الغائب بامتياز

مشكلة المثقفين الراهنة تتمثل في أن البعض منهم ما زال غير قادر على الاعتراف بفشل هذه النخب في قيامها بدورها التنويري، والدفاع عن قيم الحرية والمواطنة والديمقراطية، بسبب ارتهانها لأنظمة مستبدة.
الثلاثاء 2018/02/27
مثقفون يتهمون الانتفاضات الجماهيرية بأنها المسؤولة عن صعود قوى التطرف

تحاول بعض الدراسات أن تربط غياب دور المثقف العربي بالسطة الجديدة، التي أصبحت تتمتع بها وسائل الاتصال والميديا والإنترنت، وجعلها تطيح بسلطة المثقف، التي كان يتمتع بها في ما مضى، عندما كان يشكل حاجة ماسة بالنسبة للحركات السياسية وأنظمة الحكم، تضفي عليها قيمة اعتبارية، تنبع من رمزية المثقف، التي عملت على توظيفها للدعاية لها.

ومع أن هذا التحول لا يستطيع أحد أن ينكر سطوة حضوره، إلا أن تراجع دور المثقف له أسباب متعددة تنضاف إلى قوة وسائل الإعلام والاتصال، لعل أهمها فقدان المثقف لمصداقيته، وعجزه عن إنتاج حالة فكرية جديدة، يستعيد من خلالها تأثيره في ما يحدث، بوصفه يمتلك المعرفة والقدرة على إنتاج الأفكار.

إن هذا التحدي الجديد لم يكن هو السبب الوحيد في غياب دور المثقف عما يحدث، بل ثمة مشكلة نابعة من حالة الوعي التي لم يزل يعيشها، والتي لم يستطع معها أن يطور منظومة المفاهيم التي استقرت عنده، وبالتالي الانفتاح على متغيرات الواقع الجديد العاصفة، لتجديد رؤيته وتطوير منظومته المعرفية في فهم هذا الواقع.

لذلك نجد أن هناك غيابا لدوره الفاعل، في وقت يعيش فيه الواقع مخاضاته الدامية والعسيرة، التي تضع العرب كأمة على المستوى الوجودي في مهب العواصف. إن هذا الموقف السلبي للمثقف العربي في هذه اللحظة الدامية هو تسليم بالضعف والعجز، وهروب أخلاقي من مسؤوليته، خاصة بعد أن أدرك أن الحاجة إليه قد انتفت إثر التصدع الذي أصاب النخب الحاكمة، التي كان يرتهن إليها ويستمد سلطته منها.

إن مشكلة المثقفين الراهنة تتمثل في أن البعض منهم ما زال غير قادر على الاعتراف بفشل هذه النخب في قيامها بدورها التنويري، والدفاع عن قيم الحرية والمواطنة والديمقراطية، بسبب ارتهانها لأنظمة مستبدة وأحزاب تكلست وفقدت دورها التاريخي، ما جعل كثيرا منهم في هذه اللحظة العاصفة ينحازون لقوى الاستبداد بعد أن أدركوا أن مصيرهم مرتبط بمصير هذه القوى.

ومن أجل تبرير هذا الموقف اتهموا الانتفاضات الجماهيرية بأنها المسؤولة عن صعود قوى التطرف، وليس نخبهم السياسية والثقافية التي عجزت عن الدفاع عن مصالح الناس وحقوقهم في دولة تمثلهم.

إن ارتباط المثقف في ما مضى بالنخب السياسية الحاكمة والمعارضة جعل دوره مرتبطا بصعود هذه القوى أو هبوطها. لهذا كان فشل هذه القوى وانحسار تأثيرها السياسي والاجتماعي ذا مردود سلبي عليه، بعد أن فقد الشجاعة الكافية في نقد أدواره التي لعبها سابقا، على الرغم من أن البعض منهم دفع ثمنا باهظا في مواجهة الاستبداد.

15