"العودة من الأبدية" رواية عن فساد نظام البعث وتاريخ الديكتاتورية

الخميس 2014/07/31
الرواية فضح لأساليب القمع في سوريا

دمشق- تقدم رواية “العودة من الأبديّة” الصادرة عن “دار فرقد” (2014) ، للكاتب والمترجم السوري حسام الدين خضّور، تاريخ الفساد الذي يحكم سوريا منذ تسلق نظام حزب البعث السلطة وإقصائه لكل منافسيه وإعادة تشكيل الدولة والقانون، كما يقدم الكاتب قصة عن أحد ضحايا محكمة الأمن الاقتصادي التي أُسست في الثمانينات، عقب الانتهاء من الصراع بين الإخوان المسلمين ونظام البعث، حيث تجاوزت المحكمة اختصاصات القضاء وكانت وسيلة بيد النظام لفرض سطوته وتلميع وجهه في سبيل إخفاء حالات الفساد الكبرى وانهيار الاقتصاد.

تبدأ الرواية بعنوان من جريدة تشرين التي تصدر في سوريا عن صدور أحكام بالإعدام والسجن المؤبد في حق أكثر من سبعين شخصا متورطين في قضايا تمس اقتصاد الدولة، الراوي صحفي في جريدة حكومية يحاول اكتشاف حقيقة هذا الخبر وما يدور وراءه، حيث يبدأ بتجميع خيوط القضية والتقاء مجموعة من المحكومين، الصحفي يتعرف شخصيا على المحكومين ويلتقي بهم في السجن، وتتوطد علاقته مع جمال، الذي يعطيه تباعا ما دوّنه أثناء فترة اعتقاله وما حدث معه طيلة فترة المحاكمة والاعتقال.


مملكة الصمت


تعرف سوريا بسجونها ذات القسوة الشديدة التي تغتال الإنسان جسدا وروحا، والكاتب نفسه حسام الدين خضور، سجن لمدة 15 عشر عاما بسبب أحكام هذه المحكمة الجائرة، ويقدم في هذه الرواية شهادة على لسان جمال وشخصيات أخرى، حيث نعيش مع صفحات الرواية الرعب في معتقلات فروع الأمن والتعذيب الوحشي الذي يتعرض له المساجين، ثم الانتقال إلى سجن القصر العدلي ثم سجن دمشق المركزي، كلها عذابات متتالية، في كل منها تتضح معالم القسوة والاغتيالات التي يمارسها النظام ضد الذين لفقت لهم التهم، أو استخدموا كـ”بدائل” عن المتهمين الحقيقيين.

الفساد الذي ينخر مؤسسات سوريا يتضح كذلك في سيطرة العداوات الشخصية بين رجالات السلطة وبين رئيس الوزراء والغساني التي كانت سببا في سجن جمال.

كما تعرض الرواية الفساد في السلطة القضائية وأساليب الرشوة وتدخّل السلطة أحيانا ضدّ المتهمين وإلصاق التهم بهم حتى لو كان ذلك مخالفا للقانون بالإضافة إلى شراء/رشوة القضاة وتعيين أزلام النظام في كل الدوائر.

الراوي/الصحفي أيضا يرى نفسه متورطا في القضية، فالصحافة في مملكة الصمت دائما وسيلة لتبييض وجه السلطة وتلميع قراراتها، بل حتى أنه يكافأ بتعيينه مديرا للمكتب الصحفي في وزارة العدل، تلك التي استلم وزارتها قاضي محكمة الأمن الاقتصادي المعروف بجنونه ولاعقلانيته وذلك مكافأة للأخير على خرقه القانون.

كل شيء يخضع لرؤية القائد وأهدافه، وحجة التصدي للإمبريالية والصهيونية تبرر أي قضاء على الديمقراطية وحرية الأفراد، قصة الصحفي لا تنتهي بل نراه يحتفظ بالتحقيق الذي أجراه في أرشيف الجريدة لوصول تعليمات من القيادة بعدم الحديث عن محكمة الأمن الاقتصادي مع ذلك نراه يعود بعد سبع سنوات للقاء جمال الذي يكمل قصته، والتي يحاول الصحفي أن يعيد روايتها وإيصالها للجميع.


مأساة القيود


الكاتب يعرّي المسكوت عنه في تاريخ سوريا من وجهة نظر المتورط وشاهد العيان

يطلب جمال من الصحفي نسخة من رواية ديستيوفسكي “مذكرات من بيت الموتى” علّها تكون سلواه في سجنه، وعند زيارته للمرة الثانية يحصل الصحفي من جمال على مذكراته في السجن بعنوان “كولاج” حيث ترسم هذه المشاهدات انطباعات عما يحتويه السجن من فساد ومحسوبيات بالإضافة إلى المعاناة التي تحكم المساجين وحياتهم اليومية، لينهي الراوي حكاية جمال بأمنية أخيرة وهي أن يخرج من السجن وهو يردّد عبارة “لن أقول نعم سيدي لأحد”.

السياسة تلعب دورا كبيرا في الرواية، فهي تروي تاريخا من القمع وإقصاء الآخر المختلف برأيه، ففي المحشر/ فرع الأمن، نرى المعتقلين السياسيين لا يعرّفون عن تهمهم، وهم الأكثر عرضة للتعذيب والنسيان في غياهب السجون، فنرى الشيوعيين والإخوان المسلمين والمعارضين كلهم سواء، في سجن أشبه بقبر ينتظر موتهم تباعا، كما ينقل جمال للصحفي أخبار العصيان في سجن دمشق المركزي بعنوان “أبدان الدم” راسما معالم القسوة تلك التي يمارسها النظام ضدّ من يحاول الخروج ضدّه أو رفع صوته.


قرابين للقائد

تخطيط: ساي سرحان


الرواية تحكي المسكوت عنه في تاريخ سوريا من وجهة نظر المتورط وشاهد العيان، فالأحداث ليست بلغة تقريرية أو من محض الخيال، هي تجربة شخصية تنقل إلينا ما يحدث سرا في أقبية الموت في سبيل الحفاظ على سلطة القائد ونظامه، دون أي اعتبار لحرمة الإنسان أو وجوده، هناك في ظلام الأقبية، يكتشف جمال معنى الفقدان والانهيار، فقواه تخور، ومن حوله يسقطون ويفقدون أجسادهم، ثم يبدأ الخارج بالانهيار، فزوجته تتركه، وصلاته مع العالم الخارجي تتداعى، في حين أن الصحفي الذي رفض الاعتراف بالفساد ونشر التحقيق نال مكاسب مادية واجتماعية بل وتحسن وضعه الوظيفي، فنحن أمام نظام يفتك بأعدائه ويحافظ على من حوله من مريدين بعطايا رمزية يخضعون لها خوفا من بطشه.

مازالت العذابات التي ترسمها الرواية والتي تدور أحداثها في منتصف الثمانينات مستمرة حتى الآن، فالنصوص القانونية الفضفاضة تعطي لأجهزة النظام الحق بالبطش دون أيّة مساءلة، فالقضية التي اتهم بها جمال ورفاقه تأتي تحت بند “عرقلة التشريعات الاشتراكية” وبضرر للدولة يثير السخرية مقداره 5 آلاف ليرة سورية، فالمحكمة في تلك الفترة كانت فزّاعة وأسلوبا للبطش، كالحال الآن في النصوص القانونية التي يستخدمها النظام ليمارس إرهابه ضدّ الشعب، كنصوص “زعزعة أمن الدولة” وغيرها من النصوص القانونية ذات المعاني الفضفاضة.

14