العين على قصر قرطاج تخرج الشاهد من قصر القصبة

ما يؤرق التونسيين اليوم لا يخرج أيضا عن دوائر التساؤل عن فحوى وثيقة قرطاج 2، أو عن هوية الشخصية السياسية التي ستكون قادرة على تنفيذها أو على مجاراة خيارات الائتلاف الحاكم الترقيعية والمتذبذبة منذ 2014.
الجمعة 2018/05/18
مغادرة الشاهد للقصبة باتت محسومة

ما يحصل من تطوّرات تُنذر برحيل رئيس الحكومة التونسية يوسف الشاهد وكافة أعضاء فريقه الحكومي، لا يختلف في شيء تقريبا عن سيناريو إقالة سلفه الحبيب الصيد في عام 2016 عبر تنكر كل الأحزاب والمنظمات له، وفي مقدمتها حزبه نداء تونس ليبقى وحيدا محاصرا بشبح العزلة.

مع تقدّم المفاوضات بين المنظمات الوطنية والأحزاب ورئيس الجمهورية الباجي قائد السبسي بشأن مستقبل الحكومة الحالية عقب التوافق شبه الكلي على كافة بنود الوثيقة الجديدة أو ما يسمى باتفاق قرطاج 2، يبدو أن مسألة سحب البساط من الشاهد وحكومته برمّتها باتت مسألة محسومة لا يفصلها عن مغادرة القصبة (قصر الحكومة) سوى سويعات قليلة.

ورغم إبقاء الرئيس التونسي وكافة الأطراف الشريكة على مسألة مصير الحكومة الحالية مُبهما وقابلا لكل التحليلات والتأويلات، فإنّ كل ما صيغ في وثيقة قرطاج 2 وخاصة في ما يتعلّق بالمحور السياسي يشير بقوة وبوضوح لا لبس فيه أنه آن الأوان لتغيير الفريق الحكومي، وأن ساعة المحاسبة السياسية قد دقّت خصوصا بعد تضمين بند في الوثيقة المرجعية للحكومة أو الأرضية السياسية المشتركة ينصّ صراحة على وجوب تعديل الفريق الوزاري وبلا أي استثناءات.

وبالوقوف قليلا، عند تقييم بسيط للفترة التي قضاها يوسف الشاهد على رأس الحكومة التونسية منذ عام 2016، لا تبدو مسألة التخلي عنه من قبل الرئيس أو الأحزاب والمنظمات مفاجأة، فالرجل ورغم اختلاف التقييمات حول ما حققه من نتائج سلبية أو ايجابية، فإنه فقد منذ الأيام الأولى لحكمه أي سند سياسي يجعله أمتن وأقوى لمجابهة منظمات وازنة كالاتحاد العام التونسي للشغل أو منظمة أرباب العمل.

ورغم محاولة يوسف الشاهد الاستنجاد مؤخّرا بصفة متأخرة بحزبه الأم نداء تونس عبر تحركاته وتكتيكاته السياسية بالمشاركة في الحملة الانتخابية للحزب خلال معركة البلديات، إلاّ أن ذلك لم يشفع له ولم يسعفه كي يرمّم طموحاته وأحلامه الساعية للبقاء في القصبة إلى غاية عام 2019.

فرئيس الحكومة لم يكن يعلم إبان تقاربه الكبير مع اتحاد الشغل في الأشهر الأولى عقب إمساكه بدواليب الحكم أن المنظمة النقابية لا تمنح تاريخيا أي سياسي أو أي حكومة صكّا على بياض، والدليل انقلابها بشكل تام عليه وعلى فريقه عبر الحشد لوجوب تغيير ربان السفينة وضخ دماء جديدة، عساها تحرّك عجلة الاقتصاد أو تحل الإشكالات الاجتماعية العالقة منذ ثورة يناير 2011.

وفي خضمّ كل هذه المعارك التي يخوضها الشاهد، يظهر جليا أنه خُدع بوعود وتطمينات من قبل قيادات حزب نداء تونس في الفترة الأخيرة، ليجد نفسه في نهاية المطاف يغرد خارج السرب بل ويطارد شبح الرحيل بعد أن اتفق نورالدين الطبوبي، الأمين العام لاتحاد الشغل، مع حافظ قائد السبسي المدير التنفيذي لحزب نداء تونس بصفة رسمية على وجوب إقالة الحكومة برمتها.

هل قيمت أحزاب الحكم نداء تونس والنهضة الإسلامية خياراتهما السياسية والاقتصادية الفاشلة منذ انتخابات 2014، وهل سيجد رئيس الحكومة القادم أدنى مستويات السند السياسي لتطبيق ما وصف بـ"المعجزة" أو العصا السحرية المضمنة بوثيقة قرطاج 2؟

وبعد أن خسر دعم حزبه، حاول رئيس الحكومة الحالية التمسّك بآخر قشّة أمل قد تنقذه من العزلة أو من مغادرة قصر القصبة بيد فارغة وأخرى لا شيء فيها، عبر طمأنة نفسه بالمراهنة على الخطاب المتلوّن لحركة النهضة الإسلامية الذي بدا للوهلة الأولى متمسّكا وبقوة بالشاهد وبفريقه الحكومي.

لكن أوراق يوسف الشاهد بُعثرت مرة أخرى بعد أن أبدى راشد الغنوشي زعيم الحركة الإسلامية في لقاء جانبي جمعه بالرئيس التونسي والطبوبي وحافظ قائد السبسي، مواقف النهضة بأنها لا ترى مانعا في ضخ دماء جديدة أو تغيير رئيس الحكومة.

وبهذه الخطوة، تؤكد النهضة مجدّدا أن خطابها لا يخرج عن بوتقة إعلان الشيء والإضمار في المقابل بأشياء أخرى تتبدل في آخر المنعطفات، والدليل على ذلك انتهاجها نفس المراوغات السياسية تقريبا مع الحبيب الصيد لتتركه في النهاية يجابه الأحزاب وحيدا في آخر اجتماع قبل تكليف الشاهد بتشكيل الحكومة في 2016.

أمّا بشأن الضربة القاصمة التي بدّدت كل أحلام وزراء حكومة الوحدة الوطنية الحاليين وفي مقدمتهم رئيسها، فقد جاءت من قبل رئيس الجمهورية الذي سحب ثقته بشكل نهائي تقريبا من كل أعضائها لإدراكه التام أن الجميع وضع نصب عينيه الطموح في الاستحقاق الانتخابي الرئاسي القادم في 2019، لتتأكد كل التحليلات التي تحدثت سابقا عن وجود حرب خفية بين القصبة وقرطاج..

وتدعّمت رؤى ومواقف رئاسة الجمهورية خصوصا عقب تضمين وثيقة قرطاج 2 ببند اتهم صراحة يوسف الشاهد وفريقه الحكومي بالتنكّر لاتفاقات المنظمات والأحزاب عبر تشبثهم بالتفكير في طموحاتهم السياسية الشخصية والترويج لصورهم استعدادا للانتخابات الرئاسية القادمة، عوض الالتزام بتطبيق فحوى وثيقة قرطاج الأولى.

كل هذه الكواليس والقراءات السياسية الواقعية تدل بما لا يدع مجالا للشكّ أن مغادرة الشاهد للقصبة باتت محسومة، لكن يبقى السؤال المفصلي والجوهري هل قيّمت أحزاب الحكم نداء تونس والنهضة الإسلامية خياراتهما السياسية والاقتصادية الفاشلة منذ انتخابات العام 2014، وهل سيجد رئيس الحكومة القادم أدنى مستويات السند السياسي لتطبيق ما وصف بـ“المعجزة” أو العصا السحرية المضمنة بوثيقة قرطاج 2؟

أسئلة تشغل الطبقة السياسية في تونس، والرأي العام بأسره، وهي أسئلة غير متأتية في الحقيقة من فراغ بل لها تراكماتها وأسبابها المنحصرة أساسا في ما تم ترويجه في مايو 2016 عقب التوقيع على وثيقة أولويات الحكومة الأولى من قبل حزبي الحكم، نداء تونس وحركة النهضة، اللذين زوقا بنود الوثيقة المرجعية لما عرف وقتها بحكومة الوحدة الوطنية، وجعلاها في موضع “المنقذ السحري” لكل أزمات تـونس الاقتصـادية والسيـاسية والاجتماعية.

وما يؤرق التونسيين اليوم لا يخرج أيضا عن دوائر التساؤل عن فحوى وثيقة قرطاج 2، أو عن هوية الشخصية السياسية التي ستكون قادرة على تنفيذها أو على مجاراة خيارات الائتلاف الحاكم الترقيعية والمتذبذبة منذ 2014.

9