العودة إلى الوطن فرصة الجهاديين الأوروبيين الأخيرة لاستعادة حياتهم

العديد من المقاتلين الأوروبيين لا يزالون داخل البقعة الأخيرة لتنظيم داعش، وأغلب الفارين تركوا النساء وحدهن.
الاثنين 2019/02/04
هل لا يزال للحلم مكان

انهارت أحلام الأوروبيين الذين استقطبهم تنظيم الدولة الإسلامية قبل سنوات بخطابه موظفا أساليب تجنيد مختلفة مع غرق التنظيم الجهادي في حالة الضعف والانحسار بعد خسارة مناطق سيطرته في سوريا والعراق. ومع غياب الحد الأدنى من الاستقرار والعجز عن توفير أبسط الحاجيات اليومية للعائلات، زادت الأوضاع السيئة للجهاديين الأوروبيين الراغبين في العودة إلى بلدانهم الأصلية إدراكا بأنهم ارتكبوا خطأ فادحا بانضمامهم إلى تنظيم الدولة الإسلامية.

قرب الباغوز (سوريا) - بات الكثير من الأوروبيين الذين نشطوا ضمن صفوف تنظيم الدولة الإسلامية يدركون أكثر من أي وقت مضى أن ما من سبيل مفتوح أمامهم سوى العودة إلى بلدانهم الأصلية في محاولة أخيرة لاستعادة حياتهم من الصفر بعد أن ضاقت بهم الأفق مع خسارة التنظيم الجهادي لمناطق سيطرته في سوريا وفي العراق بشكل خاص.

وقبل أن يذوق تنظيم الدولة الإسلامية طعم الهزيمة خلال السنوات الثلاث الأخيرة، كانت إحدى أهم نقاط قوته سيطرته على مناطق شاسعة في سوريا والعراق مما أظهره في صورة التنظيم القوي القادر على التوسع أكثر واستقطاب المزيد من الجهاديين من دول كثيرة في العالم ومن بينها البلدان الأوروبية معتمدا في ذلك على استحواذه على مقدرات مالية ضخمة.

لكن تضافر الجهود الدولية لمواجهة المجموعات الجهادية كان حاسما في إضعاف تنظيم الدولة الإسلامية في سوريا وفي العراق، حيث انحسر وجوده إلى البعض من الجيوب الصغيرة على الحدود بين البلدين كما فقد التنظيم موارده المالية والكثير من عناصره بسبب الهزائم التي مني بها في السنوات الأخيرة.

حالة الضعف والانحسار التي أصبح عليها داعش أجبرت الكثير من عناصره إلى التفكير في بدائل لاستعادة هدوء ورفاه حياتهم السابقة خاصة من الجهاديين الأوروبيين الذين جندهم التنظيم في فترات قوته. ومن بين هؤلاء الألمانية ليونورا التي فرّت برفقة زوجها الجهادي الألماني مارتن ليمكي، واضعة نصب عينيها تأمين حياة جديدة لطفليها في بلادها بعد نحو أربع سنوات أمضتها في كنف تنظيم الدولة الإسلامية.

في البداية كان كل شيء جيدا حين كان الجهاديون يسيطرون على مدن كبرى ولديهم الأموال لكن الأمر تغيّر مع خسارة المناطق

في منطقة صحراوية مقابل بلدة الباغوز في شرق سوريا حيث لا يزال هناك بعض الوجود لتنظيم الدولة الإسلامية، تنهمك ليونارا التي رفعت النقاب عن وجهها ليظهر وجهها الأبيض الشاحب بالحديث مع عسكريين من التحالف الدولي بقيادة واشنطن، ثم بالاهتمام بطفليها الصغيرين، وأحدهما ولدته قبل أسبوعين فقط.

وتقول الشابة ليونورا، التي لم تتخط 19 عاما، حاملة طفلها الأشقر “كنت ساذجة بعض الشيء”، مشيرة إلى أنها تأثرت ببروباغندا التنظيم عبر مجموعات على “واتساب".

وفرّ الآلاف من الأشخاص خلال الأسابيع الماضية من آخر جيب لتنظيم الدولة الإسلامية الذي يخوض آخر معاركه في مواجهة قوات سوريا الديمقراطية المدعومة من واشنطن. ويخضع الخارجون لإجراءات تحقيق وتفتيش، قبل أن يتم فصلهم بين مدنيين ينقلون إلى مخيم الهول شمالا، وآخرين يشتبه بأنهم جهاديون يتم توقيفهم.

واعتنقت ليونورا الإسلام في العام 2015 وهي في الـ15 من العمر، وفي مارس من العام ذاته، غادرت ألمانيا متوجهة إلى سوريا التي دخلتها عبر بلدة تل أبيض الحدودية قادمة من تركيا.

وتزوجت بعد ثلاثة أيام من دخولها إلى سوريا لتصبح الزوجة الثالثة للجهادي الألماني مارتن ليمكي بعد زوجته الثانية الألمانية أيضا والأولى الفرنسية. واعتقلت قوات سوريا الديمقراطية ليمكي مع أفراد عائلته الخميس.

وعن حياتها في ظل الجهاديين، تقول ليونورا “كنت دائما في المنزل، أطبخ وأنظّف".

كان خطأ كبيرا جدا
أذبال الخيبة

وأمضت غالبية السنوات الأربع الماضية في مدينة الرقة، المعقل الأبرز للتنظيم المتطرف بين 2014 و2017. وشكلت خسارة الرقة في أكتوبر 2017 ضربة قاسية للتنظيم، وسرّعت انهياره.

وتقول ليونورا التي تجيب على كل الأسئلة، لكنها ترفض أن تظهر في مقابلة على الفيديو، “حين خسروا الرقة، بدأنا بتغيير منزلنا كل أسبوع، لأنهم كانوا يخسرون كل أسبوع مدينة. ثم ذهبت كل المدن”.

وتروي “في بادئ الأمر، كان كل شيء جيدا، حين كانوا يسيطرون على مدن كبرى مثل الرقة، ولديهم الكثير من الأموال".

لكن الأمر تغيّر مع خسارة الجهاديين تدريجيا لمناطقهم. وتضيف، وقد ارتفعت نبرة صوتها بعض الشيء، "تركوا النساء وحدهن".

الكثير من الفارين الجدد من تنظيم الدولة تحدثوا عن الوضع الإنساني الصعب في الكيلومترات الأخيرة تحت سيطرة التنظيم، مشيرين إلى نقص في الطعام والأدوية، وهناك أشخاص يعيشون في الشوارع وجثث تحت الأنقاض.

وأحاط عناصر من قوات سوريا الديمقراطية ببضعة رجال من الفارين حديثا كانوا جالسين على الأرض. بينما كانت العشرات من النساء المنقبات في مكان قريب مع أولادهن ينتظرن نقلهن إلى أحد مخيمات النزوح. ووقفت إلى جانب ليونورا زوجة ليمكي الثانية التي عرّفت عن نفسها باسم سابينا.

وفي ظل تقدم قوات سوريا الديمقراطية، وثق المرصد السوري لحقوق الإنسان خروج أكثر من 36 ألف شخص من آخر مناطق سيطرة التنظيم منذ مطلع شهر ديسمبر، وغالبيتهم نساء وأطفال من عائلات الجهاديين، كما بينهم نحو 3100 عنصر من التنظيم.

كان خطأ كبيرا جدا
انهيار وفرار

وتطالب قوات سوريا الديمقراطية الدول التي ينتمي إليها الجهاديون وعائلاتهم باستردادهم، الأمر الذي تتحفظ عليه غالبية الدول.

وقال عدد من الخارجين الجدد خلال الأيام الماضية إنه لا يزال هناك داخل البقعة الأخيرة للتنظيم العديد من الجهاديين الأجانب من جنسيات مختلفة، وبينهم أوروبيون.

وتدّعي ليونورا التي كانت ترتدي عباءة سوداء وغطّت رأسها بوشاح، أنها حاولت الفرار مرات عدة من مناطق تنظيم الدولة الإسلامية. وتقول “في إحدى المرات تمّ إلقاء القبض علي ووضعي في السجن، ومرة أخرى لم يأت المهرّب، وفي مرة ثالثة جاء المهرّب وأخذ الأموال وهرب".

وتؤكد الشابة النحيلة أن زوجها بعد فترة "بات جاهزا" للهرب من التنظيم، مضيفة "كان علينا بعد ذلك أن نعيش كأشخاص طبيعيين وكأننا لا نريد الخروج".

وتقول ليونورا وسابينا أن مارتن لم يكن مقاتلا بل كان يعمل كتقني تصليح أجهزة إلكترونية.

لكن تقارير إعلامية ألمانية ذكرت أن ليمكي الذي دخل سوريا في العام 2014، كان عنصرا في “الحسبة”، أي الشرطة الشرعية للتنظيم قبل أن ينضم إلى فريق الأمنيين، وقد يكون الألماني الذي تولّى أعلى منصب في التنظيم.

وتقول التقارير إنه كان من المقربين من أبومحمد العدناني، المتحدث السابق باسم التنظيم قبل مقتله.

ورغم أن ليونورا تتوقع محاكمتها في ألمانيا “لأنني كنت مع تنظيم الدولة الإسلامية”، وفق قولها، فهي تصرّ على طلب العودة إلى عائلتها التي لم تتخل عنها “برغم كل ما كنت أقوم به”.

وتقول “أريد أن أعود إلى ألمانيا، أريد أن أعيش مع أهلي وأصدقائي، واستعادة حياتي السابقة. منذ وقت طويل أرغب ذلك”، مضيفة “أتمنى أن أمنح طفليّ حياة جيدة”. وتتابع “أعرف الآن أنه كان خطأ كبيرا جدا”.

13