العودة إلى حل الدولتين

الاثنين 2017/01/16

عندما كان الحديث يدور حول القضية الفلسطينية ويتطرق إلى التفاوض على أساس إقامة دولتين، إحداهما فلسطينية والأخرى إسرائيلية، كان أصحاب هذا الاجتهاد يُتّهمون من قبل البعض بالتفريط في القضية، والحل لا بد أن يكون على أساس دولة فلسطينية واحدة، وتذهب إسرائيل من حيث أتت. ثم تغيرت الأمور، وجاء زمن أصبح الحديث فيه عن دولة فلسطينية حُلما بعيد المنال، لأن إسرائيل تغولت وتوغلت إقليميا، وفشلت كل المحاولات، من مقاومة وسلام ومفاوضات ومناورات ومقاطعة، في أن تصل إلى ما سبق رفضه من قبل الغالبية العربية والفلسطينية.

وأُديرت عملية سياسية، فشلت في أن تنتزع الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، وتحولت المسألة إلى لقاءات وحوارات هنا وهناك، مطلوبة للإيحاء بأن هناك عملية جارية، تحفظ لبعض القوى ماء الوجه، وتمنح الحكومات الإسرائيلية فرصة للمزيد من التنصل والتوسع، وخلق أمر واقع يصعب تغييره. معالم اللعبة الرئيسية انتهت، وسئمها جميع اللاعبين تقريبا، من كسبوا منها ومن خسروا بسببها ومن وقفوا خلفها لأغراض متباينة، ووصلت إلى طريق مسدود، بدا مريحا لمعظم الأطراف، ثم دخلت القضية الفلسطينية نفقا أشد ظلاما، تحولت فيه إلى قضية هامشية، من صراع على الحدود والوجود، إلى خلاف حول المساعدات والمعونات والحصـار وعـدد من دخلوا ونسبة من خرجوا، وهكـذا حاول البعض تفريغها من مضمونها الإستراتيجي وحشرها في معنى إنساني جذاب لكنه غير خلاق.

جاءت الطامعة الكبرى مع اندلاع عدد من الأزمات في المنطقة، التي جذبت إليها أنظار قوى إقليمية ودولية، وكانت أبرز نتائجها أن إسرائيل تخلصت من ضجيج السلام، وأُعفي من كانوا يتحركون لجرها إلى مائدة التفاوض من حرجهم، ووضعت القضية الفلسطينية على الرف الإقليمي، لأن هناك حزمة قضايا سبقتها في الأولويات، إلى الدرجة التي ظن كثيرون أنها تاهت وسط العواصف التي عمت المنطقة.

الأشهر الماضية، بدأت بعض العواصف تهدأ نسبيا، وأخذ عدد من القوى يفكر في طريق للتسويات السياسية، الأمر الذي أعاد إلى الأذهان القضية الأم في المنطقة، أي القضية الفلسطينية، وسواء جاءت شجاعة ممن عزفوا على وترها لأسباب تكتيكية، أم إستراتيجية وضمن حسـابات إقليمية قاسية، ففي الحالتين طفت فلسطين على السطح، ووجدت من يتكاتف لإعادة الزخم إليها.

وكان قرار مجلس الأمن رقم 2334 بشأن إدانة الاستيطان في الأراضي المحتلة تطورا مهما في معناه المادي والمعنوي، وإن كان القرار بفحواه لن يضيف جديدا في سلسلة طويلة من القرارات التي صدرت عن الأمم المتحدة طوال عقود ماضية، غير أن توقيته لا يخلو من دلالات، فقد قطع صمتا سياسيا حول انتهاكات وتجاوزات إسرائيل، التي لم تجد من يقف في وجهها، ولو بالإدانة والشجب الدوليين، وهو ما منح القضية بعدا غاب عنها كثيرا.

انعقاد مؤتمر باريس للسلام، الأحد، وضع حجرا جديدا في جدار إبداء الرغبة في التسوية، لأن حضور ممثلين عن 70 دولة ومنظمة إقليمية ودولية، في حد ذاته حدث مهم، حيث يشي بأن القضية الفلسطينية لم تمت كما روج أو تمنى البعض، وأنها لا تزال تملك قلبا نابضا، بل هناك من يريدونها حية على الدوام. النبض والحياة، صفتان تعبران عن جانب إنساني واضح في القضية، لكنهما أيضا لهما معان سياسية، تؤكد أن التوقيت الحالي يمكن أن يكون مناسبا لتفعيل حل الدولتين، وهو العنوان العريض الذي عُقد مؤتمر باريس من أجله، وليس ببعيد عن التسويات المتوقعة في المنطقة لبعض الأزمات المشتعلة، وربما يكون على صلة، بشكل غير مباشر، بالأفكار التي سيتم تـداولها بشأن تسويات مختلفة، تشرف عليها قوى ترى أن فلسطين يمكن أن تكون مفتاحا محوريا فيها، فمن الصعوبة تسوية أزمة مثل سوريا لم تستمر سوى بضع سنوات، وهناك أخرى مجاورة ومتواصلة منذ عقود.

مهما كان الربط بينهما في هذه النقطة، فهو حاضر في أذهان قوى مؤثرة، تريد لدورها المزيد من التضخم المعنوي، فعندما تقترب المفاوضات الجادة من سوريا وما يدور في فلكها من صراعات وتوترات وتـرتيبات، مـن الضروري عـدم غيـاب القضيـة الفلسطينية، وحتى لو توقف الحضور عند البعد الرمزي، فإنه من الممكن البناء عليه ماديا، إذا توافرت إرادة عربية لذلك.

أعتقد أن هذه الإرادة متوافرة في الوقت الراهن لدى البعض، وهم أشد حماسا لحل الدولتين من أي وقت مضى، وبأقل قدر من الحساسية، حيث كان هذا الطرح يثير انقساما عربيا، بينما يجد حاليا تأييدا ودعما كبيرين، وهناك مواءمات إقليمية خاصة ببعض الصراعات، سوف تنتج عنها إجراءات تفرض التعاون والتنسيق علنا مع إسرائيل، وسوف تجد بعض الدول، التي تدير علاقات مع تل أبيب في السر، نفسها مضطرة إلى أن يكون ذلك في العلن، ولتسويق ذلك من الواجب الدفع باتجاه الحل النهائي للقضية الفلسطينية، على أساس إقامة دولتين.

في المقابل، يجد هذا الطريق قبولا دوليا، يمكن أن يساعد على تجاوز الممانعة الإسرائيلية الـواضحة، عنـدما يدخـل الحـديث عن مصير وتـداعيات الصـراعات الراهنة حيز التنفيذ، والمتـوقع أن تكون تل أبيب رقما معتبرا في الإفرازات المترتبة عليها. لذلك يمثل حل الدولتين خيارا عربيا قبل أن يكون دوليا أو فلسطينيا، فطرح الفكرة وتوفير الحشد اللازم لها ثم فتح المجال أمام ضجيج المفاوضات، كلها ملامح تعطي مبررات للجلوس على مائدة واحدة، تشمل أطرافا عربية وإقليمية ودولية إلى جانب إسرائيل في ملف مثل مكافحة الإرهاب في المنطقة، أو الحديث عن مشروعات تنموية تعيد إنتاج الشرق الأوسط على وقع المستجدات الحالية.

وإسرائيل التي شجبت مؤتمر باريس وراعيته فرنسا، واعتبرته ضارا بمصالحها، لن تتردد في التعامل مع نتائجه، حتى لو أدت إلى تدشين مفاوضات تتعلق بالتوصل إلى صيغة تؤدي إلى عنوان المؤتمر الرئيسي، أي حل الدولتين، لأن تل أبيب تملك قدرة كبيرة على المناورات تمكنها من الدخول في حوارات ونقاشات سياسية لسنوات طويلة، دون أن تضطر إلى إعادة الحقوق الفلسطينية. وهي الصيغة التي تريدها بعض الدول العربية حاليا، لأنها تضمن لها تطوير العلاقات مع إسرائيل بدرجة منخفضة من الحساسية السياسية، فوجود مسوغات مقنعة للتعاون والتنسيق معها ربما يفوق إقامة الدولة الفلسطينية، التي تحتاج إلى رغبة وإرادة وعزيمة عربية، قبل أي توجهات إقليمية ودولية.

كاتب مصري

9