العودة إلى سوريا ما قبل 2011.. سير في الطريق الخطأ لحل الأزمة

لقد أحدثت الحرب بعض التغييرات في التركيبة الديمغرافية السورية بشكل جوهري، وهي حقيقة يجب الأخذ بها عند الحديث عن حل للصراع الدائر في سوريا؛ فالأزمة تتعدى الحرب ضد تنظيم الدولة الإسلامية أو دحر الميليشيات الإيرانية، فحتى لو تم ذلك فلن تعرف البلاد الاستقرار أو السلام، وستنتقل من صراع إلى صراع خصوصا بعد عودة اللاجئين وأصحاب المنازل والأملاك التي تم الاستيلاء عليها وأهالي المناطق الذين نزحوا قسرا وكل سيطالب بحقه وممتلكاته لتتجدد دورة الحرب، وتعود البلاد إلى نقطة البداية وبشكل أسوأ.
الخميس 2017/08/03
التغيير الديمغرافي يعرقل مبادرات الحل

لندن – عندما انتقلت الثورة في سوريا من نطاقها السلمي إلى سياق الحرب العسكرية كان من بين أبرز القضايا التي طرحها هذا التحول مسألة التغيير الديمغرافي. ووضع هذا الهدف الاستراتيجي إيران والنظام السوري ضمن مخطط طائفي وجغرافي لرسم خارطة “سوريا المفيدة”.

ولأن جزءا من هذا المخطط الديمغرافي تحقق فإنه من الصعب، وكما يشير طارق عثمان، المحلل السياسي في مجلة فورين آفيرز، الحديث عن حل للصراع يتعامل مع الأزمة وفق منطق سوريا ما قبل 2011، والزعم أن عودة البلاد إلى هيكلها السياسي قبل الحرب سيحقق السلام.

ساعدت الحرب في سوريا على بلورة مخطط قديم كان في الماضي يقوم على الإقصاء السياسي أساسا، لكنه تحول اليوم إلى تغيير ديمغرافي مادي يقوم على إفراغ أماكن محددة من مكوناتها. والتركيبة السكانية الجديدة، التي جاءت بها الحرب، هي ما يجعل من المستحيل العودة إلى الهيكل السياسي السوري قبل 2011.

على مدى السنوات الماضية، نجح نظام الأسد وحلفاؤه في الحد من تواجد المكون السني في المناطق الأقرب إلى المراكز الحضرية الكبرى، وخاصة دمشق والساحل. وهذه هي المناطق التي يتمتع فيها العلويون (الطائفة التي ينتمي إليها الأسد) بنفوذ قوي ويتم فيها الجزء الأكبر من تجارة الدولة. ويوضح طارق عثمان عند هذه النقطة أن النظام لم يهدف إلى قتل السنة، بل إلى تحفيزهم على الرحيل.

ولم يكن من قبيل الصدفة، وفق طارق عثمان أن الطرق التي تؤدي من سوريا إلى الأردن ولبنان ظلت آمنة تماما على مدى السنوات الماضية رغم حدة الصراع. ويفسر المحلل السياسي السوري وائل الخالدي ذلك بقوله إن النظام تبنّى سياسة فتح معابر لتهجير مقصود للسوريين.

منذر أقبيق: التغيير السياسي قادم وسوف تتغير معه آليات إنتاج الحكم

ويقول الخالدي في تصريحات لـ”العرب”، “خلال قيامنا بعمليات نقل الجرحى إلى لبنان والأردن كان موضوع فتح الطرقات قبل النظام مثيرا للانتباه، وكنا نعتقد أنه غباء لحين تبين أن قصف المدن وفتح الممرات قرار إيراني، أتبعه تصرفات واضحة من لبنان تتمثل بأنه لا يمكن لابن الزبداني أو القصير أو داريا، أن يصالح على وضعه القانوني لأجل السفر إلا ويتم منعه للعودة إلى لبنان حتى، كي لا يتسنى له العودة لمدينته من قبل أجهزة أمنية في لبنان مقربة من إيران”.

وتوضح الكاتبة السورية مرح البقاعي أن “الفرز والتهميش الطائفيين يعودان إلى نظام حافظ الأسد حيث كان يقوم على إبعاد أبناء المدن عن مراكز القرار في الدولة والمناصب العليا في الجيش. وفي عهد الابن تواصل الأمر وفي خضم الحرب جرت مضاعفة العزل الديمغرافي بمساعدة الميليشيات الطائفية”.

بعد 2011، يرى السياسي السوري منذر آقبيق أن نظام الأسد اتبع أسلوب العقاب الجماعي بحق المناطق التي عارضته وخرجت بتظاهرات سلمية تطالب بالتغيير السياسي عامي 2011 و2012.

ويقول آقبيق لـ”العرب”، “جرت ما أسماها النظام بالمصالحات، وهي في الحقيقة تهجير قسري نتيجة الحصار والقصف كما جرى في الزبداني وشرق حلب وغيرها الكثير من المناطق”. ويضيف “لا شك أن المكوّن السني هو الأكثر تضررا بالنزوح والهجرة، لكن بقية المكوّنات تتضرر أيضا، فقد حصلت هجرة للمكوّن الكردي والمسيحي والعلوي والتركماني وغيرها، إما بسبب معارضتها للنظام وإما لطلب الأمان”.

يعتقد الباحث في الشؤون السياسية أحمد رياض غنام أن قضية التغيير الديمغرافي مرتبطة بشكل مباشر بالمشروع الإيراني.

ويقول لـ”العرب”، “هذا المشروع يهدف إلى الهيمنة والسيطرة على العراق وسوريا ولبنان. ويعتبر من أخطر المشاريع التفكيكية للنواة العربية الصلبة، حيث يطال بلاد الشام في تكوينها الديمغرافي ذي الأغلبية السنيّة. ويخفض من الأغلبية العددية”.

ويعرض أحمد رياض غنام عدة نقاط مرتبطة بالدور الإيراني:

بسام يوسف: استحالة نجاح إيران في توطين غير السوريين في مناطق التهجير

◄ تعمّد استهداف البنية التحتية في المناطق المحيطة بالعاصمة السورية دمشق، بحيث التعاطي الحياتي اليومي في حالة من الإرباك والعوز والفقر، بما يستدعي تدخلا إيرانيا ومن خلال وسيط ثالث لتقديم البعض من المساعدات المشروطة (سياسة الاحتواء).

◄تهجير سكان البعض من هذه المناطق والقيام بعملية الـ”ترانسفير” باتجاه المستنقع الإدلبي المتشكل من مجموعة بشرية غير متسقة وتعيش صراعاتها الفكرية المتعارضة لدرجة التصادم.

◄ إبعاد المكوّن السني عن الحدود السورية اللبنانية من جهة القلمون والقصير لتحقيق الوصل الجيوسياسي ببعده الديمغرافي مع حزب اللّه في لبنان، وإحكام الهيمنة والإعلان عن انتهاء المرحلة الأولى من هذا المشروع الإيراني.

◄ إعطاء الجنسية لأسر المقاتلين الأفغان والعراقيين والباكستانيين ودمج هؤلاء في المجتمعات السنيّة داخل حلب ودمشق.

ويقول الكاتب السوري بسام يوسف لـ”العرب”، إن إيران عمدت عبر محاولات “التشيّع” إلى التغيير الطائفي التي بدأت بعد سنوات قليلة من الثورة الإيرانية وأدارها في سوريا شقيق حافظ الأسد جميل الأسد”.

ويضيف أن “تلك المحاولات لم تثمر في حينها نتائج ذات أهمية، لكن بعد الاحتلال الأميركي للعراق في 2003 اتخذ المشروع الإيراني زخما قويا في العراق وسوريا واعتبرته إيران فرصة ذهبية”.

أسلوب إيراني قديم

يقول وائل الخالدي إن “إيران دائما تتوسع بالأسلوب الإمبراطوري القديم، حيث عمدت وبخط ثابت تشييع قرى كثيرة، وكان من أخطر هذه المشاريع السيطرة على المراقد التابعة لآل البيت كالسيدة رقية والسيدة زينب، واختراع مقامات جديدة لم تكن موجودة ولا معروفة لأهالي دمشق والمؤرخين، كاختراع مقام السيدة سكينة في داريا بجوار دمشق والذي لم يكن حتى مسجدا وافتتحه أحمدي نجاد بنفسه خلال زيارته إلى دمشق”.

وكان من أهم الأدوات الإيرانية لتنفيذ مخطط التغيير الديمغرافي التجنيس والاحتلال العقاري، أو ما يسمى بالتغيير القانوني، وهي مظاهر ستتجلى بعد أن تستقر الأوضاع في سوريا حيث ستظهر إيران كمالكة وضالعة بغالبية تجارة المدن السورية الأساسية وبشكل قانوني، حسب تقدير الخالدي.

وتقول مصادر إن نظام الأسد ساهم بتوطين أفغان وإيرانيين لبنانيين وعراقيين من عائلات الميليشيات المدعومة من طهران في مناطق استراتيجية بعد أن تم تهجير أهلها. ويعتقد الكاتب السوري بسام يوسف أن إيران تحاول توطين غير السوريين في مناطق التهجير، لكن الأمر يكاد يكون مستحيلا، لأن توطين الملايين أمر بالغ الصعوبة، لذلك حاولت كسر التفوّق الهائل للنسب الديمغرافية عبر تهجير قسم كبير من الأهالي.

ويرى الخالدي أن هناك بالفعل تسكينا لهذه العائلات، لكن من المبالغة القول إن المشروع بلغ مرحلة التوطين خاصة مع استمرار طغيان المكوّن السني السوري رغم التهجير والترحيل.

ويعتقد بسام يوسف أن إيران دفعت بكل إمكاناتها لتحقيق مخططها الحقيقي بابتلاع سوريا، واستنفرت كل طاقاتها لخلق وقائع داخل سوريا يصعب على أي قيادة سورية تجاوزها، على غرار ما حدث في لبنان وتعطيل حزب الله للدولة.

وائل الخالدي: النظام السوري تبنّى سياسة فتح معابر لتهجير مقصود للسوريين

ويشير إلى أن الصعوبة التي واجهتها إيران هي النسبة الضئيلة للشيعة داخل تركيبة سوريا، فحاولت جذب العلويين وتحييد الأقليات الأخرى وصبّت جهودها لتغيير التركيبة الديمغرافية في المناطق التي تتيح سيطرة تامة على سوريا مثل دمشق وريفها وحمص، وعملت على عدة محاور:

◄ استدامة الصراع وعدم ترك أي فرصة لحل سياسي.

◄ الدفع باتجاه إضعاف دور الجيش السوري وإحلال الميليشيات الموالية لها.

◄ إبعاد أو إضعاف مراكز القوى التي قد تقف في وجه مشروعها داخل النظام.

◄ تهجير متعمد للسنة من المناطق التي ترى أنها استراتيجية بالنسبة لها.

نشأت سوريا الحديثة شرق بلاد الشام بعد انهيار الإمبراطورية العثمانية في العشرينات من القرن الماضي، وسرعان ما تعرض كيان الجمهورية السورية حديث النشأة إلى فترة طويلة من الاضطرابات السياسية. وعرفت البلاد انقلابات عسكرية عديدة بداية من أواخر الأربعينات وحتى السبعينات.

ولم يتمكن سوى حافظ الأسد، من تحقيق فرض النفوذ واستقرار أمر الواقع الناجم عن استخدام القوة. بيد أن حياة السياسيين المعارضين كانت الثمن الذي وجب دفعه. ففي ظل حكمه، قام حافظ الأسد باستبعاد أي مجموعة من شأنها أن تنافس سلطته. وبعد أن تطور نظامه حشد الدعم من خلال تشكيل فريق من المقربين الذين حصلوا على شرعية من خلال ادعاء القومية العربية العلمانية، وفق طارق عثمان.

لكن كشفت الحرب الدائرة منذ ست سنوات أن ذلك الخطاب هو مجرد ادعاء. فالدعم العسكري الإيراني لدمشق ونفوذ طهران السياسي في سوريا، يجعلان من المستحيل على نظام الأسد أن يحتج بالعروبة والقومية العربية لترسيخ شرعيته وإخفاء الهيمنة الطائفية الصارخة لأقلية على الأغلبية.

لقد كشفت الحرب الأهلية الآن كل هذا، تاركة السوريين من السنة على يقين تام بطبيعة النظام. فسياسة الثواب والعقاب والعنف والقمع يمكن أن تعمل لبعض الوقت، ولكنها لن تستمر طويلا. كما يؤكد طارق عثمان أن العودة إلى نظام ما قبل عام 2011 سيكون له ثمنه أيضا.

مشروع فاشل

يعتقد وائل الخالدي، وهو من أبناء دمشق، أنه لا يمكن بأي حال من الأحوال القول بنجاح النظام بالتغيير الفعلي في دمشق.

أحمد رياض غنام: قضية التغيير الديمغرافي مرتبطة بشكل مباشر بالمشروع الإيراني

ويفسر طارق عثمان ذلك مشيرا إلى أن العودة إلى ما قبل 2011 تعني هيمنة قاعدة الأقلية على القوة الاقتصادية، مما سيؤدي إلى ضعف اتخاذ القرارات الاقتصادية وانتشار الفساد.

وهذا من شأنه أن يستنزف اقتصاد أي دولة، ما لم تكن تلك تتمتع بكم هائل من الموارد الطبيعية، وهذا لا ينطبق على سوريا في تلك الحالة. وكنتيجة لذلك ستعتمد دمشق دائما على دعم القوى الخارجية مثل إيران وروسيا، اللتين تواجهان في الأساس تحدياتهما الداخلية ومشاكلهما الاقتصادية، وذلك بسبب انخفاض عائدات النفط.

وفي ضوء ما سبق، يستنتج طارق عثمان أن استراتيجية الأسد الأكثر وضوحا تقوم على تغيير التركيبة الديمغرافية للدولة عن طريق تقليص حجم الأغلبية السنية لجعل حكم الأقلية أكثر استمرارية. ويؤكد الخالدي أن هذه النقطة هامة وهي جلّ عمل النظام في هذه المرحلة “فمن المهم للنظام الإيحاء بأنه أغلبية طائفية في مكان سيطرته، وهي رغم التهجير كما قلنا ما زالت قضية وهمية والتغيير في القوى فقط” وليس بعدد السكان.

لكن، المؤشرات تقول إن هذا الوضع لن يدوم طويلا، حيث أن نسبة كبيرة من السوريين من مختلف الخلفيات الاجتماعية والاقتصادية تلوم النظام الذي تسبب في موت مئات الآلاف من السوريين، بالإضافة إلى تهجير الملايين. هذه المشاعر العميقة ستتغذى وتنمو لتتحوّل إلى غضب شعبي عارم خلال السنوات المقبلة.

ويرى آقبيق أن حكم الأقلية لن يستمر في سوريا. ويقول “التغيير السياسي قادم وسوف تتغير معه آليات إنتاج الحكم. سوف يعود الملايين من السوريين إلى سوريا بمجرد انتهاء الحرب وبدء إعادة الإعمار”.

ويرى الخالدي أن من أدوات فشل المشروع هي بالتأكيد عودة اللاجئين “خاصة عودة رأس المال لينافس رأس مال الاحتلال الإيراني”. وتدعم ذات التوقع مرح البقاعي التي تؤكد أن مشروع التغيير الديمغرافي سيفشل “لأن أصحاب الأرض والمكان سيعودون”.

ويضيف طارق عثمان سببا آخر يعيق تحقيق استراتيجية الأسد وهو الهوية السنية التاريخية لسوريا. فالأغلبية السنية المتبقية لن تقبل أبدا التنازل عن السمة الرئيسية التي رسمت كيان دولتهم في المنطقة. وفي حال عاد الملايين من اللاجئين السوريين الآن في الأردن ولبنان وتركيا إلى سوريا، وهو سيناريو محتمل، نظرا للظروف الاقتصادية الصعبة التي يواجهونها في هذه الدول، وكما أن اللاجئين في لبنان قد بدأوا بالفعل بالعودة إلى المناطق التي تم التوصل فيها إلى وقف لإطلاق النار، فإنهم أيضا لن يقبلوا الهوية الجديدة التي يحاول النظام خلقها.

ولهذا السبب، ولكي تصبح محادثات السلام أكثر فعالية، يجب على جميع الأطراف أن تنظر بجدية في الهندسة الديموغرافية التي تجري في سوريا وتعمل على إيقافها. وإذا لم يتم التصدي لمخططات تغيير سوريا ديموغرافيا، فلن تتوقف الحرب. فعاجلا أم آجلا، ستؤدي عودة النازحين السوريين من الخارج، والرغبة القوية للانتقام من نظام الأسد، أو الضغوط الداخلية التي ستمارسها مجموعات يتم سرقة إرثهم منهم، أو أي مزيج من هذه العوامل السابقة، إلى تجديد دورة الصراع وتوريط سوريا مرة أخرى في حرب مدمرة.

6