العيش في الفن

الاثنين 2015/09/28

تستحق الحياة أن تُعاش، على الأقل من أجل الفن. هي فكرة قد تبدو مقلوبة، إذ الفن فيها هو ما يبرر الاستمرار في الحياة وليس العكس؛ نحن نحيا من أجل أن يكون الفن ممكنا، ننتجه، نشعر بلذته، نستغرق في سحره، نحلق بأجنحته، تلهمنا خيالاته فرصا مختلفة للعيش بنضارة، تفتح لنا صوره أبوابا على جنات متخيلة.

ليس الفن حياة مجاورة فحسب، بل هو أيضا الحياة التي نعيشها خالية من شوائبها العابرة، الحياة التي يقترحها الفن لا ينقصها شيء. ومع ذلك فالنقصان والزيادة لا يمُتّان بصلة إلى العالم الذي يتشكل فيه الفن، فهما من المقاييس الأرضية والفن ليس نتاجا أرضيا محضا.

هناك شيء من الفن يظل عالقا في منطقة تقع بين الأرض والسماء، فكل ما يقال عن الإلهام الطبيعي والاجتماعي للفن لا يمكن أن يشكل إنكارا لعلاقته بعالم الغيب.

إن الموسيقى مثلا كلها رياضيات ولكن الرياضيات وحدها لا يمكن أن تنتج موسيقى، وجمال الرسم مستلهم من جمال الطبيعة، ولكن الرسم شيء والطبيعة شيء آخر، والشعر لغة، ولكنها اللغة التي لا تصدر عن التفاهمات الجمعية.

وهكذا يقع الفن في المكان الذي يخلو من الحياة، حياته مؤثثة بكل ما تحتاجه كائنات قدّر لها أن تضع حياتها في خدمته، ولأن الفنان الحقيقي لا يمكنه أن يعيش حياتين مرة واحدة -حياته الشخصية وحياته داخل الفن- فإنه يفضل أن يقيم في الفن باعتباره حياة مستقلة؛ حياة يتقاسم شقاءها ولذائذها مع كائنات من نوعه، تقيم في مكان خفيّ، لن يصل إليه أحد سواه.

لقد كان للهولندي كارل آبل كائناته التي التقطها من الحقول المجاورة لبيته كي يرحل بها إلى السماء، فصيحة ديك آبل يمكنها أن تصل إلينا أينما كنا مبللة بندى فجر لم ير شمسه سوى آبل وحده. يهبنا الفنانون أياما ما كان في إمكاننا أن نتمتع بشموسها في حياتنا العادية.

كاتب من العراق

16