الغائب الأكبر

السبت 2015/03/28

هل آن للنّقد الأدبي أن يأتي من غياب مديد؟ وهل زالت أسباب غيابه أو هي في طريقها إلى زوال كي نتوقّع حضوره؟ للسؤال عن أسباب غياب النّقد الأدبي عن الحضور في حياتنا الثقافية، أن يستدرج السؤال عن مدى حضور هذه الحياة في حياتنا، فليس للنّقد الأدبي أن يوجد إلا في مجالّ حيويّ واسع يتحرّك في رحابه ويحقّق لنفسه وجودا فاعلا في إطاره بوصفه واحدا من حقوله المعرفية التي تعزّز وجوده وتثريه وتتعزّز بوجوده وتثرى به. وليس هذا المجال الحيويّ الأوسع إلا الحياة الثّقافية التي يمكن للنّقد الأدبي أن يخطّ لنفسه سياقا مميّزا وفاعلا في إطارها العام.

وفي هذا الضّوء، ليس للحياة الثقافية أنْ تقف على قدميها، بثقة ورسوخ وانفتاح رحب على التجدّد الخلّاق، من دون نقد ثقافيّ شامل يكون النّقد الأدبيّ في صلب صلبه، وفي ثنايا لحمته وفي دفق سداه. وليس للنّقد الأدبيّ أن يوجد لينهض بدوره الجوهريّ المهمّ في إنهاض الإبداع الأدبيّ، وإثراء الحياة الثّقافية وتنشيطها بمعزل عن وجود هذا الإبداع، الذي هو أصل كلّ نظرية فلسفية في علم الجمال، وأساس أيّ نظرية في الأدب، وصلب أيّ منهج أو طريقة أو أسلوب في نقد الأدب ونقد نقده، والذي هو، في البدء والمنتهى، خالق الأشكال التي هي بيوت الحياة ورافعة مناراتها الوضّاءة وحاضنة فضاءاتها الرّحبة.

فهل ثمّة من حياة ثقافية حقيقية في بلادنا تفسح المجال لوجود النّقد الأدبي الثّري، الفاعل والمؤثّر، الذي نسأل هنا عن أسباب غيابه تأسيسا على افتقارنا وجوده؟ وهل ثمّة في حياتنا من حياة تتيح لهذه الحياة الثّقافية أن تحيا في انفتاح ثريّ، وتفاعل خلّاق مع غيرها من الحيوات الضّروريّة الأخرى كالحياة الاجتماعية والاقتصادية والسّياسية؟

ثمة إذن شبكة متداخلة ومتراكبة من العلاقات التفاعلية والتّشكّلات المتداخلة التي تنسجها، أو تنشئها، هذه الحيوات الحقيقية مع بعضها بعضا منذ لحظة وجودها، أو منذ انبثاق ما يرهص بانبثاقها، أو حتّى منذ تولّد الرّغبة الحقيقية لدى النّاس للحلم بحياة هي الحياة، والشّروع، من ثمّ، في السّعي إلى تخصيب المجتمع كي يكتنز مقوماتها في أعماقه، فينضجها، ويأتي بها من أعطافه وأطوائه وثنايا خلاياه إلى رحاب الحياة.

ليس ثمة في حياتنا من شيء من ذلك قط؛ وليسامحني المتفائلون وأصحاب النّيات الطّيبة الذين مكثت معهم في قاعات الفعل العاجز والانتظار المهيض عقودا تمدّدت، في زمننا الأفقي المائل الباهظ المعتم الكسيح، لتستحيل كما رأى الشّاعر الرائي خليل حاوي، منذ خمسة عقود، إلى قرون.

ثمة دراسات ورسائل جامعية في النّقد الأدبي المستغرب التّائه، أو المتسلّف القابع في أقبية القديم؛ ذاكما النّقدان المجافيان للواقع العربي، والغريبان عن النّصوص الإبداعية العربية التي يزعمان أنهما ينقدانها، والمسيّجان بأسوار الجامعات والكيانات الأكاديمية المغلقة على مكتب يصدر الشّهادات الجامعية من الليسانس حتّى الدكتوراه. وثمة خواطر وخربشات واصفة ونصوص حالمة خطّتها أقلام تقمّص أصحابها صورة شيخ أو كاهن أو شامان لا يرى أحدهم في مراياه غير صورته وتعويذاته ورطانته وطلاسم سحره الغامض تتداولها وسائل الإعلام وتتهافت دور النّشر على إطلاقها في النّاس. وثمة مقالات سطحية وكتابات انطباعية متسرّعة وانفعالية ومجاملة تنشرها الصحافة، وفق شروطها ومقتضياتها، زاعمة أنّها تنتمي إلى هذا النّقد وأنها كفيلة بأخذه إلى رحاب أفق جديد.

وثمة في ما يدعى “حياتنا الثّقافية” ما يسمّى أنشطة وفعاليات ومبادرات خلّاقة من مؤتمرات ومهرجانات ومجالس ولجان قراءة وتحكيم وجوائز، وبرامج إذاعية وتلفزيونية تجترّ المجترّ، وتتوخّى عرض كلّ شيء تقع يدها عليه وتراه، وفق منظورها، جديدا وخلّاقا، فلا تسفر عروضها عن شيء سوى نقيض ما تدّعيه، ولا تنتهي في الأعمّ الأغلب إلا بصنع نجوم في الشّعر والنّثر والنّقد، وفي غير الشّعر والنّثر والنّقد، تكاد لا تبرق حتّى تنطفئ لأنّها جاءت محمولة على سحابات ليس فيها سوى برق خلّب لا يعقبه مطر ولا قطر ماء.

ناقد من فلسطين مقيم في سلوفاكيا

16