العودة المدرسية أمل مشحون بالإرهاق يعتري الأسر التونسية

ارتفاع تكلفة العودة المدرسية يدفع الآباء إلى الإستدانة، ودلال الأبناء وعدم تفهمهم يسببان الخلافات بين الزوجين.
الثلاثاء 2018/09/18
ضغوط مضاعفة

تونس – يأتي الرجوع إلى صفوف الدراسة في تونس هذا العام عقب الإجازات والعطلة الصيفية وبعد عيد الأضحى وغيرها من المناسبات الأسرية والاجتماعية وما تفرضه من مصاريف إضافية تثقل كاهل مُعيل الأسرة، وهو ما يجعل أغلب الأسر التونسية من الطبقات الاجتماعية المتوسطة والضعيفة تعيش فترة من الضغط المادي والنفسي يرجع إلى الصعوبات المالية التي تلاقيها في إطار تغطية تكاليف عودة الأبناء إلى المدارس من ناحية، وإلى الخوف على مصير وتحصيل أبنائهم في المدارس خلال العام الدراسي الجديد بعد ما شهده العام الماضي من إضرابات عديدة وتوقف للدروس أثّر على نتائج الأبناء الدراسية.

وزاد الوضع الاقتصادي الصعب في البلاد بسبب غلاء أسعار جل المواد الاستهلاكية ومن بينها لوازم الدراسة من حدة الضغط المادي الذي يؤرق أرباب الأسر وهو ما أكده المعهد الوطني للاستهلاك، إذ أفاد مديره طارق بن جازية، أن تكلفة العودة المدرسية للسنة الدراسية الحالية شهدت ارتفاعا ما بين 11 و24 بالمئة مقارنة بالدخول المدرسي العام الماضي، موضحا أن العائلة التونسية ستنفق مبلغا هاما من ميزانيتها لاقتناء الأدوات والمستلزمات المدرسية، إضافة إلى مصاريف أخرى مثل معاليم التسجيل والاشتراك المدرسي والزي الرياضي.

وأوضح بن جازية، أن كلفة دخول التلميذ للمدرسة هذا العام ستكون مرتفعة بسبب “ارتفاع أسعار بعض المواد المدرسية بحوالي 24 بالمئة وارتفاع الأداء على القيمة المضافة بنسبة 1 بالمئة”. وأضاف أن “قيمة التداين الأسري تضاعفت في 8 سنوات حيث زاد حجم القروض المسندة من البنوك للأسر التونسية خلال شهر جوان 2018 على 23 مليون دينار".

واعتبر مدير معهد الاستهلاك التونسي أن “القروض الاستهلاكية تعدّ كارثة كبيرة على الأسرة رغم دورها في تحسين ظروف عيش المواطن وفي تنشيط الحركة الاقتصادية”. ولم تعد غالبية الأسر المنتمية إلى الطبقات الاجتماعية المتوسطة والضعيفة قادرة على توفير الضروريات لتسجيل أبنائها في المدارس العمومية دون اللجوء إلى التداين أو الاقتراض.

 وهو ما يجعل تلبية طلبات الأبناء الزائدة واشتراطهم لنوعية معيّنة مثلا في المحفظات وغيرها تزيد من إغراق العائلة في الديون، وهو ما من شأنه أن يخلق خلافات جديدة بين أفرادها.

ومن جانبه يقول رئيس الجمعية التونسية للأولياء والتلاميذ رضا الزهروني لـ”العرب” إن “العودة المدرسية تحمل بالنسبة لجلّ العائلات التّونسية الكثير من الأمل المشحون في نفس الوقت بالإرهاق المادي والمعنوي. فمنهم من يأمل أن تتحصّل ابنته أو يتحصل ابنه على شهادة الباكالوريا ومنهم من ينحصر أمله في ارتقائهما من سنة إلى سنة والكلّ يتوق إلى نجاح أبنائهم وتميزهم في مشوارهم الدراسي”.

غالبية الأسر المتوسطة غير قادرة على توفير الضروريات لتسجيل أبنائها في المدارس العمومية دون اللجوء إلى التداين
 

ووفقا للزهروني، يعمل الأب والأم بالتوازي على توفير الموارد المالية الضرورية لاقتناء لوازم الدراسة والملابس وتوفير تكلفة النقل وربما تكلفة الأكل وذلك على حساب المتطلبات الأساسيّة الأخرى. وأصبحت مصاريف الدراسة تصنّف بالنسبة للعديد من العائلات التونسية حتى قبل مصاريف الصحة بسبب غلاء المعيشة. هذا بالإضافة إلى الإرهاق المعنوي الذي تعاني منه جلّ العائلات التونسية بسبب عدم استقرار المنظومة التربوية التي عرفت السنوات الأخيرة العديد من الإضرابات.

ومن جهة أخرى مثّل تدهور أداء المنظومة التربوية بكل مكوّناتها وتراجع أدائها وفقدانها لقيمتي العدالة والمجانية كابحا لأمل العائلات في نجاح أبنائهم واضطر العديد من الأولياء إلى اللجوء إلى الدروس الخصوصية وما تتطلّبه من مصاريف إضافية عادة ما تكون الأسرة وفرتها على حساب مستحقات أخرى. وهناك من التّلاميذ من تابع دروسا خصوصية حتى خلال العطلة الصيفية والسؤال المطروح كيف يمكن للولي غير القادر على دفع تكاليف الدروس الخصوصية مثلا أن يتعامل مع ابنه الذي يطالب بها لكي يصبح مثل زملائه في الدراسة.

وتزيد متطلّبات الأبناء المتزايدة من إرهاق الوالدين ماديا ومعنويا، فقد لا يتفهم الأبناء في حالات كثيرة عجز والديهم على توفير رغباتهم الأمر الذي من شأنه أن يتطوّر ليصل إلى حد الخلافات بين الآباء والأبناء وبين الزوجين أحيانا.

من جانبه يقول قيس يعقوب وليّ ومربّ لـ”العرب” إن “العودة المدرسية هذا العام تتميّز بشعور غريب لدى الوليّ والتلميذ، شعور يختلط فيه الفرح بالخوف والتوجس، حيث يفرح الولي بدخول منظوره للدراسة أو العودة إليها ويفرح التلميذ بالعودة لمقاعد الدراسة والرفقاء.

 هذه الفرحة تنغصّها أشياء كثيرة منها الخوف من الرسوب بالنسبة للتلميذ في حين يفقد الولي لذة شعوره بالفرحة بالعودة المدرسية منذ اليوم الذي يلزم فيه بتوفير متطلباتها من أدوات مدرسية إلى لباس إلى أموال يومية للتنقل والأكل”.

ويضيف يعقوب “شخصيا كأب لتلميذة وكمربّ مطلع على شواغل القطاع عانيت صعوبة كبيرة لكي أوفّق بين حاجيات الأسرة ومصاريف أضحية العيد ومتطلبات ابنتي بمناسبة العودة المدرسية سيما وقد تزامن الموعدان بنفس الشهر، خاصة إذا أخذنا بالاعتبار الجانب الشخصي في المسألة حيث يفرض عليك منظورك محفظة معيّنة ولباسا خاصا من أوكد شروطه أن يكون جديدا".

ولا يتوانى الكثير من المواطنين عن التذمر من الارتفاع المشط لأسعار الأدوات المدرسية والمكتبية مع بدء العام الدراسي الجديد معتبرين أنها تتجاوز قدراتهم المادية، سيما، الأسر التي لها أكثر من ابن يدرس مما يضطرهم للبحث في أكثر من مكان عن أدوات أقل سعرا وان كانت اقل جودة.

وفي تقرير حديث لوكالة تونس أفريقيا للأنباء “وات” أكّد عدد من المواطنين في إحدى مكتبات العاصمة أن أسعار الحقائب المدرسية وغيرها من المستلزمات تزيد من سنة إلى أخرى بشكل مبالغ فيه رغم تدني الجودة.

21