العودة للقتل على الهوية في العراق أولى نتائج خطاب إيران الطائفي

شكل العراق منذ سقوط بغداد “مختبرا” لتجسيد ردود الأفعال بين المواطنين حول أي إشكال يحدث بين الشيعة والسنة، وذلك عبر الأذرع الإسلامية المسلحة وغير المسلحة ولعب رجال الدين لأدوار سياسية بارزة في البلاد. ولعل تفجير مسجدين للسنة في مدينة بابل مؤخرا، في ما يبدو أنه ردة فعل على إعدام السعودية لرجل دين شيعي متهم بالإرهاب، دليل آخر على أن رؤوس الفتنة الطائفية لا تزال حاضرة بقوة.
الأربعاء 2016/01/06
الاصطفاف الطائفي نذير خراب

تعرض مسجدان على الأقل للسنة لهجوم بالقنابل ردا في ما يبدو على إعدام رجل الدين الشيعي نمر النمر في السعودية الأيام الماضية، ولا يمكن اعتبار هذا الحدث عاديا بقدر ما يمكن قراءته على أنه تحول بارز في الواقع العراقي الذي زج به إسلاميوه في زاوية رد الفعل الطائفي على التطورات التي تحدث في المنطقة، لا سيما وأن البلاد تحوي أقصى التعبيرات الإسلامية تشددا وتطرفا من الجانبين، داعش في الشمال وهي التعبيرة القصوى الإرهابية التي ألصقت جزافا بالسنة، وعصائب أهل الحق والحشد الشعبي في الجنوب الممثلين للشيعة.

فقد سعت بعض القوى الإقليمية المحيطة بالعراق في السنوات الماضية، ومنذ إعلان ما يسمى بالخلافة الإسلامية في المحافظات الشمالية للبلاد، إلى متابعة الصراع الطائفي في العراق بين الجماعات التي تبحث عن مبررات طائفية لإرهابها المسلح والتي تعمل بالوكالة عن أنظمة تبحث عن مواطئ قدم في العراق بعد الاحتلال، كأن الأمر بالنسبة لتركيا وإيران مثلا يمثل محرارا لقياس مدى قوة الحضور والتوظيف السياسي للمشكل الديني المفتعل في النسيج الاجتماعي للعراقيين. وبذلك أسست الجماعات الإسلامية بكل أشكالها وتعبيراتها لمستقبل يحمل تقسيما للعراق وفق الأطماع الإقليمية وعبر آلة الصراع المسلح باسم “الطائفة التي على حق”.

وقد بدأ خطر نجاح هذه الاستراتيجية يلوح في الأفق بعد أن تأكد لكل المتابعين أن الساحة العراقية الآن تمثل رجع الصدى لأي إشكال إقليمي أريد ترويجه على أنه طائفي، مثلما كان خطاب إيران الأخير الذي أراد تصوير تنفيذ أحكام الإعدام الأخيرة على أنه انتقام طائفي، مستعملة في ذلك لغة دينية طائفية لمزيد إشعال التوتر في حدائقها الخلفية، كالعراق وسوريا واليمن ولبنان، وهو ما حدث بالفعل، حيث ردت الجماعات الإسلامية الطائفية باللغة ذاتها التي استعملها خامنئي ومساعدوه.

ولم يتوقف رد الفعل عند إصدار بيانات طائفية من قبل هذه الجماعات، بل إن تفجير مسجدين للسنة في مدينة بابل العراقية استتبع بهالة من المظاهرات والتجمعات التي حملت شعارات طائفية تبناها رجال دين أفتوا بضرورة الانتقام من الأحكام، وقد كان من بين المطالب الرئيسية التي هتف بها المتظاهرون وجلهم من مسلحي الحشد الشعبي وعصائب أهل الحق الشيعة، “ضرورة تنفيذ أحكام الإعدام الصادرة في حق سعوديين في السجون العراقية لتهم تتعلق بالإرهاب”، ليتحول المشكل من طائفي إلى مشكل سياسي إقليمي يكشف عن خفايا النوايا الإيرانية في المنطقة التي تتغلف بشعارات إسلامية طائفية وهي في الأساس نوايا توسعية. وأهم أداة لتفعيل هذا التوجه الإيراني يكمن في تسليح الأحزاب الإسلامية التابعة لها، وإيجاد مبرر طائفي للتسلح وهي “الدولة الإسلامية” التي تخضع بدورها للقوانين ذاتها التي تحكم الميليشيات الإسلامية الشيعية.

لم تكن التفجيرات التي استهدفت مساجد السنة في بابل لتحدث لولا انخراط بعض رجال الدين في الأزمة الأخيرة، فقد استعرت الساحات العامة في مناطق عديدة من جنوب العراق بخطابات التأجيج الطائفي ضد السنة بشكل مجاني، حتى أن رجل دين سني تم قتله جنوبي بغداد نتيجة الشحن الطائفي. فقد دعا عدد من الأئمة الشيعة إلى قطع العلاقات مع السعودية ومقاطعة بضائعها، فيما يبدو أنه تمهيد لوضع العراق رهن الإشارة الإيرانية في حربها الإقليمية بغلاف القداسة والانتصار للطائفة وليس للوطن.

13