العيش شعرا في "قيثارة محطمة في ساحل" لصلاح فائق

تحوِّل الشِعر إلى حوار كأيِّ حوار أو إلى لغة كأيِّ لغة أو كأيّة وسيلة حياة للاتصال بالآخر ليس ذلك استسهالا في كتابة الشعر، وإنما يبدو وكأنه إسهال شعري لا يتحمله داخل ذات هذا الشاعر ما يتراكم عليه وفيه. وهذا ما نجد عليه الشاعر العراقي (الفلبيني) صلاح فائق في مجموعته "قيثارة محطّمة في ساحل".
الأربعاء 2015/10/07
صلاح فائق لا يخفي مدى تأثير أسلافهِ الكتاب عليه

في المجموعة الشعرية “قيثارة محطّمة في ساحل”، للشاعر صلاح فائق يتلاقح في القصائد اليومي مع السياقي، التخيّلي مع المعيش، القرائي مع التجربة الذاتية، وهكذا دواليك في التناقضات المتلاقية.

سآخذ بعين الاعتبار نصيحته: “الخبرة الإنسانية في كلِّ قصيدة،/ لك حصتك فيها إذا أردت/ عندما تزيح قبعة الماضي/ فترى المشهد كاملا، لا أن تحاول فهم ما تقرأ”.

لن أحفر في كلماتهِ لأفهمها بل سأعايشها بقدر الإمكان، بتفاصيلها، في ما هو يشير، وبقدر ما سأكون آخر يسخِّر تجربة الشاعر، كتجربة حياتية غير معيشة بالنسبة إلي.

فالشاعر المنحدر من كركوك والموجود في جزيرة من جزر الفلبين الآن، لا يتذكر من مكان بيئته الأولى سوى أفق ملبّد بالنيران، كما أنا الآن لا أرى سوى نيران تحرِّق بلادي سوريا:

“أنا من كركوك/ ولدت وعشت فيها/ لأكثر من عشرين سنة ولا أدري أين هي الآن/ قيل لي إنها هربت أو خطفت إلى مجرة أخرى، غير معروفة بعد، لكن،/ حين كنت فيها شاهدت في ليالي الصيف /ومن سطح بيتي نيرانا في الأفق”.

وفي قصيدته “أيّ بلد هذا؟” والتي يبدأها بعبارة لشريف الربيعي ابن بلده “أين هو العراق، تكنولوجيا الفاجعة؟” أجده يتخاطر مع ما أعيشه في بلدي وهو يخوض حرب الآخرين متحولا بأيادي أبنائهِ الفاسدين بطرفه الأقوى إلى آثار للموت كمّا هو العراق المتحوّل بدوره بأيادي أبنائه المجرمين والجبناء إلى بلاد بلا حالمين.

ولا يقف صلاح فائق في عصر الحروب والانتفاضات الجارية موقف المتفرج بل موقف اللامبالي بإعلامها وزيفها وغاياتها، غير مبال بما يلحق من تبعاتها من دمار للإنسان وللبلاد بعد أن صار ألعوبة المتحكمين والمستفيدين من دمار جزء كبير من هذا الشرق الذي أثبت أنّه غير مهيأ للعيش ذاتيا.

وتبقى حياة هذا الشاعر بعد كلّ هذا العمر كما يقول “شاعر كهل يعتمد على مرفقيه/ يتخيّل، يصحح، يبتسم ويتطلع إلى المرآة./ فلا يرى نفسه فيها/ هذا معظم حياتهِ اليومية”. لكن في كلّ هذه الحياة اللاجئة يبقى الخوف من اللجوء كأقرانهِ العراقيين الكثر والسوريين الكثر “يخوفني طردي، أنا أيضا/ من هذه الجزيرة، مثلما يشعر أصدقاء لي في بلدان بعيدة”.

ولا يخفي صلاح فائق مدى تأثير أسلافهِ الكتاب عليه وتأثير قراءاتهِ عليه، محوِّلا تفاصيل الكتاب المقروء والمختزن في لاوعيه إلى ما يتمناه أو يريده أو يحلم بهِ “كلّ ما أحتاجه هو حوت/ لأقوم برحلة،…/ معي أوراقي ورواية موبي ديك/ منذ ذلك الوقت لم يعد لي أيّ مكان آخر لأذهب إليه”.

ومن خلال هذه القصائد يحنّ إلى جزء أساسي من سيرتهِ وهي البدايات، كأيّ منّا، يحنّ إلى جماعةِ كركوك وإلى من عايشه فيها من جيله، حين بقي هو في الحياة وغادر غيره، كسركون بولص، فيتحوّل فقدانه عند صلاح إلى حضور أبديّ في كلماتهِ: “زارني سركون ليلة أمس/ تتكرر زياراته منذ رحيله، أمر يفرِّحني/ كان حزينا -/ألا أستحق قصيدة منك؟ سأل؟/ تستحق عزيزي التوأم. هذه هي: /لست بعيدا، كأنك ظلّي”.

وتبقى الكتابة هي مصدر فرحهِ الوحيد في منفاه عن الوطن وحتى عن الغربةِ في حدِّ ذاتها، باختيارهِ جزيرة في الشرق الأدنى، ليبث من خلالها ما يفيض في داخلهِ وما يترسب وما يطفو من معايشة وألم وحنين وحتى من غضب، بهذه الكتابة وفيها أو ببلاغة يعرِّفها هو “لا أكتب كما أتكلم/ أتكلم كما لا أكتب؟”.

يفضح الحاضر الموروث من قبل أجدادهِ ويزكي حاضر الآخر، في مقارنة تنزف من جهتهِ، بؤسا وشقاء، ومن جهةِ الآخر تواصلا وأعاجيب: كلّ لحظة من لحظات صلاح فائق لحظة معيشة عنده قصيدة، حيث يحوِّلها إلى شعر، حتى إذا ما تسوّق أو تأمل كلبه أو كان جالسا على كرسي.
ويبقى أن نعيش معه تلك اللحظة لنقدِّرها كتابة خالدة كفيلم تسجيلي يمكن مراجعته ومن ثم العيش فيه حياة جديدة، وفي عمر جديد، وفي لحظة أخرى بعيدة.
15