العيد الوطني العماني الـ44 مناسبة لتقييم المنجز وتثبيت البنيان

الثلاثاء 2014/11/18
حققت سلطنة عمان إنجازات أساسية في مجال تنمية الموارد البشرية خلال عقود نهضتها

مسقط - تحتفلُ سلطنة عُمان، اليوم 18 نوفمبر، بعيدها الوطني الـ44، لتقف على مسيرة من البناء والتحديث سار على دربها العمانيون منذ توليّ السلطان قابوس بن سعيد مقاليد الحكم في هذا البلد الخليجي الفاعل والمؤثّر رغم الهدوء الذي تتسم به سياساته الخارجية والداخلية.

في 18 نوفمبر من كل سنة، يتوقّف العمانيون، بقيادة السلطان قابوس بن سعيد، لمراجعة بنود الميثاق الذي تعاهدوا عليه، يوم 23 يوليو 1970، عندما أعلن السلطان قابوس انطلاق مسيرة النهضة العمانية وبدأ مرحلة جديدة في بناء سلطنة عمان الحديثة، وذلك ضمن توازن دقيق بين المُحافظة على الجيد من الموروث، الذي يعتز به العمانيون، ومقتضيات الحاضر التي تتطلب التلاؤم مع روح العصر والتجاوب مع حضارته وعلومه وتقنياته والاستفادة من مُستجداته في شتى ميادين الحياة ومجالات التنمية.

وعلى مدى سنوات، ارتفعت صروح دولة عصرية راسخة تستمد قدرتها وقوتها من علاقة فريدة وشديدة الخصوصية بين الحاكم والمحكوم، ومن رؤية واضحة ودقيقة تؤمن بأنّ الإنسان العماني هو هدف التنمية وغايتها، وهو في نفس الوقت أداتها وصانعها.

وبالعودة قليلا، إلى الوراء، وإلقاء نظرة عبر مسيرة النهضة العمانية، يتجلّى واضحا مدى التغيير الذي طرأ على السلطنة، من خلال رصد العديد من المنجزات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتنموية والتعليمية والثقافية والصحية وغيرها من المجالات الحيوية، التي تشهد مزيدا من الانطلاق نحو التطوير واستيعاب تطلعات المواطن العماني وطموحاته.


ما الذي يميز السياسة الخارجية؟


منذ أكثر من أربعة عقود شهدت السلطنة، ولاتزال، طفرة نوعية أخرجتها من حالة العزلة وارتقت بها إلى مصاف الدول العصرية والحديثة؛ وذلك بفضل حقيقة آمنت بها الحكومة العمانية ووضعتها وفق رؤيتها الاستراتيجية المستقبلية للتطوير والتحديث وهي؛ توفير مناخ من الأمن والسلام والاستقرار ودعم العلاقات الخارجية.

وفي هذا السياق، يصف خبراء السياسة الخارجية لسلطنة عمان بأنّها تتميّز بـ”الحياد” وعدم التدخّل، فقلما أقحمت سلطنة عمان نفسها في “المشاكل” السياسية التي تعصف بالمنطقة والعالم. وهذا الخيار لا يعني أنها آثرت “العزلة”، كما يقول البعض، بل هو نتاج النهج العقلاني الذي تستقي منه السياسة الخارجية العمانية أصولها ومنابعها في تقييم الأمور بحكمة وموضوعية بعيدا عن الانفعال أو الاستعجال إزاء ما يستجد أو يستفحل من أحداث سياسية سواء كان الحدث محليا أو عربيا أو على المستوى العالمي.

رؤية السلطنة واضحة ودقيقة تؤمن بأنّ الإنسان العماني هو هدف التنمية وغايتها وهو في نفس الوقت أداتها وصانعها

وبهذه الرؤية الواضحة والعميقة أسست السلطنة علاقاتها مع الأشقاء والأصدقاء، كدولة سلام تسعى دوما إلى حل الخلافات بالحوار الإيجابي والطرق السلمية، وإلى بذل كل ما تستطيع من أجل تعزيز السلام والأمن والاستقرار في محيطها، ولأنّها كسبت صداقة الآخرين وثقتهم كقيادة ودولة، فإنّ جهودها الخيّرة ومساعيها كثيرًا ما نجحت في تقريب المواقف وتجاوز الخلافات بين الأشقاء والأصدقاء في المنطقة وخارجها، وهو ما أكسب السلطنة مزيدا من التقدير على كافة المستويات.

ووفق هذا النهج، فقد ظلّت سلطنة عمان خارج الانقسامات السياسية التي طالما دبّت في المنطقة لأنها وضعت تحقيق المصالح العمانية في المقدمة، ممّا مكنها من الحفاظ على سياسة خارجية مرنة للغاية وبناء شبكة معقدة من التحالفات والعلاقات الخليجية والعربية والدولية.


كيف تسطر السياسة الداخلية؟


يشترط نجاح التنمية في دولة ما، أن تكون هذه الدولة “أرضا واحدة وشعبا واحدا، وحكومة مركزيّة”، لذلك، ومن هذا المنطلق حرص السلطان قابوس، أن يكُون أوّل حجر في بناء الدولة العمانية الحديثة هو تغيير الاسم من سلطنة مسقط وعمان إلى سلطنة عمان.

وهذه الخطوة مهّدت لمسار تحقيق السلم الاجتماعي ووضع حدّ لمخاطر الانقسام في صفوف العمانيين عبر جمعهم حول مصدر اهتمام واحد ومشترك، وهو سلطنة عمان وطن كل العمانيين.

إثر ذلك، تحوّل إلى الشرط الثالث وهو الحكومة المركزية، فتم تطوير الجهاز الإداري للدولة، ليستوعب أهداف النهوض بواسطة تنمية شاملة من ناحية وتحويله إلى أداة من أدوات الدمج والتماسك على المستوى المحلي والوطني، وذلك بضمّه إلى مختلف العمانيين.

عمان الحديثة قامت تأكيدا للمبادئ التي أسسها السلف العمانيون، وأعادت إنتاج تلك المبادئ وفق نبض العصر


كيف تطورت مختلف القطاعات؟


وعلى الرغم من أن أربعة عقود تعدّ مدة قصيرة في عمر تطور الدُول، بمعايير التطور الاقتصادي والاجتماعي المعروفة، إلا أنّ ما تم إنجازه على صعيد بناء الدولة العمانية العصرية، هو في الواقع إنجاز كبير وملموس من خلال تطوير مختلف القطاعات على غرار:


◄التربية والتعليم:

حرصت السلطنة على الاهتمام بالتعليم وتوفير مختلف المهارات والمعارف للإسهام في بناء الكوادر البشرية المؤهلة التي تلبي احتياجات مسيرة التنمية في البلاد حاضرا ومستقبلا.


◄القطاع الصحي:

احتلت السلطنة المرتبة الأولى عالميا في الاستعمال الفعال للموارد الصحية. ويعد عام 2014 العام الرابع لتنفيذ الخطة الخمسية الثامنة للتنمية الصحية (2011 ــ 2015). وتأتي خطة “النظرة المستقبلية للنظام الصحي 2050”، وهي خطوة طويلة الأمد، وتتضمن توفير 60 مؤسسة صحية هي حاليًا قيد الإنشاء منها: 15 مستشفى و45 مركزًا صحيًا، لتمثل مرحلة انتقالية للنظام الصحي لكي يواكب التطور الطبي والتقني الحاصل في النظام الصحي على مستوى العالم.


◄ التنمية الاجتماعية:

تعتبر الرعاية الاجتماعية للمواطن العُماني في صلب اهتمامات الحكومة العمانية، ويعكس مشهد التنمية الاجتماعية في السلطنة، الخطوات المتقدمة التي تمّت في هذا السياق، والتي تستهدف تحقيق الرخاء والاستقرار وتحسين نوعية الحياة للمواطن باعتباره الوسيلة والغاية لمجمل عمليات التنمية.


◄ التنمية الاقتصادية:

استهلت السلطنة عام 2014 بإعلان أكبر موازنة في تاريخها، يبلغ حجم الإنفاق فيها حوالي (13.5 مليار ريال عماني)، مركزة على زيادة الإنفاق الإنمائي والاستثماري بما يتناسب مع الأهداف المعتمدة في الخطة الخمسية الثامنة (2011 – 2015). وسعت الموازنة العامة للدولة إلى تحقيق عدد من الأهداف لعل أبرزها: دعم استقرار النمو الاقتصادي من خلال زيادة الإنفاق الحكومي، والاستمرار في تطوير ورفع كفاءة الخدمات العامة المقدمة للمواطنين، واستكمال وتطوير البنية الأساسية، ودعم المؤسسات الصغيرة والمتوسطة وتوفير البيئة الداعمة لنموها، ورفع كفاءة وإنتاجية الجهاز الوظيفي للدولة، ورفع كفاءة استغلال المدّخرات المحلية، والاستمرار في تعزيز المدّخرات والاحتياطيات المالية، والمحافظة على مستوى آمن للدَّين العام.

توفير مناخ من الأمن والاستقرار ودعم العلاقات الخارجية هي الأركان التي صيغت على أساسها الاستراتيجية العمانية


أين تكمن قوة المنوال التنموي العماني؟


تنتهج السلطنة مبدأ الخطط الخمسية التنموية منذ الخطة الخمسية الأولى (1976-1980) بهدف تحقيق التنمية المتوازنة في مختلف المحافظات، ووفق خطط مدروسة وواضحة وقابلة للتنفيذ، وتُعتبر الالتزامات المالية للخطة الخمسية الثامنة (2011 – 2015) الأكبر في تاريخ السلطنة، وقد ارتفعت مع بداية عام 2014 إلى حوالي 59 مليار ريال عماني مقارنة بالاعتمادات الأصلية البالغة 43 مليار ريال عماني بزيادة تقدر نسبتها بـ37 بالمئة، وذلك نتيجة الإضافات المالية التي تمت على معظم بنود الإنفاق خلال السنوات الثلاث الأولى من الخطة.

وتتسم الخطة الخمسية الثامنة بقرب استكمال مشروعات الخدمات الأساسية من موانئ ومطارات وطرق رئيسية، إضافة إلى التوسع في الخدمات في المناطق الصناعية والمناطق الاقتصادية.

اليوم، تقف سلطنة عمان وقفة تأمّل حول ما تمّ إنجازه على مدى أكثر من أربعة عقود، تخلّلتها مصاعب داخلية وأوضاع خارجية مضطربة، لم تكن السلطنة بمعزل عنها؛ ليؤكد العمانيون، ومعهم العالم، أنّه لم يكن من السهل تحقيق التنمية القياسية التي شهدتها البلاد.

لكن وفي تقييم لـ44 عاما من العمل، يمكن الجزم بأن المنظومة المترابطة التي تبنّتها مؤسسة الحكامة في عمان نجحت في تحقيق الأهداف الرئيسية لميثاق النهضة العمانية، وهي على وعد بأن يستمر السير على نفس الدرب نحو تحقيق رؤية “عمان 2040”.

6