"العودة".. البحث في مشكلات الحاضر يكشف أسرار الماضي

مسلسل العودة.. توليفة درامية من التشويق والمفاجآت.
الجمعة 2021/01/01
ارتباك يستر أخطاء الماضي

كثفت الدراما اللبنانية منذ العام الفارط إنتاجاتها، التي تراهن على وجوه شابة بدأت تخط طريقها نحو الاحتراف الفني، متخذة من العلاقات الإنسانية المتداخلة، التي تعقّد سيرورة الأحداث في نسق تشويقي، فرصة لجذب المشاهد حتى وإن كان الأداء التمثيلي ضعيفا نوعا ما.

في إطار تشويقي، يقدم المسلسل اللبناني “العودة” توليفة درامية لا تخلو من الغموض حول قاتل متسلسل ينتقي ضحاياه بمهارة من بين الفتيات والسيدات. المسلسل من بطولة النجمين اللبنانيين دانييلا رحمة ونيكولا معوض وإخراج إيلي السمعان وتأليف رائد بوعجرم، كما ساهم الكاتب طارق سويد في وضع المعالجة الدرامية له.

ويُعرض المسلسل حاليا على قناة إم.بي.سي دراما، وهو من إنتاج شركة إيجل فيلم. شارك في المسلسل عدد كبير من النجوم اللبنانيين، بينهم وسام فارس ورودريج سليمان ونغم أبوشديد وليزا دبس وريم خوري وأسعد رشدان وجمال حمدان، بالإضافة إلى النجم السوري إيهاب شعبان.

علاقات متشابكة

تؤدي دانييلا رحمة هنا دور كاتبة روائية مقيمة في أستراليا وهي “نسيم حجار”، التي احترفت الكتابة بعد هجرتها إلى هناك حتى ذاع صيتها وأصبحت اسما معروفا في عالم الأدب الروائي. تعود حجار إلى بيروت على عجل بعد تلقيها مكالمة من زوجة أبيها (نغم أبوشديد)، تخبرها فيها بأن والدها قد تعرض لحادث سيارة، وأنه يرقد في المستشفى بين الحياة والموت.

تعود الكاتبة بعد سبع سنوات من الغياب عن أسرتها وأهلها، وبعودتها تبدأ الأحداث الغامضة في الظهور، إذ تُقدم صديقتها القديمة منى على الانتحار بإلقاء نفسها من أعلى إحدى البنايات. وفي حين تستقر تحقيقات الشرطة على أن موت منى هو مجرد حادث انتحار، يظهر المحقق كريم معلوف الذي يؤدي دوره نيكولا معوض، ليشكك في هذه الرواية مرجحا أن الأمر مُدبر. تتأكد شكوك كريم بعد مقتل فتاة أخرى لها علاقة بمنى، غير أن ما يثير انتباهه في الحادثتين أن الضحيتين كانتا صديقتين مقربتين للكاتبة نسيم حجار الواصلة لتوها إلى بيروت.

العمل استطاع الاحتفاظ بانتباه المشاهد حتى الحلقة الأخيرة، بسبب الغموض الذي أحاط بالعديد من الشخصيات

في ظل صدمتها بحادث أبيها (أسعد رشدان)، الذي يظل راقدا في المستشفى بين الحياة والموت، تبدأ نسيم حجار في اكتشاف التغيرات التي طرأت على محيطها العائلي والاجتماعي، من علاقتها بأختيها (نغم ونائلة)، اللتين لا تكفان عن لومها بسبب تركها المُفاجئ لهما بعد موت والدتهما.

كما تعاود نسيم التواصل مرة أخرى مع صديقاتها القديمات، واسترجاع علاقاتها السابقة، وتلتقي بمحض الصدفة مع حبيبها السابق يوسف (إيهاب شعبان)، الذي انفصلت عنه قبل رحيلها، لتعرف أنه قد ارتبط بفتاة أخرى، لكنه رغم هذا يظل مخلصا لحبها طوال الوقت شاعرا بمرارة فراقها المفاجئ له. في هذه الأثناء تُقتل ديالا صديقة نسيم، فتصبح الضحية الثالثة، التي تفارق الحياة من بين صديقاتها. ما يربط بين الضحايا الثلاث هو أن القاتل يتفنن في الإيحاء بأن الحادث مجرد انتحار أو هو موت طبيعي، وتربط بينهن أيضا علاقتهن القريبة السابقة بالكاتبة نسيم حجار.

تحوم دائرة الشكوك حول عدد من الأشخاص بينهم حبيب نسيم السابق يوسف، ويحاول المحقق كريم حل هذا اللغز واكتشاف العلاقة التي تربط نسيم بمقتل الضحايا الثلاث. وفي هذه الأثناء تظهر على مجرى الأحداث شخصية طارق، الذي يؤدي دوره النجم اللبناني وسام فارس، وهو شاب يعمل عازفا في المطاعم والنوادي الليلية. تتوطد علاقة الشاب طارق بنسيم إلى حد كبير ويربط بينهما الإعجاب المتبادل. في هذه الأثناء تشكك نسيم بأن الحادث الذي تعرض له والدها مُدبر، وأن له علاقة ببعض المستثمرين وشركائه في العمل، وتحاول البحث في الأمر، لتكتشف بعض المفاجآت المتعلقة بعمل والدها.

حبكة بوليسية تشويقية

تحاول نسيم جاهدة معالجة بعض الأمور الأسرية في مسعى لتحسين علاقتها المتوترة بأختيها، لكنها تكتشف ارتباط زوج أختها نائلة بإحدى عصابات التهريب، كما تكتشف العلاقة السرية التي تجمع بين أختها الصغرى نغم بأحد الرجال المتزوجين. تحاول نسيم معالجة كل هذه الأمور، في الوقت الذي تطاردها فيه ذكرياتها السابقة والغامضة. نعرف من خلال الأحداث أن نسيم قد هربت من لبنان لأسباب غامضة، ويحاول المشاهد طوال الوقت التعرف على هذه الأسباب التي تتمثل لنسيم على هيئة كوابيس وتهيؤات.

توليفة درامية حول قاتل متسلسل ينتقي ضحاياه بمهارة من بين الفتيات والسيدات
توليفة درامية حول قاتل متسلسل ينتقي ضحاياه بمهارة من بين الفتيات والسيدات

يعتمد المسلسل على حبكة بوليسية وتشويقية، غير أن هذه الحبكة يشوبها بعض الإخفاق، من جانب الاهتمام بالتفاصيل المرتبطة بشخصيات العمل، فبطلة المسلسل على سبيل المثال يتم تصويرها على أنها شخصية حققت نجاحا جماهيريا منقطع النظير في مجال الكتابة، حتى أن البعض يتعرف عليها في الأماكن العامة، في حين لا ينعكس الأمر على القريبين منها، بل إن بعضهم يفاجأ بهذه المكانة التي وصلت إليها البطلة في مجالها. بدأت أحداث المسلسل مُتسارعة في البداية، غير أن التباطؤ عاد ليخيم عليها لاحقا، مع إسهاب واضح ومفتعل في بعض الحوارات والمشاهد.

يُحسب للعمل أنه استطاع الاحتفاظ بانتباه المشاهد حتى الحلقة الأخيرة، بسبب الغموض الذي أحاط بالعديد من الشخصيات، ومن بينهم بطلة العمل دانييلا رحمة، التي تكشفت خلال الحلقات الأخيرة علاقتها غير المباشرة بحوادث القتل التي تعرضت لها صديقاتها.

تطالعنا الحلقة الأخيرة من المسلسل بمفاجآت غير متوقعة، فالكاتبة نسيم حجار تخفي وراءها سرا مدويا، إذ نكتشف أنها ليست هي من تكتب رواياتها في الحقيقة، وأن الكاتب الحقيقي لهذه الروايات هو كاتب مغمور يدعى بلال زيدان ويؤدي دوره مجدي مشموشي. تعرفت وسام على هذا الكاتب المغمور، وتوطدت العلاقة بينهما قبل سفرها، لكنها اكتشفت في ما بعد أنه يعاني من الاضطراب النفسي وحب السيطرة.

 حاول زيدان الاعتداء على إحدى صديقات نسيم، فيقتلنه ويقمن بدفن جثته سرا. بعد مقتل زيدان تستولي نسيم حجار على مسودات رواياته وتنسبها لنفسها. يكتشف المحقق كريم معلوف كل هذه التفاصيل، كما ينجح في التوصل إلى هوية القاتل الحقيقي، والذي يمثل إحدى المفاجآت غير المتوقعة في المسلسل. القاتل هنا ليس سوى ابن الكاتب المغمور الذي قرر الانتقام لأبيه، وهو إحدى الشخصيات المحورية في العمل. كما نكتشف أيضا العلاقة التي كانت تربط زوجة الأب (نغم أبوشديد) بالكاتب المغمور بلال زيدان.

يذكر أن الإعلامية اللبنانية ساشا دحدوح تشارك في هذا المسلسل كضيفة شرف من خلال شخصية منى، التي تقدم على الانتحار خلال الحلقة الأولى. وكان المشهد الذي ظهرت فيه دحدوح قد أثار الانتباه بسبب المعالجة الجيدة لعملية السقوط من أعلى البناية، ويعد هذا المسلسل هو الثالث في جملة مشاركاتها الدرامية على نحو عام.

16