العيش مع نسخة إلكترونية تتعلم منها وتتعلم منك

شركات ناشئة تبني نسخا رقمية للأشخاص الباحثين عن خلود رقمي باستخدام الذكاء الاصطناعي.
الأحد 2019/12/29
انقلابات شاملة في قواعد الحياة الاجتماعية والتفاعل مع "الآخرين"

تتزايد يوما بعد يوم ملامح انقلاب هائل في حياة البشر مع تزايد إنشاء النسخ الرقمية للأشخاص باستخدام الذكاء الاصطناعي والتي سنتمكن مع العيش معها وقد تتطابق معنا وتتمكن من التفاعل مع الآخرين نيابة عن الشخص الأصلي.

وبدأ الأمر يصل إلى القيام ببعض الأعمال مثلما هو الحال مع ديباك شوبرا، المؤلف الناجح ومعلم تنمية القدرات الشخصية، الذي قامت شركة “ذي أي.آي فاونديشن” بإنشاء نسخة رقمية له.

وسوف يتم طرحها قريبا كتطبيق مجاني يسمح للمستخدمين بالتفاعل مع “ديجيتال ديباك” الذي يستفيد من كتبه ويتمتع بذكاء اصطناعي يمكنه من بناء علاقة شخصية مع من يتحدث معه ويجيب على الأسئلة من الخزين الرقمي لمعرفته الواسعة.

ويبدو من المرجح أننا سنشهد قريبا تسابق المشاهير لإنشاء مثل تلك النسخة، وقد يتسع طرح تلك الخدمة بمرور الوقت لتصبح متاحة للجميع.

يقول سكوت ستين في مقال في موقع “سي.نت” إنه تحدث أولا من ديباك الرقمي عبر الهاتف الذكي مثلما يحدث في تطبيق “فيس تايم” وكان يبدو أنه يتفاعل كشخص حقيقي مع أن الصورة ليست بالدقة الطبيعية، لكنها سوف تتطور في المستقبل وقد يصعب التفريق بين النسخة الإلكترونية والشخص الحقيقي.

ويضيف أنه تبادل الأسئلة والأجوبة مثل شخص حقيقي. وحين تحدث مع ديباك الحقيقي لم يشعر بفارق كبير من حيث مضمون وسير الحوار.

آفاق خيال علمي

يمكننا أن نتخيل في المستقبل نسخا رقمية للشخصيات التاريخية، التي تنطلق من كل المعلومات المتوفرة عنها لتواصل النمو والبناء عليه لتصل إلى ما لم تصله تلك الشخصية في حياتها وقد تواصل إبداعاتها التي توقفت برحيلها منذ زمن بعيد.

يوجينيا كيودا ابتكرت تطبيق ريبليكا أي.آي لبناء نسخ رقمية للموتى لتخفيف آلام الفراق على الأحياء
يوجينيا كيودا ابتكرت تطبيق ريبليكا أي.آي لبناء نسخ رقمية للموتى لتخفيف آلام الفراق على الأحياء

ومع القفزات المتوقعة في التواصل الافتراضي فقد نجد في المستقبل صعوبة في التفريق بين تفاعلنا مع أصدقائنا وعوائلنا وبين التفاعل مع نسخهم الإلكترونية.

وقد تتفاعل نسخنا الإلكترونية في ما بينها وتعرف عن الأشخاص المحيطين بنا أكثر مما نعرفه نحن عنهم.

بناء أرشيف افتراضي

تعرض شركة “ذي أي.آي فاونديشن” وشركات ناشئة متزايدة تقدم خدمة إنشاء أرشيفات افتراضية باستخدام الذكاء الاصطناعي، لأي شخص يبحث عن خلود إلكتروني. وإذا كانت تكلفة ذلك مرتفعة الآن فإنها ستنخفض حتما وتنتشر على نطاق واسع.

يقول ديباك البالغ من العمر 73 عاما، إنه في منتهى الصحة، ولكن بعد رحيله الحتمي، يمكن لديباك الرقمي أن يواصل مسيرته ويضيف إليها خبراته لأنه يتعلم من كل تفاعل مع الآخرين.

ويطلق ديباك على نسخته الرقمية “ديباك الطفل الرقمي” ويرى فيها جزءا منه يواصل النمو. ويقول إنه “يمكن أن يصبح مراهقا قريبا وشخصا بالغا، وفي نهاية المطاف شخصا حكيما، ويمكن أن يفعل ذلك سريعا جدا لأنه لا يواجه القيود الزمنية لدى البشر. ويمكن أن يتعلم في وقت واحد من كل التفاعلات”.

ويضيف “سوف أتعلم من نسختي الرقمية وسوف تتعلم مني… نحن توأم الآن”.

وسبق لديباك استكشاف حدود الذكاء الاصطناعي، وطرح تطبيقات كثيرة للتفاعل، لكنه يقول إن ديباك الرقمي يمثل تجربة أبعد كثيرا من كل ما سبق وهي تضيف البعد المرئي لصورته المجسمة التي ستتحدث وكأنها شخص حقيقي وتتفاعل مع المستخدمين بمستويات عميقة جدا. ويشير إلى أن شخصية ديباك الرقمية تطور نفسها بناء على التفاصيل التي نقدمها، والتي قد تكون كثيرة “يمكنك مشاركة أي شيء تريده معها على انفراد، وبمنتهى الخصوصية مثل بياناتك الطبية. ويمكنها استشارة الخبراء لتقديم النصيحة لك”.

كما أن النسخة الإلكترونية يمكنها تقديم معلومات للشخص عن جسده وحالته الصحية، أبعد كثيرا عما يعرفه.

هدف شركة أي.آي فاونديشن المباشر الذي يمكن أن يحقق لها عوائد، هو تسجيل المحفوظات التفاعلية للسماح بتذكر الناس إلى الأبد. في الوقت الحالي ستكون تطبيقات مثل ديجيتال ديباك مجانية لأنها تهدف إلى تدريب الذكاء الاصطناعي على التحسن.

ويوضح المؤسس المشارك في الشركة روب ميدوز أن “اهتمامنا الأكبر الآن هو رؤية كيف تعمل هذه التكنولوجيا في العالم ورؤية كيف يمكن أن تحدث تأثيرا. نحن ممولون جيدا، وليس في أولوياتنا الآن تحقيق الأرباح، نريد أن نفعل الأشياء بالطريقة الصحيحة أولا”.

هناك تساؤلات ومخاوف كثيرة من انحراف استخدامات الذكاء الاصطناعي والتسبب في كوارث كبيرة. أحد المخاوف الآن هو صناعة تسجيلات مزيفة وتستخدم الذكاء الاصطناعي لتقليد أشخاص لم يقوموا بذلك التسجيل أو يوافقوا عليه لخداع آخرين.

ورغم أن معظم الشركات تؤكد أن لديها ضمانات حول كيفية التحقق من هويات الذكاء الاصطناعي، لكن يبدو أنها مسألة وقت فقط قبل أن تصبح الخطوط ضبابية للغاية، حين تصبح التسجيلات مطابقة للحقيقة.

وهناك سوق آخر يلجأ إليه من فقدوا أحباءهم لجمع كل تركتهم الرقمية وتشكيل نسخة إلكترونية عن الأحياء ومشاعر الفقد. وتعتمد دقة تلك النسخ على حجم ما خلفوه من صور وتسجيلات فيديو وتدوينات.

وإذا كانت النسخ الرقمية للأحياء لن تنتشر خلال وقت قريب، وقد لا تغنينا عن التواصل مع الأشخاص الحقيقيين فإن النسخ الإلكترونية للأموات بدأت تجد طريقها إلى الانتشار، لأنها أكثر ما يمكن الحصول عليه منهم بالنسبة لأحبائهم.

نسخ رقمية للموتى

ديباك شوبرا: سوف أتعلم من نسختي الرقمية وسوف تتعلم مني… نحن توأم الآن
ديباك شوبرا: سوف أتعلم من نسختي الرقمية وسوف تتعلم مني… نحن توأم الآن

تتسابق الكثير من المختبرات التكنولوجية لتطوير استخدام الذكاء الاصطناعي لخلق نسخ رقمية للموتى لتخفيف ألم الفراق على أحبائهم، لكن مدى قرب تلك النسخ من شخصية الموتى يعتمد على حجم الإرث الرقمي الذي تركوه من مدونات وآراء وصور وتسجيلات فيديو.

وذكر موقع “فيز.أورغ” المتخصص في الأبحاث العلمية والتكنولوجيا أن الباحثين شريا ديفاديغا وبهاكتي شيتي في معهد “شري ديفي” للتكنولوجيا في الهند، اعتمدا في دراستهما على التطبيق الإلكتروني “ريبليكا أي.أل” للنسخ عبر تقنيات الذكاء الاصطناعي من أجل تخليق شخصيات رقمية من أشخاص فارقوا الحياة.

وقال ديفاديغا “لقد حصلنا على الفكرة الأساسية من تطبيق ريبليكا أي.آي، الذي ابتكرته العالمة الروسية يوجينيا كيودا، والذي يهدف إلى خلق شخصيات عبر تقنيات الذكاء الاصطناعي يمكن أن تساعد الأشخاص على التعبير عن أنفسهم من خلال محادثات مفيدة”.

وأضاف أن الإنسان في العصر الحالي حين يفارق الحياة فإنه “يترك وراءه كمّا ضخما من الرسائل النصية والتدوينات وغيرها من التعبيرات والصور وتسجيلات الفيديو على وسائل التواصل الاجتماعي”.

وأشار إلى أن “أصدقاء المتوفي وأفراد عائلته قد ينسون ذلك الإرث الرقمي الذي تركه، ولكنهم يشعرون لاحقا بالمعاناة بسبب افتقاده، ولذلك فإن هدفنا الأساسي هو بحث السبل من أجل تخفيف آلام الخسارة والفقدان”.

وتأخذ نسخة الذكاء الاصطناعي التي يهدف الباحثان إلى ابتكارها شكل شخصية مجسمة تبدو أنها تتحدث مثل الشخص المتوفي. وتستطيع هذه المنظومة جمع وتحميل البيانات الرقمية للمتوفي عبر تقنيات الحوسبة السحابية.

روب ميدوز: نحن فقط على القمة الطافية من جبل الجليد الإنساني وعلينا التعامل مع أي مصدر جديد للحقيقة
روب ميدوز: نحن فقط على القمة الطافية من جبل الجليد الإنساني وعلينا التعامل مع أي مصدر جديد للحقيقة

ويقول ديفاديغا إن “التكنولوجيا تسمح لنا اليوم بالتواصل مع برامج الذكاء الاصطناعي التي تقلد شخصية المتوفي”.

وأضاف “سوف يتم إرسال رابط دعوة للزبائن الراغبين بإدامة التواصل مع أحبائهم الموتى، وعند فتح الرابط، سيكون بمقدور المستخدم التواصل مع النسخة الرقمية البديلة للمتوفي”.

وأوضح أن تلك النسخ الرقمية سوف تكتسب أسلوبها في التحاور والحديث من خلال جمع الإرث الرقمي وبضمنه الاتصالات الإلكترونية السابقة التي قام بها الشخص قبل وفاته.

ويعني ذلك أن الخدمة سوف تخلق إنسانا افتراضيا يمكن التحاور معه على خدمات التواصل الاجتماعي مثل واتساب وغيرها، ويكمن أيضا تصنيع روبوت يمثلهم بعد ذلك. وسوف تواصل التطور من خلال التفاعل مع الآخرين لتطرأ عليها تغيرات من خلال ذلك مثلما يحصل مع الأشخاص الأحياء الذين يتغيرون نسبيا بمرور الوقت والتجارب.

قد لا تتمكن التجارب الأولية حاليا من استعادة الكثير من شخصية الأموات، لكنها ستمنح شيئا من استمرار وجودهم من خلال نسخة مقاربة لشخصياتهم لتخفيف فراقهم على أحبائهم الأحياء.

ويمكن لنسخة الذكاء الاصطناعي التي يعمل عليها ديفاديغا وشيتي أن تأخذ شكل روبوت مجسم ويمكن أن يكون مشابها لهيئة الشخص المتوفي.

ويقول ديفاديغا إن هذه التكنولوجيا تهدف لتخفيف الخوف من الموت وآلام الفقدان على الأحياء عن طريق إدامة التواصل مع أحبائهم الموتى.

ولا تزال مثل هذه البحوث في مراحل أولية لكنها يمكن أن تصبح في المستقبل حقيقة ملموسة.

حجم الإرث الرقمي

يعتمد مدى قرب النسخة الرقمية من شخصية المتوفي على حجم الإرث الرقمي الذي تركة من التدوينات والأفكار والصور وتسجيلات الفيديو، حيث سيكون من الصعب خلق شخصية رقمية لأشخاص لم يتركوا إرثا مسجلا كبيرا.

ولا تعد جهود معهد شري ديفي للتكنولوجيا الوحيدة في العالم. فقد نشرت صحيفة داغن السويدية في العام الماضي تقريرا عن بحوث مشابهة تجريها شركة فينيكس لخدمات دفن الموتى، والتي يشير اسمها إلى طائر الفينيق الأسطوري الذي ينهض من الرماد.

وذكرت الصحيفة أن الشركة تبحث عن متطوعين يسمحون لها بخلق شخصيات رقمية لأحبائهم الذين فارقوا الحياة. وأضافت أن المرحلة الأولى ستكون برنامج ذكاء اصطناعي مطابق لشخصية الموتى ويتحدث بصوتهم مثل المساعد الرقمي سيري واليكسا ويتفاعل معهم.

وتراود كثير من العلماء فكرة أبعد من ذلك بكثير وهي الوصول ذات يوم إلى تحميل كامل وعي الإنسان على جهاز روبوت والذي يعني اجتياز حاجز الموت رقميا.

17