"العَظْمَة" رواية معاصرة بنسيج متناقض

المكسيكية كريستينا ريفيرا جارسا تبشر بكتابة روائية جديدة.
الثلاثاء 2021/04/27
لا ندري هوية البطل رجل أم امرأة (لوحة للفنان خيرالله سليم)

في الرواية المعاصرة لم تعد أسس الحكي من زمان ومكان وشخصيات وأحداث ثابتة أو نسقية خبرية، تسعى إلى التأسيس لحكاية ما، بل تغير ذلك إلى النصوص التي تسعى إلى إثارة قضية ما وتساؤل مفتوح ومتجدد، لذا تفتح الرواية المعاصرة أكثر من واجهة لأجل تحفيز التساؤل والبحث والتفكير بدل التلقي السطحي.

تحتل الكاتبة المكسيكية كريستينا ريفيرا جارسا مكانة رفيعة في أدب أميركا اللاتينية والولايات المتحدة الأميركية، لتفرّد مشروعها الأدبي والرؤية الرحبة التي تتسم بها نصوصها المصاغة في نسيج يسطع فيه التاريخ والتأريخ والفلسفة والحرفة الأدبية والأسلوبية الرفيعة بين عناصر أخرى، هكذا تصف أستاذ اللغة الإسبانية وآدابها بكلية آداب القاهرة عبير عبدالحافظ الكاتبة المكسيكية في مقدمة ترجمتها لرواية “العَظْمَة.. عُرف إليون”.

وتعتبر عبدالحافظ أن هذه الرواية جديرة بامتداح كاتبتها، كونها فريدة في تقنية بنائها الفني ورؤيتها الجمالية، حيث تجاوزت ما عرف بتيار الواقعية السحرية إلى خلق تيار جديد يتمتع بالجاذبية في الكتابة والقدرة على التشويق على الرغم من الغموض والالتباس الذي يلف الأحداث والشخصيات، لذا فإن القارئ لا يملك إلا مواصلة القراءة ـوهي قراءة ممتعةـ لفك شفرات المراوغة والإمساك بعناصر الرواية.

النص المستغلق

رواية فريدة في تقنية بنائها الفني ورؤيتها الجمالية
رواية فريدة في تقنية بنائها الفني ورؤيتها الجمالية

تلفت عبدالحافظ في قراءتها للرواية الصادرة عن مؤسسة بتانة، إلى أنه في المطالعة الأولى تتسلط على القارئ حالة من التشكك، ليس فقط في ما يختص بموضوع الرواية الأساسي بل تمتد حيرة القارئ إلى الأحداث والشخوص وهويتهم والصوت الراوي. ويرى المتلقي نفسه مضطرا لإجراء قراءة ذكية مدققة، يسعى فيها للتيقن من كل عناصر الرواية التي سعت الكاتبة متعمدة إلى بث روح التشكك فيها منذ السطر الأول حتى النهاية.

تتلخص أحداث الرواية في حالة التهميش المتعمد التي يواجهها البطل الطبيب المجهول، حيث يستقبل في ليلة عاصفة صديقته السابقة، وشخصية أخرى تدعى “أمبارو دابيلا”، وهو اسم لروائية مكسيكية شهيرة، غير أن الصفات التي تخلع على الشخصية لا ترتبط بنظيرتها في الواقع في شيء ما، فهي شابة وحسناء، عدا ممارسة مهنة الكتابة، التي تذكر في طيات الحكي بشكل عابر غير مباشر.

وتتابع عبدالحافظ أن المرأتين تقيمان في منزل بطل الرواية، وتربط بينهما علاقة إنسانية وطيدة، وتبدآن في التواصل معا بلغة غير مفهومة، يعجز البطل عن فك طلاسمها في البداية على الرغم من أنه يتحدث باللغة نفسها في نهاية الرواية. وتقلب هاتان المرأتان حياة البطل رأسا على عقب، بسبب نمط سلوكهما وتوحدهما في جبهة واحدة، وأريحية التعامل بينهما، وتهميشه، فيجد نفسه منبوذا غريبا في عقر داره. وبشكل مواز يواصل عمله في المستشفى الحكومي المتخصص في الحالات الحرجة.

وتضيف أنه من ناحية أخرى، يبدو أن موقع المدينة يقارب المنطقة الحدودية مع الولايات المتحدة الأميركية، ويظهر مخطوط “أمبارو دابيلا” الرواية التي تنتهي بأن يُودَعَ الراوي ـ البطل ـ في المستشفى نفسه الذي يعمل به الطبيب، ثم تدور الأحداث برتابة في شكل دائري ويعود الطبيب إلى منزله تحت حراسة مشددة من كل من “جاسبار” و”مويسيس” بإسقاطهما الديني، فـ “جاسبار” هو اسم أحد الملوك السحرة الذين تنبأوا بميلاد المسيح، والتالي هو اسم “موسى” كالنبي.

وتنتهي الرواية باعتراف الراوي البطل بعجزه عن كشف سر المخطوط وسر “أمبارو دابيلا” الأصلية والمزيفة، ويعود البطل إلى المنزل ليتحدث مع المرأتين، ويتذكر في الكلمات الأخيرة للرواية اسم عَظْمَة عرف إليون، وهي العظمة الموجودة في تجويف الحوض العظمي للمرأة، وبهذا الشكل تنتهي أحداث الرواية مع التشكك الدائم بهواجس البطل، أهو رجل أم امرأة.

وتشير عبدالحافظ إلى أن الرؤية الملغزة المتعمدة للكاتبة المكسيكية في الرواية تكسب الخطاب طابعا عابرا للحدود والهوية والجنس، غير أن الحدود هنا رمزية، وهي حدود بين الواقع والخيال، بين الرجل والمرأة بشأن الهوية والجنس والميول، وبناء على هذه السمات، وصف أدب كريستينا ريبيرا جارسا كـ”أدب النص المستغلق” وهو ما أجمع عليه عدد غير قليل من النقاد، وعمدت جارسا في مشروعها الروائي إلى التلاعب بشخوص العمل، ولم تلتزم بالنمطية في شبكة الشخوص التي انقسمت على النحو التالي: البطل ـ الرواية، المواطن، أمبارو دابيلا: الهوية المزدوجة، الناشط السياسي: الحراك المجتمعي، مدير المستشفى: السلطة، شخوص فرعية العامة.

وترى أنه على الرغم من قلة عدد الأفراد في المشهد الروائي، فإن شبكة العلاقات تتعقد بشكل كبير، نتيجة للتشكيك المستمر في ماهية الأشخاص، وتستعيض جارسا عن مثلث الشخوص التقليدي فتجعله كالهرم المقلوب، ليجعل الرجل بين امرأتين هو في الواقع ثلاث سيدات، ذلك أن هوية البطل ملتبسة، كما أن شخصية أمبارو دابيلا تنشطر في شخصيتين، بالمثل، فإن المعلومات التي تصل عن البطل أنه طبيب أربعيني نمطي في بلد الأرجح أنها المكسيك، يحيا حياة نمطية في مستشفى حكومي علاجي للحالات الحرجة، ولا يعرف هل هو رجل أم امرأة، إذ أنه يتعامل بصفته المذكرة في حين أن بعضا ممن حوله يخاطبونه بصفة مؤنثة، وعلى رأسهم الكاتبة الحقيقة “أمبارو دابيلا” حتى أنه يضطر لممارسة الجنس الجماعي مع اثنتين من الممرضات ليتحقق من هويته الجنسية والذاتية.

في المقابل تتراجع صورة الرجل إزاء المرأة التي تبدو أنها تتمسك بمقاليد الحدث والفعل. وتطرح الكاتبة قضية الناشطين الذين يتعرضون للقمع والتعذيب والاختفاء، ويقع التلاعب بالتقارير الطبية التي تصدر بحقهم لإخفاء الحقائق والتعتيم على غيابهم، ويتضح ذلك في شخصية “خوان إسكوتيا” الذي أودع بالمستشفى نظرا لنشاطه الذي يبدو أنه سياسي، إذ لا يشار إلى ذلك صراحة، وقد لا يلحظ القارئ وجود هذا العنصر إذا تجاوز بشكل سريع أو عابر، وتحديدا من خلال التقريب الخاص به الذي اهتم بتفاصيله مدير المستشفى الذي يرمز للسلطة بشكل عام والتنفيذية بشكل خاص.

هوية ملتبسة

Thumbnail

تؤكد عبدالحافظ أنه تماشيا مع تيارات الكتابة المعاصرة مثل “الكراك” تحديدا، عمدت جارسا إلى إغفال بعدي الزمان والمكان بين تقنيات أخرى، تمكن القارئ من الاقتراب من حدود الزمان والمكان للرواية من خلال معلومات هيئة أدرجها الراوي عن البلد الذي تدور فيه الأحداث المتراكبة، والذي استنبط أنه المكسيك، نظرا إلى الوصف الجغرافي.

 وتأرجحت حركة السرد بين الأماكن المفتوحة والمغلقة: المنزل المستشفى بيت أمبارو مشهد المحيط، فالمنزل يمثل بداية الأحداث التي تنتهي فيه أيضا، والمستشفى هو المكان الضدي لوجود يرفضه البطل، وبيت أمبارو الأصلية هو نقطة التقاطع بين الحقيقة والحقيقة الموازية، بينما المحيط بمشهده الشاسع هو ملاذ البطل الذي يهرع إليه في لحظات السكون والغضب والحيرة فيتحول المكان إلى إطار يحيط بالأحداث مفسحا المكان للفعل، لا الوصف.

وتغيب الإشارات الزمنية بشكل كامل، عدا معرفة عمر بطل الرواية الذي يذكر من بين السطور أنه مارس مهنة الطب أكثر من عشرين عاما، فيستدل على أنه أربعيني، غير أن النص يخلو من أي إشارة زمنية. يتسم إيقاع السرد وزمن الحكي بالتراتبية والبطء، ويخلو من القفزات الزمنية، أو السرد المنعكس، والفلاش باك، ويعمد الراوي إلى السرد البطيء، والحكي في خط مستقيم، وبالمثل يغيب الحوار ويحتل جانب السرد الأحادي الرواية من البداية إلى النهاية.

وتلفت المترجمة إلى أن حركة الحكي يتقلدها الراوي في ضمير الـ”أنا” البطل الشاهد، وعلى الرغم من أن السرد في ضمير الـ”أنا” يكسب النص وجهة نظر أحادية، هي تلك التي يطرحها صوت الراوي على مدار الرواية، فإن هيمنة صوته قاصرة عن تحديد تفاصيل الحكي، فمنذ البداية يتوحد الراوي ـ البطل في صوت واحد يضلل القارئ بشأن الهوية: هل هو رجل أم امرأة؛ وبذلك يتحول فعل الحكي إلى صياغة سلسلة من الاحتمالات.

صورة الرجل في الرواية تتراجع إزاء المرأة التي تتمسك بمقاليد الحدث والفعل وتطرح الكثير من القضايا الإنسانية

هذا التضليل المتعمد يذكر بإحدى القصص للكاتب الأرجنتيني خوليو كورتاثار، وبهذا الشكل تشترك تقنيات السرد في جزئية الغموض مع سمة من سمات الكتابة السريالية، التي تبلورت في أحد جوانبها فيما عرف بتيار الواقعية السحرية، غير أن المعالجة مختلفة إلى حد بعيد، فيبدو هدف جارسا صياغة تيار مختلف للكتابة النسوية، وللرواية الجديدة، وللنص الروائي المحايد، سواء أكان بيد كاتب أم كاتبة، وسواء أكان البطل أو الراوي مونثا أم مذكرا في منظومة تتخطى حاجز الجندر، وتستخدم البطل الراوي أداة لتحقيق هذه المعادلة السردية.

وتوضح عبدالحافظ أن هذا التمويه المتعمد في صوت الراوي الممثل للبطل يصوغ كتابة المرأة في هدفين، الأول تقوض الكاتبة المكسيكية أيقونة كتابة المرأة عن المرأة، والثاني تطرح تقنية مجددة لهوية الراوي المراوغة، رجل أم امرأة.

 وأهمية ذلك أنه في الحالة الأولى عمدت جارسا إلى استنطاق صوت نموذج المواطن الحالي في أميركا اللاتينية بشكل عام، والمكسيك بشكل خاص، ووضعية الإنسان المعاصر، والمواطن في المقام التالي إزاء هذا الواقع من خلال مستويات متداخلة: قضية الناشطين الذين يتعرضون للاضطهاد والتعذيب والاختفاء، وضع المرأة الأديبة إزاء هيمنة السلطة الذكورية “أمبارو دابيلا”، قضايا الحدود بين المكسيك والولايات المتحدة الأميركية.

وترى أنه من خلال القراءة التفكيكية للرواية يتضح أن المشروع الروائي للكاتبة المكسيكية انطبع بطابع توثيق تاريخ معاصر ومحايد، به مسحة من الذاتية المراوغة تسعى لخلق رؤية جديدة في الشكل والمضمون الروائي في السنوات الأولى للقرن الحادي والعشرين. لقد حاولت الروائية خلق نسيج مناقض لسمات الكتابة النمطية ليست النسوية وحسب، بل فعل الكتابة الروائية بشكل عام في أميركا اللاتينية وغيرها إذا ما أخذ عنصر العولمة في الاعتبار ومرونة عبور النصوص في الوقت الحالي من مكان إلى آخر، واجتهدت حثيثا في أن تقدم رواية مربكة للقارئ تتحداه فيها، نصا مفتوحا لزمرة من التأويلات، ومحاكا باستراتيجية وتقنية سردية متينة تشف عن هندسة في خلفية البنية المتخيلة لهيكل الرواية وللنظرة الفلسفية للأشياء والأزمنة والأماكن والهوية إن وجدت.

15