العودة إلى القبيلة العربية

الاثنين 2015/05/18

في الوقت الذي من المفترض أن يتراجع فيه دور القبيلة، بسبب انتشار قيم الحداثة والتقدم، بدأ نفوذها يطفو على السطح في عدد من الدول العربية، وتبدو هي الملاذ والأمان في كثير من الأحيان، لحل مجموعة كبيرة من المشكلات والألغاز المعقّدة التي نجمت عن أخطاء بعض القوى السياسية.

خلال الفترة الماضية ظهرت تجليات مختلفة تؤكد تعاظم هذا الدور، وتزايد تأثيره في دول عدة، بعد أن أخفقت غالبية قوى الحداثة، من أحزاب سياسية ومجتمع مدني ونخبة ثقافية، وتخلت عن القيام بأدوارها، وتمكنت قوى متطرفة من توظيف هذا الفراغ، ونجحت في بعض الدول العربية في سده، والقيام بمهام فاقت قدراتها الاجتماعية، بما انعكس سلبا على حال قبائل كثيرة في عدد من الدول العربية، الأمر الذي دفع لضرورة إعادة الحياة إلى دور القبيلة، بعد أن تقلص وربما تآكل في بعض الدول العربية.

الحاصل أن هناك مجتمعات عربية لا تزال تحتفظ بطابعها القبلي، رغم إيمانها بالحداثة، وترى استمرار الاحتشاد خلفه من الكوابح الرئيسية التي توقف زحف الاختراقات الخارجية، سواء كانت فكرية أو سياسية أو اجتماعية، في حين رأت مجتمعات أخرى أن التنصّل من القبيلة وتفريغها من أعرافها وتقاليدها من سمات الحداثة، التي يجب السعي إليها والقبض على زمامها.

بصرف النظر عن مبررات كل طرف ومنطقه في التمسك أو التخلي عن قيم معيّنة، فالنتيجة النهائية أن الاحتماء بالقبيلة أصبح ظاهرة أمنية وسياسية بامتياز، وهو ما كشفت عنه حزمة من التطورات الأخيرة في كل من ليبيا ومصر واليمن والعراق، بما يعني ارتفاع أهميتها في المدى المنظور.

في ليبيا، فتكت الجماعات والميليشيات المتشددة بكثير من قيم المجتمع، وتسببت في حدوث انسداد سياسي، وضع البلاد على طريق التدهور، وبدت القبيلة منزوية على ذاتها وتخلت عن أدوارها الأساسية، بصورة سمحت لأن يحتل مكانها آخرون، أوجدوا واقعا مريرا، وتجاوزوا الكثير من المحاذير، بطريقة أرخت بظلال سلبية على الدولة، بل وقدرتها على التماسك والحياة. لكن استمرار تدهور الأوضاع في ليبيا، أفضى إلى حدوث ما يشبه الانتفاضة القبلية، حيث أخذت تعيد ترتيب أوراقها، للقيام بدور فاعل في الأزمة المتفاقمة، دفاعا عن نفسها ودورها الوطني، لذلك من المرجح أن تكون تحركاتها عقب الملتقى الثاني للقبائل الليبية المتوقع انعقاده في القاهرة يوم 25 مايو الجاري مفصلية في المرحلة المقبلة من عمر الأزمة الليبية.

قبل أيام قليلة من الإعلان عن مؤتمر القبائل الليبية، تصاعد فجأة دور القبائل المصرية، والتي درجت على أن تكون مهامها اجتماعية، ولم تتطرق إلى أدوار سياسية إلا في مواسم الانتخابات، ولم تقم بأدوار أمنية إلا في حدود الدفاع عن القبيلة وأملاكها، وحماية نفوذها في المنطقة التي تقطن فيها.

لذلك مثّل إعلان قبيلة الترابين ومعها ثلة من القبائل الأخرى في سيناء بشأن محاربة المتطرفين الشهر الماضي، نقلة نوعية في الدور المنوط أن تقوم به القبيلة تقليديا، وحتى عندما بدأت قبائل منطقة مطروح بالصحراء الغربية، مساندة قوات الجيش والشرطة في سد بعض الثغرات الأمنية، كان دورها قاصرا على منع تهريب المتطرفين والمجرمين والسلاح من ليبيا إلى مصر عبر الحدود، ولم يتطور إلى الدخول في مواجهة مفتوحة.

لذلك يبدو الدور، الذي أعلنت مؤسسات رسمية في الدولة دعمه، اعترافا بأهمية القبيلة في مواجهة المتطرفين ومساهمتها في توفير الأمن، فالاستعانة بها، تأكيدا على أن القبيلة لا تزال تحتفظ بنفوذها، وتملك من الأدوات ما يجعلها رقما مهما في المعادلة الراهنة، حتى لو تقدمت القيم الظاهرة للحداثة في المجتمعات العربية.

الحال في العراق أشد تشابكا من الحالتين الليبية والمصرية، حيث فطنت الكثير من الجهات الرسمية والشعبية للدور الذي يمكن أن تقوم به القبيلة، لكن المشكلة أن دورها طغى في أحيان كثيرة على دور الدولة، وأثر سلبا على مكانتها في مناطق مختلفة، وبدت القبيلة أقوى بأسا ونفوذا من معظم أجهزة الدولة، وهو ما جعل الدور الأمني والسياسي لها يبدو قليل الفائدة، بعد أن كان مهما ومؤثرا، حيث دخلت بعض الأقاليم في حروب مضنية، تكاد تؤدي إلى تقسيم الدولة على أساس مناطقي، وفقا لقوة كل قبيلة.

الأزمة في اليمن أخذت شكلا مختلفا عن الأنماط السابقة، إذ تحولت القبيلة إلى أحد الروافد المحورية لفريق لا يزال يصارع على السلطة، وهو فريق الرئيس السابق علي عبدالله صالح، الذي شيّد عندما كان في السلطة جيشا على قاعدة قبلية، تم الفتك به عند أول مواجهة وطنية حقيقية، ويرجع الفضل للقبيلة في كثير من الانتصارات التي حققها صالح مع حلفائه الحوثيين، الأمر الذي دفع المنافسين للجوء إلى السلاح ذاته للدفاع عن مناطق أخرى، وهكذا تحول التمسك بالقبيلة من نعمة أحيانا إلى نقمة في الوقت الحالي، يمكن أن تستمر طويلا.

في جميع الأحوال، لا توجد مقاييس واحدة لدور القبيلة، أو معايير صارمة للحديث عن إيجابيات حاسمة هنا، وسلبيات قاطعة هناك، لكن المؤكد أن المجتمعات العربية سوف تظل رهينة للدور الذي تقوم به القبيلة، ومدى قدرة الإدارة المركزية في الدولة على الاستفادة منها بالطريقة الوطنية الصحيحة، التي تتواءم مع التطلعات الجوهرية لكل شعب، بعيدا عن اسم القبيلة التي ينتمي إليها، كان كبيرا أم صغيرا.

وسيظل دور القبيلة مؤثرا، كلما زادت المخاطر والتهديدات، لأنها الجهة القادرة على امتلاك سلسلة من المقومات، تستطيع من خلالها مواجهة التحديات المركبة، التي أصبحت بعض أجهزة الدولة عاجزة عن التصدي لها أمنيا بآليات الحرب الحديثة.

كاتب مصري

9