العيد لا يكتمل دون "هرما" في المغرب

لا تنتهي أجواء العيد في المغرب بمجرد ذبح الأضحية وإعدادها وطبخ ما لذ وطاب من المأكولات المغربية الشهيرة، فبعد ذلك ينطلق ما يشبه الكرنفال الشعبي من خلال مجموعة من المتنكرين بجلود الخرفان ليطوفوا في الحي في رحلة تنشيطية لشخصية “هرما” الذي يقبل عليه الكبار والصغار.
الأربعاء 2016/09/14
بوجلود سيد البسمة

الرباط- “هَرْمَا”، “بوجلود” و“السبع بو لبطاين”، من أسماء لاحتفال شعبي واحد يقيمه السكان المحليون بعدد من المناطق المغربية بمناسبة عيد الأضحى، أو “العيد الكبير”، كما يسميه المغاربة.

هذا الاحتفال الفلكلوري يقيمه منشطوه في اليوم الثالث لعيد الأضحى ويستمر حتى اليوم السابع منه. ويكون “هَرْمَا” مناسبة فنية للرقص والغناء والفكاهة، بطلها الرئيسي ومحورها الفني شخص متميز يلبس جلود الأكباش وفرواتها، يسمى “هرما”، يخرج لتحقيق الفرجة الشعبية للمغاربة.

يرافق هرما أو “بيلماون إمشعار” باللهجة الأمازيغية، أشخاص يلبسون أيضا جلودا مثله، ويتخفون وراء أقنعة، فتراهم يتجاوبون مع إشارات قائدهم هرما، الذي يضع بدوره قناع كبش على وجهه فيبدو مخيفا للناظرين، وبين الفينة والأخرى يهرع نحو جمهوره يريد ضرب بعضه بكراوع الكبش المشدودة إلى يديه، فيفر الجميع منه صارخين ضاحكين، والويل لمن أصابته الكراوع في ظهره أو أردافه، فيضحك منه الجمهور ويكون محل سخريته.

وبينما هرما على حاله الفكاهي، يُضحك الناس ويرفه عنهم، بل منهم من يترصده لصب الماء البارد عليه لتبليل فروته فيزداد ثقلها عليه، وتكون مجموعته المرافقة له في كرنفاله الشعبي، تغني له أغنيتها الموزونة الرتيبة “أهرما لَيْسْ لَيْسْ أَهَرْمَا بُولَحْلَيْسْ”، بينما هو على ضخامته تلك، يرقص داكا الأرض دكا ليجعل لها صدى قويا والناس حوله في حذر يصفقون ويضحكون، خصوصا عندما يأخذ أحد مرافقيه في تزيين نفسه وترتيب فروة صاحبه..، كل ذلك والجمهور يتضاحكون ويرقصون، والنساء من نوافذ الدور ينظرن، ومنهن من تطلق الزغاريد، خصوصا إذا وجدن أحد أقاربهن ضمن مجموعة تنشيط احتفال “السبع بو لبطاين” التراثي.

وبحثا عن قصة نشوء الظاهرة الفنية التراثية، المسرحية الفكاهية، في منطقة “عبدة”، غرب مدينة الدار البيضاء، أفاد رجل يدعى عبدالغني ولد المعلم الكوشي، عمره الآن يربو على السبعين عاما، “العرب” بأنه كان إلى حدود الثمانينات من القرن الماضي يشارك بفعالية ضمن فرقة “هرما”، واصفا الاحتفال بالتظاهرة الفنية الشعبية، كانت تنظم بتلقائية من طرف سكان “الدوار” حيث يتلاقون خلالها لتبادل تباريك العيد وتهانيه، “إنها مناسبة تنظمها مجموعة فنية صغيرة من السكان، أغلب أفرادها من نفس الأصول العائلية، يصنعون زينتهم وديكورهم بأيديهم، وبمواد ووسائل محلية طبيعية، ثم يخرجون للترفيه عن الناس ومنحهم أجواء الفرجة التلقائية المجانية”.

“لقد كنا نجمع أفراد الفرقة حريصين على أن يكونوا أشخاصا ظرفاء متميزين من نفس الحي”، يقول عبدالغني، وذلك بعد الانتهاء من إنجاز الديكور واللباس وتركيب قرون الكبش لـ“السبع بو لبطاين”. وبعد ترتيب الفرقة يأتي “الكمرة”، الذي بالإضافة إلى تجارته في سوق البهائم، يحسن أيضا عزف “الكصبة”، التي هي آلة نفخ موسيقية تتكون من قصبتين اثنتين، تطلق نغمة رقيقة تمس دواخل شعور سامعها وإحساسه العاطفي، فيأخذ “عزوز” في قرع “الطعريجة”، التي هي آلة إيقاعية، يصاحبهما “خلوق” بالبندير، أما عبدالغني فكان يكتفي بالنقر على قعر “صينية” الشاي الفضية بعد إزالة أرجلها الأربع المعدنية واستعمالها في عملية النقر. ومن تبقى من أعضاء الفرقة، التي قد يتجاوز عددهم العشرة، ينخرطون في عملية “الرَّش”، أي التصفيق، ومنهم من يبدع في ذلك بالنقر على أي شيء قد يجده في طريقه يحدث صدى، حتى الحجر.

ويستمر الرقص والغناء، وكبار القبيلة وأعيانها، يخرجون صواني الشاي واللبن والحليب للمتجمهرين حول “السبع بو لبطاين”، بل منهم من يُعد “كصعات” الكسكس بلحم رؤوس الخرفان، فيمكثون أمام بيت المضيف طويلا يغنون ويرقصون، ومن وراء القناع ترى عيني “هرما” تترصد راعي غنم صاحب الدار المضيفة، التي أنجز أصحابها الكسكس، وعند التحكم بتلابيب الراعي تحلى الفرجة، فبعد إحكام “هرما” قبضته على عنق الراعي، يبدأ في لومه، “لماذا تركت الغنم حتى ذبحوها في العيد، لماذا نمت حتى أخذوها إلى المجزرة”.

وبعد قوله ذاك بطريقة مضحكة، يبدأ هرما في ضرب الراعي على قفاه، وعلى ردفيه بكراوع الخروف المشدودة إلى يديه، والناس من حوله يتضاحكون، والراعي يحاول الهرب من قدره المشؤوم، وهرما يحاصره لا يترك له الفرصة لذلك، إلا إذا رأى واحدا من الجمهور تراخى من الضحك، حينها، وفي غفلة منه، يترك هرما الراعي ويمسك بالمتراخي، والدنيا قهقهة وضجيج، والغبار يتطاير لضخامة “السبع بو لبطاين” وحركاته المضحكة.

24