العين تأكل أيضا

لكل منا ذائقته الخاصة، ولكن هناك بديهيات مهما اختلفت الأذواق، الديكور الجيد، الطعم الشهي، الرائحة الطيبة، الذكية، لا تغني عن مطلب خاص بداخل كل شخص.
الاثنين 2019/11/18
تقديم الطعام بشكل مميز

فن تقديم الطعام مهارة تفتقدها كثيرات وأيضا كثيرون ممن تسند إليهم مهمة إعداد طاولة الطعام، فهذا العمل ليس نمطيا كما يظن البعض، بل هو ثقافة مفقودة ولغة لا يتحدثها الكثيرون.

شخصيا، أرى أن العين أيضا تأكل، لا، بل هي تسبق اللسان المتذوق، والمعدة الهاضمة، تستمتع بلذة الطعام، وليس النظر أقل أهمية من مضغ الطعام وتمريره للمعدة.

قد يكون طبق الطعام أُعد إعدادا جيدا ويمتاز بالطعم اللذيذ، مقاديره سليمة، بهاراته مضبوطة، كما يقول الكتاب، قد يشبه تذكرة داود الأنطاكي، وتفوق براعة تحضيره أكبر الشيفات في كبريات المطاعم، ولكنه لم ينل التقديم اللائق به فيهمل حتى النظر إليه.

لا يعره أحدا اهتماما. ديكورات طبق الطعام لا تقل بنظري أهمية عن طريقة إعداده، فلو جعلنا من الديكور وفن جذب العين وإبهار الناظرين أهمية كبرى، لانعدمت شكوى العديد من النساء من إهمال أبنائهن وأزواجهن للأكل في المنزل واعتمادهم على الوجبات الجاهزة والسريعة.

لعل قضية الإبهار هذه هي ما دعا المطاعم العالمية لتسويق الصورة على نفس القدر من الأهمية مع تسويق الطعم، ترسخ في أذهان صغارنا صورة الساندوتش المنتفخ بشرائح اللحم وبعض قطع الخضروات والمايونيز والكاتشب، مصحوبا بكوب كبير من المياه الغازية.

 ورغم أن الحقيقة تتناقض مع هذه الصورة تماما، إلا أن الطفل يستدعي تلك الصور الذهنية المخزنة لديه فيشعر بالمتعة البصرية إلى جانب إشباع ذائقته في الطعام.

بعض الأطعمة الجيدة يقتلها التقديم السيئ، وبعض الأطعمة متوسطة القبول قد ينقذها شكل الطبق فتبدو باهرة.

إذا، هل يغني شكل الطبق عن سوء الطعم؟ بالطبع لا، لم أقصد هذا، وإنما أود تأكيد أهمية تزيين الطبق. إبني لا يأكل إلا إذا قشرت الطماطم على شكل وردة، وقطعت الخيار ليبدو كأغصان الأشجار وأضعه على حافة طبق الطعام أو الصينية الكبيرة، وفي بعض الأحيان أقوم بتزيينه بالكاتشب، أو رسم وجه يضحك بصلصة الطماطم.

وفي أطباق الحلويات لا يكتفي برائحة البرتقال المنبعثة من قالب الكيك، ولا الفواكه المتناثرة في الكؤوس، ولكن إذا أردت أن يأكل مستمتعا فعلي بالاهتمام بالزينة، أكتب الحرف الأول من اسمه بقطع المكسرات، أو حبات الزبيب الطازج.

أضجر كثيرا من طلبات زوجي وأبنائي واهتمامهم بشكل الطعام، كوني امرأة عاملة، وهذا العمل يمتص الوقت ليس فقط خارج المنزل ولكن بداخله أيضا. أصبحت أزيّن الطعام أمام الضيوف فقط، أما مع أفراد عائلتي فنصيبهم في الغالب يكون الغرف المباشر مع بعض “الوردات” إن سمح الوقت بها، وجادت الظروف، فواجهوني بثورة على الأكل البيتي، واكتظت مائدتي بعلب الطعام الجاهز غير الصحي!!

قلت لابني، “هل تريد طعاما يبهرك شكله حتى وإن كان طعمه ليس على ما يرام؟”.

قال، “بالطبع لا، وهذا ما لا أقصده ولم يذهب حديثي إليه مطلقا، لكن ما وددت قوله هو أن للعين نصيبا مما نقدمه على موائدنا، وليس ضيوفك وضيوف أبي أفضل منا في شيء، ثم إننا تعودنا على هذا منك يا أمي كنت تصنعينه بحب، فماذا حدث؟”.

وهكذا تعلمت من ابني، أن ما كنت أفعله من أجل ضيف عابر، هم أحق به، خجلت من السؤال كما خجلت من ضيق وقتي.

الصحن الشهي لا يكون كذلك إلا بتوافر عدة عوامل، الإعداد الجيد، الطعم اللذيذ، الديكور الجيد، الرائحة الجذابة، ويمكنني أن أضع أسفل هذا البند أيضا العديد من الخطوط، فهو هام للغاية. لي صديق مهما بلغت روعة الطعام فهو لا يتناول كل ما يحتوي على الثوم، رغم عشقه لرائحة طشة الملوخية الخضراء، لكن حساسية الثوم تحرمه لذتها، الناس في ما يعشقون مذاهب.

لكل منا ذائقته الخاصة، ولكن هناك بديهيات مهما اختلفت الأذواق، الديكور الجيد، الطعم الشهي، الرائحة الطيبة، الذكية، لا تغني عن مطلب خاص بداخل كل شخص، حتى وإن اتبع الطاهي ومعدّ الطعام وصفات داود الأنطاكي في تذكرته، وأضاف ما لذ وطاب من البهار والأعشاب.

21