العودة التدريجية لنشاط المساجد تفسح المجال أمام مراجعة دورها في الجزائر

فك الارتباط بين المساجد والاحتجاجات السياسية في صدارة انشغالات السلطة.
الخميس 2020/12/03
السلطة الجزائرية تفكر في مستقبل الخطاب الديني

تُحاول السلطات الجزائرية استثمار عودة المساجد إلى نشاطها -بعد رفع القيود التي فرضتها لمنع تفشي فايروس كورونا المستجد- لمراجعة دورها وإجراء تقييم حقيقي له، لاسيما بعد أن أظهرت الاحتجاجات السياسية التي شهدتها البلاد في وقت سابق أن الهيئات الدينية قادرة على حشد الشارع ضد السلطة.

الجزائر - فتحت العودة التدريجية للمساجد إلى نشاطها المعتاد بالجزائر، في إطار رفع القيود الوقائية المترتبة عن جائحة كورونا، المجال أمام إمكانية مراجعة السلطات المختصة لوظيفة وخطاب تلك المؤسسات، لاسيما تلك التي مازالت خارج خارطة وزارة الشؤون الدينية والأوقاف، فضلا عن أن العديد منها لعبت دورا ولو نسبيا في حشد الاحتجاجات السياسية المعلقة منذ شهر مارس الماضي.

ويبذل القائمون على إدارة وتسيير المساجد بعد العودة التدريجية لصلاة الجمعة والجماعة لعدد محدود منها في ربوع البلاد، جهودا مضنية في تطبيق البروتوكول الصحي المطبق، في سلوك يتعدى الإجراءات الصحية إلى رد على المتحفظين على فتح المساجد في الظرف الراهن، في إطار تجاذب أيديولوجي أكثر منه صحي.

وأفضى السجال القائم على فتح المساجد إلى تجاذب أيديولوجي غير معلن بعنوان الوقاية الصحية من وباء كورونا، حيث لم يتوان روادها في اتهام السلطات الحكومية والدوائر السياسية الداعمة لها بتعمد تأخير عودة المساجد إلى وضعها الطبيعي، من أجل فك الارتباط بينها وبين الاحتجاجات السياسية التي كانت تتخذ من محيط المساجد وساحاتها نقطة انطلاق لمناهضة السلطة، بينما ظلت وزارة الشؤون الدينية تعبر عن مخاوفها من تحولها إلى بؤر للعدوى قياسا باستحالة تحقيق التباعد الاجتماعي داخلها أو في محيطها.

وأظهر حرص القائمين على المساجد في صلاة الجمعة والجماعة رسالة تنطوي على رد مبطن من روادها على المتحفظين عن فتحها، ولم تتوقف تدوينات العديد منهم على شبكات التواصل الاجتماعي عن استهجان استمرار قرار الغلق طيلة الأشهر الماضية مقارنة بالفضاءات الجماعية والاجتماعية الأخرى على غرار الأسواق والمتاجر والنقل الحضري وغيرها.

ورفع أحد أئمة ضاحية برج البحري بالعاصمة تحديا أمام المتحفظين من أن تسجل المساجد نسب عدوى كتلك التي تسجل في الفضاءات الأخرى، ووجه رسالة لمرتادي المسجد الذي يؤمه من أجل ما أسماه بـ”رفع الرهان والرد المناسب على المتحفظين والمشككين في احترام المصلين البروتوكول الصحي”.

وألمح في تسجيل له إلى أن “المسألة تتعدى حدود الأزمة الصحية إلى تصفية حسابات أيديولوجية من طرف دوائر تتخذ من الجائحة الصحية ذريعة لتقزيم المسجد كمؤسسة روحية ورسالية”، وهو ما يخفي التجاذب الأيديولوجي غير المعلن بين تيار محافظ وإسلامي وبين تيار لاديني ما فتئ يتمدد في الآونة الأخيرة. 

وجاء غلق “جامع الجزائر” بعد أسبوع من فتحه ليغذي السجال بين المهللين للصرح الديني الذي أفردت له السلطة الحاكمة منذ حقبة الرئيس السابق عبدالعزيز بوتفليقة إمكانيات ضخمة واهتماما سياسيا لافتا، وبين منتقدي المشروع منذ أن كان فكرة أو مشروعا قيد الإنجاز، بدعوى أولوية دعم الخدمات العمومية كالمستشفيات التي تسجل فيها البلاد نقصا كبيرا.

ويبقى الجامع المذكور الذي ظل أحد أحلام الرئيس السابق بوتفليقة، ليشرف على تدشينه، ينتظر الحدث ذاته من طرف الرئيس الحالي عبدالمجيد تبون، الذي أشرف عليه وهو وزير للسكن والعمران، وكان مقررا تدشينه في الأول من نوفمبر الماضي، وهو تاريخ يصادف عيد ثورة التحرير، كرئيس للبلاد، إلا أن الوعكة الصحية حالت دون ذلك، وتأجل بذلك التسويق الذي تهيئ له السلطة لإظهاره في ثوب “الإنجاز الكبير والصرح العظيم”.

ولم يدم فتح جامع الجزائر أمام المرتادين إلا أسبوعا واحدا، ليتقرر غلقه بقرار حكومي، غذى السجال المفتوح بين المهللين الذين قصدوه من العاصمة وضواحيها، والمرحبين بالعودة التدريجية لصلاة الجمعة والجماعة، وبين المنتقدين الذين استهجنوا بعض تصرفات المصلين وعدم احترام التباعد الاجتماعي.

السجال القائم حول مسألة فتح المساجد أفضى إلى تجاذب أيديولوجي بعنوان الوقاية الصحية ما أدى إلى تعمد تأخير فتحها

لكن ذلك لم يحجب التجاذبات الأيديولوجية بين الطرفين، والتي توظفها السلطة بحسب أجنداتها وحاجاتها السياسية، فلما تكون بصدد مواجهة المد الطائفي والمذهبي في البلاد، تروج للجامع المذكور على أنه صرح سيكون مصدر إشعاع روحي وديني، يعزز المرجعية الصوفية للمجتمع ويحارب أفكار الإرهاب والتطرف، ولما يتعلق الأمر بالتحكم في الزخم الشعبي المناهض لها، تقرر غلقه بعد أسبوع من فتحه خشية تحوله إلى نقطة لتجدد الاحتجاجات السياسية المناوئة لها.

ويبدو أن السلطة التي كاد أن يجرفها تيار الحراك الشعبي في فبراير 2019، لا تريد تكرار التجربة والسماح مجددا للحراك الشعبي باكتساح الشارع وإظهاره في موقف ضعيف، وجاءت الجائحة الصحية لتقدم لها خدمات كبيرة، فبسببها تم تعليق الاحتجاجات والمظاهرات الشعبية، وبها أيضا يتم التحكم في كل المصادر المغذية للحراك الشعبي، كالنقل والمساجد.

وتجري الاستجابة للأصوات الداعية لتحرير نشاط المساجد بشكل تدريجي، ينطوي على مراجعة محتملة لعملها ومحيطها والجمعيات الدينية الناشطة فيها، ولذلك يتم تأخير عودة النشاط إليها، حيث تعتبر الجزائر من بين الدول القليلة التي تواصل الحظر الوقائي في المساجد، مقارنة مع الدول العربية والإسلامية وحتى الغربية.

وتحت ضغط الأصوات المتصاعدة، طمأنت وزارة الشؤون الدينية والأوقاف المرتادين والنقابات الناشطة بـ”إصدار ولاة (المحافظون) الجمهورية قرارات بفتح أربعة آلاف مسجد في الأيام الأخيرة، كانت مغلقة بسبب تفشي فايروس كورونا”، ونوهت بأن “التقارير التي تصلها من هيئاتها المحلية تكشف عن التزام المصلين بالبروتوكول الصحي”.

وصرح المفتش العام للوزارة بزاز خميسي، لموقع “سبق براس” بأن “الاكتظاظ الذي شهدته بعض المساجد المعنية بقرار الفتح التدريجي الصادر عن رئيس الجمهورية مطلع شهر أوت، دفع بولاة الجمهورية لاتخاذ قرار بفتح مساجد إضافية لتفادي الاكتظاظ حيث وصل عدد المساجد المفتوحة الآن لأكثر من ثمانية آلاف”.

وتحصي الجزائر أكثر من 24 ألف مسجد في ربوع البلاد، تقع غالبيتها تحت سلطة وزارة الشؤون الدينية، وتخضع لتأطيرها البشري والخطابي، بينما تبقى قلة منها مستقلة تخضع لوصاية ناشطين وجمعيات الزوايا، كما هو الشأن في منطقة القبائل وبني ميزاب، إلا أن اللافت أن جميع المساجد خضعت لقرار الحظر الوقائي. 

ولفت المتحدث إلى أن “التقارير التي تردهم بصفة دورية من الولايات (المحافظات) تؤكد التزام المصلين بإجراءات الوقاية وتطبيق البروتوكول الصحي، رغم الإمكانيات المحدودة في بعض المناطق، وأن أغلب معدات الوقاية من كمامات ومعقمات تأتيهم من تبرعات الجمعيات الدينية”.

وعلق بشأن تسجيل وفيات في صفوف الأئمة بالقول “إن أغلب حالات الإصابة بفايروس كورونا كانت خارج المسجد وليست لها علاقة بخلل في تطبيق البروتوكول الصحي، وأن مصالح وزارة الشؤون الدينية ستنظر في قرار إعادة فتح مساجد أخرى لا تزال مغلقة ويبلغ عددها 10 آلاف مسجد”.

13