذلك إلى خوفهن من تكرار تجربة العيش وسط الحروب مرة أخرى، وخوفهن على أبنائهن الصغار من معاناة مشاهد الفزع والخوف التي لا تفارقهم، وكل ما يشغل تفكيرهن الآن هو العيش في سلام وأمان. نجلاء المسلمي، ليبية وتعمل معلمة للغة الإنكليزية في مدرسة خاصة بحي مدينة نصر (وسط القاهرة)، قالت إنها تكره التفكير في العودة إلى ليبيا مرة أخرى لأنها عودة محفوفة بالكثير من المخاطر.

وأضافت “نشعر في القاهرة بالاستقرار والأمان، وبجانبي أبنائي وزوجي وأشقائي، وجميعنا نقيم في نفس العقار بحي مدينة نصر، ولا ينقصنا شيء”، وتساءلت لماذا نشغل تفكيرنا بالعودة إلى الديار، وأين هي هذه الديار بعد أن دمرتها الحرب التي لا تزال تدور رحاها حتى الآن؟ واتفقت معها في الرأي العراقية رغد أحمد، التي قالت، “إن الوطن الذي يوجد فيه أبناؤها وزوجها هو وطنها”، مؤكدة أن حي العدل ببغداد، الذي كانت تقيم فيه، لم يعد كما كان، حيث لحقه الخراب الذي لن يمحوه الزمان، وكل ما تتمناه هو العيش في سلام بأي دولة في العالم، شريطة أن تكون بجوار أبنائها الثلاثة وزوجها.

أما الفتاة السورية رودينا عادل (18 عاما) فقالت “أنا كفتاة لا أملك قرار العودة إلى سوريا، فأبي هو صاحب هذا القرار، ولكن هذا لا يمنعني من أن أتمنى اليوم قبل الغد، العودة إلى بلدتي والاجتماع بصديقاتي من جديد”. إلا أنها تستطرد قائلة، “لكن إذا ما خيروني بين العيش في القاهرة بأمان أو العودة إلى سوريا في ظل استمرار الحرب الدائرة حاليا، فسأختار العيش في القاهرة، لأننا لم نعد نحتمل أصوات التفجيرات التي ترعبنا بمجرد مشاهدتها على القنوات التلفزيونية”.

وكان للأطفال رأي مخالف، فالطفل أيهم جمال (11 عاما)، يتمنى العودة إلى سوريا، لكي يلتقي أصدقاءه ويلعب ويمرح معهم كما تعود في بلدته لأنه غير متآلف مع الأطفال المصريين وليس له أصدقاء، ولا يخرج من المنزل إلا قليلا بسبب خوف أسرته عليه. وحلم العودة إلى الديار سوف يظل حلما يراود الكثير من الجاليات العربية التي لجأت إلى مصر، فمهما بلغ ود العلاقة بين الأشقاء العرب والمصريين، فإن الوطن يبقى دائما هو الحلم الغالي.

20