العيوب البنيوية للأنظمة الديمقراطية ومفاتيح إصلاحها

الساسة المنتخبون يبددون معظم طاقاتهم في المناورات والصراعات السياسية.
الأحد 2019/05/12
البريكست سببه الأساسي يأس الناخبين من أداء الحكومات المتعاقبة

هل يمكن إصلاح الأنظمة الديمقراطية وتعزيز فعالية مبدأ الانتخابات وحكم الشعب؟

هل يمكن تحسين إدارة الدول بدرجة كبيرة لإرضاء معظم الناخبين على أداء الحكومات وردم الفجوة المتسعة بينهما والتي أصبحت تنذر بمأزق حرج للأنظمة الديمقراطية؟

أعتقد أن ذلك ممكن جدا، إذا تم تشخيص العقبات المنسية والمسكوت عنها في قلب جميع التجارب الديمقراطية وإذا ما تمت إشاعة مطالب معالجتها.

من الغريب أن تبدو محاولات مناقشة إمكانية تطوير النظام الديمقراطي وكأنها سفاهة لا طائل منها، وكأنها من المحرمات، حتى لو كانت تلك المحاولات لا تشكك بأنه أفضل نظام في تاريخ إدارة الدول.

هناك جدار هائل من مصالح الحكومات والأحزاب، تمكن على مدى عقود من تهميش أي حديث عن إمكانية تحسين النظام الديمقراطي، رغم عدم مساسها بمبدأ التصويت وحكم الشعب.

لا يمكن اليوم إنكار أن الأنظمة الديمقراطية تواجه تحديات ومطبات كبيرة، أدت بشكل متزايد إلى اتساع الفجوة بين الشعوب وحكوماتها في البلدان الديمقراطية المتقدمة وتزايد المد المناوئ للبيروقراطية الديمقراطية.

أما في دول العالم الثالث فقد أدت محاولات تطبيق الديمقراطية إلى تفجير الكثير من الصراعات الشرسة، التي جعلت الكثيرين يتحسرون أحيانا على عهود الحكومات الشمولية “المستقرة”.

مظاهر الانحطاط

في السنوات الأخيرة، وصلت مخاوف ارتفاع ثمن العملية الديمقراطية إلى أعرق الديمقراطيات الغربية، بعد أن هدد تصويت الغاضبين من أداء الحكومات بتدمير الركائز الأساسية لمصالح البلد وإدخاله في انتحار سياسي عبر صناديق الاقتراع.

وقد لاح ذلك الخطر في البريكست البريطاني على سبيل المثال، حين قاد ساسة انتهازيون أغلبية بسيطة لإيقاع البلد في ورطة كبيرة، تتحدى رأي المؤسسات العلمية والاقتصادية وقطاع الأعمال وتقود البلد إلى مصير مجهول.

كما وصل اليمين الشعبوي المتطرف إلى السلطة في إيطاليا والنمسا وهنغاريا. ودخلت أحزاب عنصرية متطرفة أيضا إلى برلمان هولندا وألمانيا والكثير من بلدان أوروبا، وهو ما يذكر بصعود النازية في ثلاثينات القرن الماضي عبر الانتخابات الديمقراطية. 

المشكلة تكمن في خلل في آليات العملية الديمقراطية، تفجر سخط الناخبين لأنهم يشعرون بأن جميع من تم انتخابهم على مدى عقود لم يقدموا لهم أفضل خدمة ممكنة وأنهم جميعا كانوا دائما يضيعون في متاهة اللعبة الديمقراطية.

جميع أدبيات الديمقراطية تدعي الفصل بين السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، لكنها تغفل أن تشكيل السلطة التنفيذية (الحكومة) في جميع الأنظمة الديمقراطية يأتي من رحم السلطة التشريعية، وما ينطوي عليه ذلك من تداخل فاضح.

من البديهي أن يعتقد الناخب أنه يختار المرشح ليكرس جهوده لخدمة مصالحه ومصالح البلد، لكنه يجد في كل مرة أن الأحزاب والشخصيات المنتخبة تبدد معظم طاقاتها في متاهة الصراعات والتوازنات السياسية ولا تدخر أي جهد لخدمته.

إصلاح النظام الديمقراطي وظهور نماذج ناجحة سيقوض حجج الأنظمة الشمولية بأن الديمقراطية لا تصلح للتطبيق في بلدانها

بل إن الأطراف السياسية تلحق أحيانا أضرارا جسيمة بمصالح البلد حين تندفع لتحقيق مصالح أو طموحات أيديولوجية أو فردية، مثلما حصل في مغامرات جورج بوش الابن وتوني بلير ويحصل حاليا مع أردوغان وبوتين.

يبدو ببساطة أن القاسم المشترك في جميع الديمقراطيات هو أن الصراع السياسي يبدد معظم طاقات إدارة الدول، بل ويفرض على الأطراف السياسية مخالفة خصومهم، حتى لو طرحوا سياسات جيدة أو حتى بديهيات لا جدال فيها.

ليس من الغريب أن ينجذب الجمهور اليائس من نتائج الممارسة الديمقراطية في السنوات الأخيرة إلى انتخاب شخصيات متمردة على المؤسسات السياسية المترهلة، وهو ما حصل في انتخاب ترامب وزعماء آخرين في بريطانيا وإيطاليا والنمسا وهولندا وألمانيا وهنغاريا وبولندا وتركيا على سبيل المثال.

حتى لو تجاوزنا تلك الظواهر، فإن من الواضح أن كل من يصل إلى السلطة وفق قواعد الديمقراطيات الحالية، يسقط في بئر آلياتها الراسخة، التي تبدد معظم طاقة الحكومات في الصراعات السياسية بدل توجيهها لإدارة الدولة وتقديم أفضل خدمة لمصالح البلد.

أعتقد أن الخلل واضح ويشير إلى سبل معالجته وإغلاق منافذ تلك الانحرافات الخطيرة وتحسين إدارة الدولة والاقتصاد وتقديم أفضل الخدمات للناخبين.

أسئلة تقترح إجاباتها

هل يمكن تغيير قواعد العملية الديمقراطية وقواعد السباق إلى السلطة لتغيير طبيعة تلك السلطة؟ هل يمكن تغيير طبيعة الأدوار المتاحة في العملية الديمقراطية لاستقطاب مرشحين من نوعية أخرى للقيام بعمل أفضل؟

هل يمكن تخفيف الصراعات السياسية لإفساح المجال للعمل الجماعي المنظم باتجاه هدف واحد هو خدمة مصالح الشعب والدولة؟ هل الشعوب تريد تضييع وقتها في انتخاب ممثلين لها، لكي يدخلوا حلبة سيرك وينشغلون بطموحاتهم وصراعاتهم؟

هل يمكن إصلاح العملية الديمقراطية دون المساس بمبدأ الانتخابات وحكم الشعب؟ هل يمكن تغيير التفويض وسقف طموحات الأشخاص الذين يتصدون للعمل السياسي، لكي يتوجهوا لإدارة البلاد نحو الأفضل؟

نعم يمكن تغيير طبيعة اللعبة الديمقراطية وطبيعة الأدوار للحصول على أقصى خدمة ممكنة للدولة والمواطنين دون التخلي عن حكم الشعب من خلال صناديق الاقتراع.

نظام ديمقراطي جديد

ضعف أداء الأنظمة الديمقراطية في الاستجابة لمطالب الناخبين أدى لدخول أحزاب عنصرية متطرفة إلى برلمانات العديد من الدول الأوروبية
ضعف أداء الأنظمة الديمقراطية في الاستجابة لمطالب الناخبين أدى لدخول أحزاب عنصرية متطرفة إلى برلمانات العديد من الدول الأوروبية

مفتاح إصلاح النظام الديمقراطي يكمن في وضع سقف لمهمة أعضاء البرلمان المنتخبين، يقف عند تمثيل الشعب ودوائرهم الانتخابية ومراقبة إدارة الدولة وحماية مصالحها وإصدار القوانين، أي أن يكونوا سلطة تشريعية ولا يحق لهم تسلم مناصب في الحكومة التنفيذية.

تجري الانتخابات البرلمانية بالطرق الشائعة في جميع البلدان الديمقراطية لاختيار ممثلي الشعب. يقوم البرلمان بانتخاب أعضاء اللجان المتخصصة في جميع الشؤون العامة والشبيهة باللجان الشائعة حاليا في برلمانات العالم.

يجري من خلال عمل تلك اللجان وما تحتاجه من استشارات متخصصة، تحديد طبيعة الأهداف والبرامج المراد تحقيقها في عمل الحكومة المقبلة ليتم التصويت عليها وإقرارها من قبل البرلمان.

يفتح البرلمان أبواب الترشح لشغل المناصب التنفيذية لرئيس الحكومة والوزراء ممن تتوفر فيهم شروط يتم تحديدها بموجب تشريع خاص، إضافة إلى شروط الخبرة والكفاءة.

تقوم اللجان باختصار أعداد المتقدمين إلى قوائم طويلة ثم قصيرة، بعد التدقيق والتحري عن الخبرات العملية والكفاءات العلمية استنادا إلى استشارات معمقة.

ينعقد البرلمان بكامل أعضائه ليعرض من تم اختيارهم في القوائم القصيرة رؤيتهم لطريقة إدارة المناصب الوزارية والأهداف التي يسعون إليها والموارد والموازنات التي يحتاجونها والنتائج المتوقعة.

يقوم النواب بتدقيق عروض المتقدمين من خلال طرح الأسئلة لاختبار متانة رؤwيتهم وطريقة إدارتهم ومواجهتهم لجميع التحديات المحتملة.

بعد إكمال تلك الاستضافات المعمقة، يصوت البرلمان لانتخاب من يجد أنه أفضل المتقدمين لشغل منصب رئاسة الحكومة ومناصب الوزراء، لتباشر الحكومة عملها بعد أي إجراءات أخرى في التشريعات المعتمدة مثل مصادقة الغرفة الثانية في البرلمان أو المحكمة العليا والاستماع لأي طعون في تلك الاختيارات خلال فترة زمنية محددة.

يواصل البرلمان طوال دورته الانتخابية مراقبة عمل الحكومة ومساءلتها عن أدائها ومواقفها من القضايا المحلية والدولية وجهودها في تحقيق الأهداف المحددة التي وضعت في جدول أعمالها خلال الخطوات السابقة.

مكاسب النظام المقترح

يمكن لتطبيق هذا المقترح أن يحدث ثورة غير مسبوقة في كفاءة أداء الحكومة، التي لن تكون لديها أي طموحات سياسية أو أيديولوجية، لتذهب جميع طاقاتها لإدارة مصالح البلاد وتقديم أفضل خدمة ممكنة للناخبين دون الانشغال بالصراعات والاستقطابات الحزبية.

سيكون هناك فصل تام بين عمل السلطتين التشريعية والتنفيذية.

وضع سقف لعضوية البرلمان في أداء الوظائف التشريعية، يمكن أن يغير طبيعة الأشخاص الساعين لعضوية البرلمان، لأنه لن يرضي ذوي الطموحات الجامحة، وسوف يستقطب نوعية أخرى من الساعين لخدمة البلد ومراقبة سير شؤونه العامة.

تصبح المناصب الوزارية مجرد وظيفة لتقديم الخدمات العامة وتخضع لمراقبة دائمة من ممثلي الشعب، الذين يمكنهم إقالتهم في أي لحظة إذا لم يكن أداؤهم ينسجم مع المطالب والتوقعات.

من المؤكد أن تؤدي تلك العملية إلى وصول أرفع المتخصصين من أصحاب الخبرة والكفاءة إلى المناصب الوزارية وخاصة الخدمية مثل الصحة والنقل والاقتصاد والعمل والصناعة والتجارة، بل وحتى الدفاع والداخلية والخارجية والمالية وغيرها، بدل تسلم سياسيين لا خبرة لهم في إدارتها.

سيؤدي ذلك إلى تراجع دور الأحزاب والاستقطابات الأيديولوجية واضمحلالها لصالح تكتلات مختلفة تتمحور حول تقديم أقصى خدمة ممكنة لمصالح البلد، بسبب اختفاء إمكانية الإمساك بالسلطة.

ضرورة إصلاح قواعد العملية الديمقراطية لجعل الحكومات متفرغة بالكامل لتقديم أفضل خدمة لمصالح الدولة والناخبين

ستتحول الحملات الانتخابية من الشعارات السياسية إلى عرض أهداف تمس حياة الناخبين ويتصدرها أشخاص لهم سجل في الخدمة العامة والدفاع عن حقوق السكان، بدل الاستقطاب الحزبي الذي يوصل من يشاء إلى البرلمان. لن يطمح أشخاص مثل أردوغان أو بوتين أو حتى ترامب لدخول العمل السياسي في نظام كهذا، بسبب سقف الطموحات المحدد بعضوية البرلمان ومراقبة عمل الحكومة فقط.

سيتعزز الاستقرار الاجتماعي ورضا الناخبين نتيجة تفرغ الحكومة التام لتقديم أفضل الخدمات، إضافة إلى زيادة قدرة الناخبين من خلال ممثليهم على توجيه بوصلة الحكومة التنفيذية.

وضوح تفويض أعضاء الحكومة بكونهم مجرد موظفين لتقديم خدمة محددة، سيقيد إمكانية الدخول في مغامرات مثل المشاركة في النزاعات والحروب الخارجية مثلما يحدث مع القادة السياسيين.

سيؤدي ذلك إلى تراجع القرارات الفردية والأحادية التي تفجر صراعات تجارية وسياسية مع دول أخرى، مثلما يحدث حاليا بسبب الصلاحيات الكبيرة للزعماء والقادة في اتخاذ القرارات.

كل ذلك يجعل الحكومات متفرغة بالكامل لتقديم أفضل خدمة لمصالح الدولة والناخبين وبدرجة غير مسبوقة في عمل الحكومات حتى الآن.

تحديات التطبيق

من المؤكد أن يواجه تطبيق هذا النموذج مقاومة شديدة لأنه يقوض المصالح الكبيرة الراسخة للطبقات السياسية في جميع الدول الديمقراطية وتلك التي تدعي الديمقراطية وأيضا الدول غير الديمقراطية.

لكن مجرد شيوع فكرة هذا النموذج وإثارة الجدل حولها في الأوساط الثقافية والشعبية، يمكن أن يكسبها تأييدا متزايدا ويولد ضغوطا كبيرة لتطبيقه في بعض الدول المتقدمة ذات المصالح المتواضعة مثل الدول الاسكندنافية. إذا تم تطبيقه في دولة واحدة، فإن ذلك يمكن أن يؤدي إلى عدوى لا يمكن مقاومتها في جميع البلدان الديمقراطية، لأن الشعوب ستضغط لاعتماده بعد أن ترى قدرته على الاستجابة لحاجاتها وتطلعاتها.

ويمكن أن تمتد عدوى تطبيق هذه الإصلاحات حتى إلى الدول غير الديمقراطية، لأن شعوب تلك الدول سترى بوضوح نادر إمكانية التغلب على الصعوبات التي تواجه عادة تطبيق الديمقراطية في تلك الدول.

كما يؤدي إلى تهاوي حجج الأنظمة الشمولية بأن الديمقراطية لا تصلح للتطبيق في بلدانها، بدعوى الصعوبات وحالات عدم الاستقرار التي أدت إليها في الكثير من الدول.

7