العودة من كازابلانكا

الأحد 2017/09/03

فاجأني عنوانُ روايةٍ للأديب المغربي بالفرنسية فؤاد العروي “العودة إلى كازابلانكا” على واجهة إحدى المكتبات. الرواية صادرة عن دار الساقي سنة 2016 بترجمة للسورية لينا بدر. باغتني العنوانُ “المبتكَر” أولًا لأنني لا أعرف له مقابلا في إصدارات العروي الأدبية، وأيضا لأنّ الغلاف الرّابع للرواية يعلن أنّها حائزةٌ على جائزة غونكور 2012، السنة التي عادت فيها الجائزة إلى جيروم فيراري عن روايته “موعظة عن سقوط روما”.

ويعرف متابعو الغونكور أنّ أوّل عربي فاز بها كان الطاهر بن جلون سنة 1987 عن روايته “ليلة القدر”، ثم أمين معلوف عن روايته “صخرة طانيوس” سنة 1993، فيما كانت المغربية ليلى سليماني ثالث اسم عربي ينتزعها سنة 2016 بروايتها “أغنية هادئة”. أمّا فؤاد العروي فقد كان على موعد مع الغونكور فعلا، لكن في 2013، وفي مجال القصة القصيرة عن مجموعته “القضية العجيبة لبنطال الداسوكين”. هذه هي المعطيات مدقّقة، خارج التلفيق الذي تمَّ اللجوء إليه بغاية التسويق.

فالرواية التي تزعم دار الساقي حصولها على الغونكور سنة 2012 لم تصدر إلّا عام 2014 عن دار جوليار، وحصلت في السنة ذاتها على جائزة “جان جيونو”، كما رُشِّحت للغونكور فعلًا دون أن تفوز بها.

وتحكي الرواية المتاعب التي سيتعرّض لها المهندس آدم سليل عائلة السجلماسي العريقة بعدما قرّر مغادرة الشركة الكبرى التي كان يعمل بها والعودة إلى بلدته الصغيرة “أزمور” حيث كان لعائلته مقام اعتباري رفيع. وقد جاء العنوان الأصلي للرواية “مِحَن السجلماسي الأخير” مكثِّفا لمضمونها، مُنْبِئا عن أسرارها ومغامراتها وعمّا سيُواجهه بطلها الذي عاد إلى بلدته ينشد السكينة فإذا بالأهالي وأعوان السلطة وتجّار الانتخابات يتكالبون عليه ليخرِّبوا طمأنينته ويعرّضوه لمتاعب لم تكن في البال.

طبعًا من حقّ النّاشر التصرّف في العنوان لزوم الترويج للعمل، لكن بعيدًا عن أيّ تزييف. فالدار البيضاء هي المدينة التي يعيش فيها المهندس آدم السجلماسي، وفيها أشعَرَ زوجتَهُ قرارَهُ المفاجئ بالقطع مع أسلوب حياته العصري والعودة إلى “أزمور” بعدما أرهقته الأسفار بين العواصم والمفاوضات المتلاحقة مع وكلاء الشركات عبر العالم. إذن، هي عودة من كازابلانكا، حيث كان يعيش رفقة زوجته وقطّه في شقة فسيحة في ملكية الشركة التي يعمل بها، إلى بيت آل السجلماسي العتيق بأزمور. هي عودة من كازابلانكا، لا إليها كما يفتري العنوان.

في رواية العروي ذِكْرٌ للعديد من الأماكن المغربية، وهذا طبيعي فالرواية مغربيّة أولًا، وعن المغرب ثانيًا، وأحداثها تجري ما بين الدار البيضاء وأزمور. لذلك كان الاستئناس بالمصادر المغربية لتدقيق أسماء الأماكن سيجنّب الترجمة العديد من الأخطاء، حيث تحوّلت بوسكورة، مثلًا، في الترجمة إلى بوسكارا، وأنفا إلى أنفه، وتادلة إلى تدلا، وهلمّ خلطًا. وحتى أسماء بعض الشخوص تعرّضت لتعسف ملحوظ، فالفقيه بنصالح، وليٌّ شهيرٌ تحمل مدينةٌ مغربيةٌ اسمَهُ، تحوّل إلى فكيه بن صلاح، الولي مولاي بوشعيب صار اسمه مولاي بوشايب، الدكتور بنّاني تحوّل إلى بن ناني، نجلاء الودغيري صارت نجلا وادغيري، وهكذا دواليك. مع العلم أن العروي اختار لشخوصه ألقابا متداولة في المغرب، كان أبسطُ بحثٍ عبر غوغل سيُسْعِف بالعثور على أصلها العربي.

في “مِحَن السجلماسي الأخير” رصد الكاتب معاناة عدد من الكلمات الفرنسية التي ورثها المغاربة عن الاستعمار، بعدما عُرِّبت ومُزِّغَت كيفما اتّفق إثر رحيل الفرنسيين. فصرخ متضامنا معها “الكلمات، مسكينة هي الكلمات.. عذابُها مرير”. والحقيقة أنني وجدتُ نفسي مرارًا أكتم صرخة العروي وأنا أرى عددًا من أسماء الأعلام والأماكن المغربية تتعذّب في ترجمة روايته.

كاتب من المغرب

11