العين تهدأ في لوحة عبد القادري لترى العالم من سجنها

الفنان عبد القادري يخط لوحة العين المُطلة على ذاتها وعلى العالم والمُحصّنة بـ"خرابها" والتقرّحات التي طاولت مسامات الوجه الخاص بها.
الأربعاء 2020/05/20
مرسم الفنان اللبناني.. عين على الخاص والعام

عبد القادري، لمن لا يعرفه، هو فنان تشكيلي لبناني مُرهف يتميز فنّه بالتداخل الدائم ما بين التاريخ، لاسيما العربي منه، والحاضر ليخلق خللا شاعريا عميقا في مفهوم تتالي الأزمنة التاريخية بمعزل عن تأثيراتها وتأثّراتها بحوادث وأحوال حضرت في زمن دون آخر.

بيروت- من أهم أعمال الفنان التشكيلي اللبناني عبد القادري حتى اليوم هي تلك التي قدّمها في صالة مارك هاشم بعنوان “المقامة الموصلية” كتحية للرسام يحيى الواسطي، الفنان الذي جسّد فترة العصر العباسي، أهم الفترات التاريخية تحرّرا في الحضارة العربية. معرض أدان فيه أيضا الدمار الذي تعرّضت له الآثار والمواقع التاريخية في مناطق عربية، وتحديدا مدينة الموصل التي هدّم جزء كبير من إرثها العظيم على يد “داعش”.

آخر مرة التقيت به كان خلال الثورة اللبنانية في إحدى المظاهرات بعد أن تغيّب عنها بسبب تعرضّه للضرب في إحدى مشاركاته في الاحتجاجات الشعبية. ليلة التقيت به في الساحة التي كانت ترتجّ بالمشاركين كان واقفا بهدوء ويداه في جيبي سترته وعلى رأسه قبعة سوداء. عندما التقت عيناي بعينيه ابتسم مُتعرّفا عليّ. سارعت بتهنئته بالسلامة لأرى حزنا لم أره من قبل في عينيه.

اليوم نشر الفنان على صفحته الفيسبوكية مقطع فيديو قصير يظهر فيه مُنهمكا بالرسم تحت عنوان “تفصيل من كتاب.. رسم على ورق”. أول ما يرى المُشاهد هو أشبه بجدار في سجن يخطّ عليه الفنان خربشاته بأسود الرصاص والفحم ليتوسّع المشهد ويظهر أن المكان المرسوم بجدرانه هو سجن مفتوح السقف.

ربما الحجر الصحي في زمن انتشار الفايروس كثّف من توجه الفنان نحو هذا المضمون من التصوير الفني. ولكنه من دون شك لم يأت منفصلا عن سيرة عبد القادري الفنية. فهو قد اشتغل أعماله السابقة بأسلوب حكائي تتواصل وتتداخل فيه المشاهد ضمن نص سردي واحد يخبر قصة ما من خلال رؤية ذاتية/ فنية يُسهب فيها التأويل.

أحالني هذا الفيديو إلى عمل فني آخر عرضه القادري على صفحته الفيسبوكية منذ أكثر من أسبوعين. عمل تنتفي عنه الألوان هو بالغ في تعبيريته ويجسّد عينا بشرية ترى وتُرى على سطح وجه ليس هو إلاّ جدار السجن إياه، وعليه بضع شحطات تُذكّر بتلك التي يحفرها السجناء على جدران سجنهم، وفي حالة الفنان، على جدار عزلته في وسط انتشار الوباء القاتل.

إن تمعّن الناظر في اللوحة أكثر سيعثر على بعض إشارات صينية محفورة في الجدار الذي في أقل من لحظة تمعن سيتحوّل إلى القناع “الصحي” للبشرية الذي يحمي ويفضح في آن واحد. اللافت جدا في هذه العين التي خط شكلها الفنان أنها لا توحي البتة بأنها لسجين. بل هي عين ذات نظرة نبيلة ومتأملة في عالم عظيم مارس طويلا فن حفر في مسامات الوجه الوحيد الذي تملكه العين، تصنيفات مُخطئة وتسميات نمطية ودونية.

عمل تنتفي عنه الألوان، هو بالغ في تعبيريته ويجسّد عينا بشرية ترى وتُرى على سطح وجه ليس هو إلاّ جدار السجن
عمل تنتفي عنه الألوان، هو بالغ في تعبيريته ويجسّد عينا بشرية ترى وتُرى على سطح وجه ليس هو إلاّ جدار السجن

اليوم أسقطت “كمامة الحجر الصحي” القناع عن ديمقراطيات الدول العظمى لتُبقي ملامح النبل الإنساني لعالم ثالث يرزح تحت خط الفقر أو هو عرضة لموجات من الجشع المتواصل ومنها بالتأكيد، لبنان، وطن الفنان.

ومن اللافت أيضا أن العين التي رسمها الفنان لا تتلصّص من الجدار بل هي جزء منه. مُحصّنة بكل ما تراكم عليها من دعابات أرادت التحقير بهذه البلاد وبتخلفها عن أن تكون واحدة من الدول العظمى التي تتغنّى بتطورها.

من النافل قوله، وليس بالتأكيد من باب الشماتة، بأن أكثر الدول المتضرّرة من تفشي الفايروس “المعاصر” الذي لا بد أن يكون مُنتجا مختبريا لإحدى الدول العظيمة والعظمى، هي الدول المتطورة تكنولوجيا واقتصاديا. دول بنت مجد ووفرة صناعاتها الكبرى على حساب اليد العاملة الفقيرة وعلى مردود ثروات تلك البلاد المنهوبة التي لم يحسن أسيادها الدفاع عنها.

اليوم يرفض الأميركيون الساكنون في لبنان، هذا البلد المتعرّج النمو والذي يفتقر للمعدّات الطبية والرازح تحت ديون هائلة، العودة إلى بلادهم لأنهم “في أمان هنا” وفق ما قالوه للصحافة الأجنبية والمحلية.

اليوم تقاوم تلك البلدان “المتأخرّة”، والتي وصفها يوما ما الرئيس بوش بالدول “المارقة” ومنها لبنان، بما ملكت من معدات متواضعة ومعونات وخبرات إنسانية وطبية فذّة، كما تُقاوم بالصلوات وبوجبات الغذاء الصحية والطريفة كوجبة “الشلولو” المصرية الغنية بالثوم والبصل، تُقاوم الوباء.

وتُقاوم بالدعابات وبالخزعبلات وبالخرافات وتقُاوم أيضا بالفن وبالتواصل العاطفي على صفحات التواصل الاجتماعية، وتُقاوم بالتعاضد الاجتماعي المبني على مبادرات شخصية خارج منطق الأحزاب اللبنانية، التي لم تنس أن تطبع شعاراتها على الكمامات وعلى حناجر المعقمات قبل أن تُغدق بها على الشعب المُحتاج الذي أعلن ثورته عليها قبل تفشّي الوباء ومستمرّ فيها إلى ما بعد المرحلة الصعبة التي يمرّ بها.

ماذا تقول عين الفنان في لوحته؟ ماذا تقول المُطلة على ذاتها وعلى العالم والمُحصّنة بـ”خرابها” والتقرّحات التي طاولت مسامات الوجه الخاص بها؟ تقول كما قال محياه عندما التقيته بهدوئه في إحدى المظاهرات، وكما قال يوما ما في الحديث عن أعماله “كل ما يسعني فعله، هو مراقبة هذا العالم بصمت وبأقل ضرر نفسي مُمكن، وإدانة ما يسعني من أفكار وأفعال تدميريّة بكثير من التحفظ. أريد أن أنتج فنا أتعايش من خلاله بسلام مع نفسي”.

15