العَلمانية والأخلاق

الاثنين 2015/05/11

هناك اعتقاد رائج في بعض الأوساط يعتبر العلمانية أسلوب حياة لا أخلاقي، وهناك من يذهب به الظنّ إلى أنّ الأخلاق تعكس درجة التديّن لدى الأفراد والمجتمع، من يصدق هذا؟

عموما فإن ربط العلمانية باللا أخلاق مجرد شائعة أساءت للفكر والثقافة والفن، وشوهت سمعة مفكرين ومبدعين أغنوا الخزانة العربية بمئات المؤلفات والترجمات والمراجعات النقدية، بكل ما يتطلبه ذلك من حياة يغلب عليها الزهد، وتندر فيها أحيانا أبسط وسائل التسلية والترفيه، هذا في الوقت الذي غابت فيه أي تعبئة أخلاقية ضدّ التعصّب الديني الذي تغوّل في الأخير على حساب الجميع.

حسبنا أن نوضح الواضح، العلمانية ليست فقط تتناسب مع الأخلاق، لكنّها الشرط التأسيسي للأخلاق، وهي ليست ضد أي أحد، بل هي مشروع حياة من أجل الجميع. وكل ما في الأمر أن العلمانية خسرت حرب الشائعات التي لا تحسن خوضها، ما يُحسب لها، لكنها لم تحصن نفسها من آثار تلك الحرب القذرة بما يكفي من قدرات تواصلية مع عامّة الناس، وهذا ما يحسب عليها.

ولنبدأ بتجربة بسيطة، إذا أنت سألت أيّ إنسان مسلم عن موقفه الأخلاقي من المجتمعات الغربية اليوم، ستلاحظ في إجابته -أو إجاباته- نوعا من الازدواجية: بقدر ما يمثل الغرب ذروة الأخلاق الحميدة لجهة المسؤولية والالتزام والصدق والشفافية إلخ، فإنه يمثل في المقابل حضيض الانحطاط الأخلاقي لجهة العري والرّقص والإباحية إلخ. هذا يعني أنّ الأمر يتعلق بحكم أخلاقي متناقض حول نفس الظاهرة. فهل ثمة مشكلة في منهج الرؤية؟ بلى، تكمن المشكلة في غياب معايير واضحة للحكم الأخلاقي. والحال أنّ معاييرنا الأخلاقية بالية ومتقادمة، بحيث أنها لا تزال متعلقة بمفاهيم الطاعة والجماعة وسترة العورة وما إلى ذلك، وهي مفاهيم لا تسعفنا في استيعاب أخلاقيات التقدم العلمي والتواصل التقني والتضامن الإنساني والسلوك المدني.

أمامنا سؤال واضح، كيف تُبنى معايير الحكم الأخلاقي؟ للإجابة، هناك تصوران:

أولا، التصور الطبيعي الذي يعتبر بأنّ معايير الحكم الأخلاقي موجودة داخل عقل كل إنسان، شريطة أن يستعمل المرء عقله بكل حرية وتلقائية وأريحية وبأقل ما يمكن من الانفعالات. هذا التصور يقول به العَلمانيون، لكن قال به أيضا الكثير من القدامى (النظّام، العلاّف، القاضي عبد الجبار، الجاحظ…). وهو تصور يؤيده البعض من وجهة نظر دينية تنطلق من سلامة الفطرة الإنسانية، ومن أن العقل مناط التكليف.

ثانيا، التصور الغيبي، وهو تصور يعتبر بأنّ معايير الحكم الأخلاقي تتجاوز العقل البشري، ومصدرها بالتالي خارج عقل الإنسان، بمعنى الوحي، ما يعني بكل بساطة، أنّ لولا الوحي الإلهي لكان معظم الناس يقتل ويعتبر القتل عاديا، يسرق ويعتبر السرقة عادية، يقترف زنا المحارم ويعتبر ذلك عاديا.

هذا التصور يأخذ به معظم الفقهاء، ويخترق موروثنا الفقهي، وهو الذي رسم رؤيتنا للأمور، لكننا إذا لم نقصر النظر على الفقه، وإذا وسعنا الدائرة قليلا لتشمل علم الكلام والفلسفة والتصوف ستبدو نسبة كبيرة من المسلمين لا تؤمن بهذا الطرح الذي يناقض صريح الحديث “إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق”. والمستفاد من هكذا حديث أن الوحي ليس مصدرا للأخلاق لكنه متمم لها، وما يعني، بالواضح، أن هناك مصدرا آخر للأخلاق، وأن هذا المصدر ليس سوى عقل الإنسان. وهذه الفرضية هي منطلق عصر التنوير الأوروبي. تُعلّمنا فلسفات العلوم اليوم بأنّ الفرضية تكون أكثر ملاءمة حين تفسر لنا أكبر قدر ممكن من الظواهر، والحال أنّ الفرضية التي تقول إن العقل هو مصدر معايير الحكم الأخلاقي، تفسر لنا ظاهرتين هامتين:

أوّلا، تتطور معايير الحكم الأخلاقي مع تطور التاريخ البشري. مثلا، فقد كان النّاس في العصور الغابرة، وتقريباً في كل المجتمعات، أكثر تقبلا لتزويج الصغيرات وانخراط الأطفال في الحروب، كانوا أكثر تساهلا مع سبي النساء في الحروب باعتبارهنّ جزءا من الممتلكات، إلخ، والأمر يختلف اليوم بفعل تطور العقل الأخلاقي. هذا التطور قد شمل في الأخير كافة المجتمعات الإنسانية وإن بدرجات متفاوتة.

ثانيا، يتجه تطور المعايير الأخلاقية باستمرار من الإطار المحلي (الطائفة، العشيرة، العرق، المذهب) إلى رحاب الكونية، إنها صيرورة لم تكتمل بعد وقد لا تكتمل قريبا، لكنها صيرورة متواصلة، وتتجلى في العديد من المكتسبات الهامة، ضمنها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، متبوعا بكل الا تفاقيات والمواثيق التفصيلية، وصولا إلى الجيل الأخير من حقوق الإنسان، فضلا عن سيرورة عولمة معايير العدالة. والآن، أمامنا سؤال حاسم، من أجل تطوير العقل الأخلاقي المعطل هل يمكننا التعويل على “إحياء” الدين كما يردد البعض؟

إذا صدقنا الدعوى وعُدنا إلى قراءة الدين لأجل تطوير عقلنا الأخلاقي، فهذا يعني أننا سنقرأ الدين بعقل متخلف، وستكون النتيجة فهما متخلفا للدين. وهنا تكمن الحلقة المفرغة لأنصار “الصحوة الدينية” والتي يتعذر الخروج منها بدون تغيير المنطلقات. وبلا شكّ فإن الفظاعات التي تقترفها المنظمات المتطرفة تظل ثمرة قراءة متخلفة للدين. إذ أن المستوى الأخلاقي للعقل ينعكس مباشرة على فهمنا للدين. وهنا مربط الفرس في سؤال الإصلاح الديني.

مثال توضيحي، لم يكن المستوى الأخلاقي للفقهاء القدماء يسعفهم لكي يستنبطوا من الآية (لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك) أي حكم شرعي، رغم أنهم استنبطوا من آيات السيف مئات الأحكام. وفي المقابل فنحن اليوم بسبب تطور موقفنا الأخلاقي من مسائل العنف والثأر والانتقام، أصبحنا ندرك أهمية تلك الآية. مثال آخر، مارس الرّسول (ص) الزواج الأحادي مع خديجة، والتي لم يتزوّج عليها طيلة حياتها، وبقي على تلك الحال عامين بعد وفاتها. وهذا المعطى لم يلتفت إليه موروثنا الفقهي ولم يستنبط منه أيّ حكم بقدر ما ركز انتباهه على مرحلة التعدّد، حيث اختلطت الوقائع باستيهامات الرواة. وإن كنا اليوم نلتفت إلى ما لم يلتفت إليه موروثنا الفقهي، فالسبب يعود إلى أن عقلنا الأخلاقي، رغم انغلاقه، تجرع قطرات من الحداثة.

إذن، يجب أن يتطور عقلنا الأخلاقي أوّلا. ولا يتم هذا إلا من خلال الاستعمال المتواصل للعقل في كل المسائل والنوازل. فالعقل مثل سائر الأعضاء إذا لم يعمل سيموت.

علينا أن نستعمل عقولنا باستقلال عن أي وصاية، أكانت وصاية باسم الدين أم غيره، علينا أن نستعملها بنحو حر ومستمر، وبذلك وفقط بذلك نطور عقولنا أوّلا. ثم لنستعمل عقولنا في فهم الدين، وبذلك وفقط بذلك نطور فهمنا للدين. وهكذا نخرج من الحلقة المفرغة.

كاتب مغربي

8