العيش في متحف

ابتكر العموري معنى جديدا للخلود، هو ذلك المعنى الذي يُشعرك بأنك حي من خلال الجمال الذي يرافقك ويعتني بك. فأنت تغمض عينيك على لوحة، لتحلم بتفاصيلها.
الاثنين 2019/07/08
لوحات بالمئات هي ثروته الروحية

لم أره ولم أتعرف عليه. لم أشغل نفسي في البحث عن صفاته الجسدية. طويل أم قصير. نحيل أم بدين. أسمر البشرة أم أبيضها. لم أتخيل طريقته في الكلام. هل كان يعد جمله أم أنه كان يرتجلها؟

لم أسأل أحدا عن أصدقائه. هل يملك رجل يجره الخيال إلى مناطق بعيدة أصدقاء؟ كيف أمكنه أن يدير إمبراطورية للترف والسعادة والرخاء من غير أن يكون إمبراطورا؟

التونسي محمد العموري فعل أشياء كثيرة من غير أن يدعو الآخرين إلى تأملها بل كان همه أن ينغمسوا في تفاصيلها مؤقتا. فالسياحة التي هي مهنته لا تتطلب التفكير بما هو دائم.

ذلك ما أجاده وتفوق فيه على الآخرين من خلال سلسلة فنادق “صدر بعل” بتونس، غير أن ذلك النجاح لم يكن يعبر عن حلمه الحقيقي. فالرجل وهو عاشق متيم بالرسوم كان يحلم بإقامة متحف.

منذ عقود وهو يقتني الأعمال الفنية من فنانين أساسيين في المشهد الحداثوي التونسي: علي بن سالم، نجيب بلخوجة، رضا بالطيب وعبدالرزاق الساحلي وآخرين.

لوحات بالمئات هي ثروته الروحية، ولكن عدد اللوحات لا يعني شيئا مقابل الفضاء الروحي الذي يمكن أن تخترعه تلك اللوحات. سيكون عليه أن يفكر بطريقة مختلفة لإقامة متحفه الخاص.

في فنادقه هناك حيز لا نهائي للعرض، وهو ما دفعه إلى إقامة معارض شخصية لفنانين أحبهم في أروقة تلك الفنادق، غير أن تلك المعارض ستكون جزءا من متحفه الخيالي.

لم يكن العراقي حسن عبد علوان يحلم بأن يُقام له معرض دائم مثل ذلك الذي يُقام له في صدر بعل، لقد صار خالدا.

ابتكر العموري معنى جديدا للخلود، هو ذلك المعنى الذي يُشعرك بأنك حي من خلال الجمال الذي يرافقك ويعتني بك. فأنت تغمض عينيك على لوحة، لتحلم بتفاصيلها. سيكون عليك صباحا أن تعلن عن صداقتك لرسامها.

“ما الذي يفعله الفن بنا؟”، ذلك سؤال يفرح العموري الذي لم أره.

16