العولمة ومفهوم التحضر

الأحد 2016/08/07

في الوقت الحاضر لا أحد غير متحضّر، فالصحف والمجلات ومحطات البث التلفزيوني والراديو والإنترنت، تبث على مدار الساعة الكثير من مفردات الثقافة العالمية المتداخلة، وبالتالي، ووفق هذا المنظور، نحن جميعا متحضرون بطريقة أو بأخرى، على الرغم من أننا لا نقرأ الكتب أو نزور المعارض التشكيلية أو نحضر حفلات موسيقية ولا نطّلع على المعرفة العلمية والتقنية في العالم الذي نعيش فيه.

فما هو المفهوم الدقيق للتحضر في عصرنا الحالي، وكيف يمكن للبعض الحديث عن عالم بدون ثقافة في الوقت الذي وصلت فيه المركبات الفضائية إلى المريخ؟

هناك من يعتقد بأنّه تقدم حقيقي، لكن ليس ناجماً عن متراكمات تحضّر حقيقي أيضاً، وإلا ما معنى الوصول إلى المريخ في الوقت الذي يموت فيه الملايين في أفريقيا من الجوع والمرض وتنتشر الأمية في الكثير من بلدان آسيا، وتسود مفاهيم التعصب الديني والعنصري؟

كيف يفسر علماء الاجتماع والأنثروبولوجيا هذه الإشكالية الشائنة؟

في الحقيقة أدت العولمة إلى تشجيع ما يسمى الاختصاص كتمظهر ثقافي في عصرنا الحالي، على الرغم من أن المسافة بين الثقافة والتخصص كبيرة جداً، كما يعتقد الباحث الأنثربولوجي مارسيل كرو. نعم صحيح لا أحد يستطيع أن يعرف كل شيء عن أيّ شيء في كل مكان، لهذا اقتضى التحضر ترتيب الأولويات في مجالات الثقافة والمعرفة والقيم الجمالية.

لكن المشكلة هي أن المتخصص يحفر عميقا في حقله فقط تحدوه رغبة التفوق، من دون أن ينتبه لما يحدث من حوله، وبالتالي لا يستطيع تحديد الضرر الذي قد يسببه في المجالات الأخرى من الحياة، هو مثقف متحضّر ذو بعد واحد، سينتج لاحقاً متخصصاً كبيراً غير متحضر بالنتيجة، لأن علمه لا اتصال له مع الآخرين، ويعزله تخصصه فيما يشبه زنزانة صغيرة معزولة عن مجالات المعرفة الواسعة الأخرى.

هذا هو مفهوم الثقافة الذي تحاول أن تحدثه العولمة ومجموعة النظم الاجتماعية والاقتصادية التي أتت بها، وعلى الرغم من أن التخصص موجود منذ فجر الحضارات، إلا أنّه كان دوماً مرتبطاً بتقدم المعرفة والتواصل الاجتماعي، الذي يعد القاسم المشترك، أو الغراء الذي يشدّ النسيج الاجتماعي في مختلف مجالات المعرفة، كالعلوم الطبيعية والإنسانية والفنون الجـميلة والتـكنولوجـيا.

وبالعودة إلى قضية التواصل الاجتماعي آنفة الذكر فإن العلاقات الإنسانية بين البشر قد شهدت تدهوراً متسارعاً في العقود الأخيرة بسبب طبيعة ونمط الحياة المعاصرة الجديدة وتمظهراتها البعيدة عن دفء المشاعر والتواصل المباشر بينهم، فالتنافس المستعر، اللاإنساني في بعض الأحيان، على الوظائف وشدّة المنافسة والحاجة الدائمة إلى مصادر الدخل بسبب الغلاء المتصاعد، جعلت الأفراد في لهاث دائم من أجل تلبية تلك المتطلبات الصعبة إلى درجة أفقدتهم خاصيّة التأمل والاسترخاء، وبدأ الوقت المخصص للقراءة والتمتّع يتآكل تدريجياً حسب قانون الأولويات الصارم، الأمر الذي انعكس بدوره على طبيعة الأنماط الثقافية، وتحوّلت أساليب التواصل الاجتماعي الإلكتروني إلى بديل للتواصل الحقيقي بين البشر، مما أضعف العلاقات الإنسانية بشكل عام، لا سيما في أوساط الأجيال الجديدة التي تـربت على مـثل تلك التمظهرات، بينما باتت الأجـيال الأقدم تفتقر إلى خاصية التأمل والاسترخاء النفسي والانفتاح الاجـتماعي وقـراءة الشعر والكتب بشكل عام ومشاهدة الأفلام ذات القصص الدرامـية والوجـدانية.

وفي المحصلة فإن تلك المتغيرات في السلوكيات الناتجة عن أسلوب العولمة هي مظاهر تحضّر بشكلها الخارجي، لكنّها في واقعها ممارسات هجينة لا تتناسب وطبيعة البشر المجبولة على التواصل الإنساني والاجتماعي المباشر، بمعنى آخر هي مظاهر تحضّر خادع لا يؤدي إلّا إلى التغرّب.

كاتب من العراق

14