العولمة في الغابات الاستوائية بين رفّ الكتب

الأحد 2014/08/03
من ينقذ الكونغو، المنهوب من الخارج، المتعفن من الداخل

"وصية بسمارك" للكنغولي إن كولي جان بوفان رواية متميزة بأسلوبها الذي يمزج الجد بالهزل، وموضوعها الذي لا يزال يشغل مثقفي ذلك البلد، بحثا عن إجابة لسؤال يراودهم: من ينقذ الكونغو، المنهوب من الخارج، المتعفن من الداخل؟ البراءة والأحلام، يجيب الكاتب، والمشاريع والتضامن. ولكن أنّى للمشاريع أن تقوم والبلاد تضج بأسياد حرب طائشين، وكهنة تباع ذممهم وتشترى، ومستشارين يتخاصمون على أعتاب الشركات المتعددة الجنسيات، في جو ينضح بالعنف والجشع والحمق واللامبالاة؟ ذلك لم يمنع الشاب البيغمي إيسوكنغا من تجريب حظه، فمنذ أن اكتشف الإنترنت وسبل الإثراء السريع الذي تقترحه العولمة في شتى أوجهها، صار يفكر في شيء واحد: أن يهجر الأكواخ والعادات والمقابر وجدّه ذا المزاج العكر ليقصد كنشاسا من أجل البيزنس.

حلم الهجرة إلى الشمال


جديد الكاتبة السينغالية فابيان كانور رواية بعنوان “الارتحال”، بطلها بيرام، مراهق من قرية مبور يتطلع إلى الأفق عبر منظار، ويحلم يقظانَ بالهجرة، فيتخيل نفسه في ما وراء البحار، مرتديا سترة من الجلد، وهو يقود سيارة ألمانية أو يرقص الفونك وسط جمع من الفتيات. ويتخيل حياته بعيدا عن قريته وبيت خالته والخان الذي يعمل به يومين في الأسبوع، والنائحات اللاتي يصادفهن كل يوم على الشاطئ يندبن ابنا غامر بنفسه ولم يعد. سينسى حتى مرام بنت المدينة المتعالية التي تقضي عطلها في القرية، وحبه الأول. وسيصمّ أذنيه عن حكايات من يسميهم “قدماء المقاتلين”، أولئك الذين جربوا حظهم في أوروبا ثم عادوا إلى نقطة البدء يجترون على كنبة بالية خيباتهم. لأنه، عندما يقف أمام المحيط الأطلسي، يحس أنه يمتلك العالم.


ظل الاختلاف


ترصد الكاتبة النيجيرية سافي عطّا في روايتها الأخيرة “ظل الاختلاف” تمزق المهاجرين الأفارقة بين عالمين وثقافتين، فبطلتها ديولا تعيش عيشة مرفّهة في لندن، وتسعى ألا يكون في سلوكها ما يدل على الاختلاف بين بني جنسها وسكان البلد الأصليين، بيض البشرة خاصة، الذين قد يحتقرونها أو يذكرونها بأصولها الأفريقية. ولكنها تتغير تماما عندما تعود إلى بلدها في مهمة، وتلتقي بأهلها في لاغوس، فتعيش قصة حب تنسيها ما كانت تتعقبه من سلوكها، فتتخلص من الأغلال التي فرضتها على نفسها، لتتصرف على سجيتها، وتتجاوز حرمانها وتغوص في طريق غير مضمونة العاقبة، ولكنها مختارة. في هذه الرواية تعالج الكاتبة قضايا المنفى، والعائلة، والأنوثة، والغيرية، دون أن تنأى عن صخب الحياة.

رواية تصوّر المشاكل العميقة التي يعانيها الشعب في زمبابوي


الحياة في هراري


تنداي هوشو كاتب شاب من زمبابوي، وروايته التي بين أيدينا “أفضل حلاق في هراري” هي باكورة أعماله، وقد ترجمت حتى الآن في ألمانيا وإنكلترا وفرنسا. احتفى بها النقاد في الغرب أولا لطرافة موضوعها، إذ تسرد تفوق دومي على فيمباي أشهر حلاقة في هراري، بفضل مهارته وذكائه وخفة روحه علاوة على جهود مضنية كان يبذلها ليحوز ثقة زبائنه. ثانيا لأنها تعالج قضايا المثلية وموقف المجتمع من المثليين والعلاقات الجنسية الشاذة، وثالثا وهو الأهم أنها تطلع القارئ على ما يجري وراء الحدود المنيعة التي أقامها روبرت موغابي منذ وصوله إلى الحكم، حيث لا ينفذ من الأخبار إلا ما يسمح به النظام. رواية تصور بدقة ملامح الحياة في زمبابوي، والمشاكل العميقة التي يعانيها الشعب، والمعيش اليومي لمجتمع يحاول ما استطاع أن يتسلى بما يلهيه عن جور الطاغية.


موطننا في مكان ما


“موطننا في مكان ما” هي باكورة الكاتب الغاني الشاب نيي أييكواي باركس الذي يعيش بين لندن وأكرا، وقد وصلت إلى القائمة القصيرة لجائزة الكومنويلث. الراوي صياد عجوز يدعى ياو بوكو، هو ذاكرة القرية، دائم السخرية من كل من حوله، مدمن على شرب نبيذ النخل. يروي بأسلوبه الخاص كيف أن عشيقة الوزير قدمت مرة إلى القرية وراحت تطارد طائرا أزرق العرف حتى كوخ رجل اسمه كوفي عطّا، وما كادت تدخله حتى أطلقت صيحة فزع ورعب، وسرعان ما جاءت شرطة مقاومة الإجرام للتحقيق، وكايو أودامتين الطبيب الشرعي العائد منذ مدة قصيرة من إنكلترا، والذي ينصت باهتمام لحكايات تعيده إلى جذوره، حكايات العجوز ياو بوكو عن تقاليد وأساطير غريبة سوف تساعده على فهم ما حدث.


ثلاثون عاما من العزلة


رواية الكاتب الأنغولي جوزي إدواردو أغوالوسا الجديدة “النظرية العامة للنسيان” تعيد إلى الأذهان، بطريقة فنية بارعة، قصة من الواقع، حدثت لامرأة برتغالية، فاجأها انسحاب القوات البرتغالية عن مستعمراتها الأفريقية بعد ثورة القرنفل عام 1975، وقادها الخوف من أبناء البلد الذين أعلنوا استقلالهم إلى الاعتكاف داخل بيتها لا تغادره، فسدّت منافذه بالحجارة والإسمنت، وعاشت طوال 30 سنة في حالة رعب، لا أنيس لها إلا كلب، تقتات مما تجنيه من حوض خضر داومت زرعه في شرفة بعيدة عن الأنظار. الرواية تصوير لمعاناة تلك المرأة لودوفيكا، وتصوير أيضا لأعمال الشغب والنهب والقتل بعد رحيل المستعمر، وتحولات الثوريين القدامى إلى “أباراتشيكس” يحكمون بأمرهم ويسومون الشعب الخسف والذل ويخضعون المعارضين للتعذيب أو الاغتيال. فهي شهادة عن التحولات العميقة التي شهدتها أنغولا الفتية.

12