"الغارديان" تثبت أن تمويل القراء قادر على جعل الصحافة المفيدة تزدهر

الدعم الذي تلقته صحيفة الغارديان من القراء مكن من محاسبة الشركات التكنولوجية الكبرى عن طريق فضح معطيات كامبريدج أناليتيكا، والذي لم يكن ممكنا لولا مساندتهم.
الجمعة 2018/11/23
كاترين فاينر فخورة بتجربة الغارديان

تبدي رئيسة تحرير الغارديان كاترين فاينر فخرها بنجاح تجربة دعم القراء للصحيفة، فهذا النموذج من التمويل لا يشكل فقط نجاحا للصحيفة في تجاوز أزماتها المالية، إنما يبرز أيضا قدرتها على بناء علاقة وطيدة بالقارئ خلال المحتوى المتميز والثقة التي تتمتع بها لديه.

لندن- قدمت كاترين فاينر رئيسة تحرير الغارديان، نتائج التجربة الفريدة للصحيفة بالاعتماد على نموذج تمويل القارئ، وكيف مكن دعم مليون قارئ من المساعدة على نقل أهم الأحداث الراهنة والتحقيق فيها، مؤكدة أنه ساهم في إنقاذ الصحيفة من الانهيار في ظل ندرة الموارد المالية.

وذكرت فاينر في مقال نشرته الغارديان مؤخرا، أنه قبل ثلاث سنوات عندما تسلمت مهمة رئيس التحرير واجهت تحديا عاجلا يتعلق بكيفية جعل صحيفة الغارديان مستدامة. وكان الوضع يبدو قاتما بالنسبة لكافة وسائل الإعلام حيث كانت الإعلانات المطبوعة في انحدار حاد وكان نمو الإعلان الرقمي يذهب بالكامل تقريبا إلى غوغل وفيسبوك.

وكانت المؤسسات الإخبارية في كل مكان تبحث عن طرق للتعامل مع التحدي المتمثل في ارتفاع عدد القراء أكثر من أي وقت مضى، بالتوازي مع نقص سبل تغطية النفقات. وشهرا تلو الآخر يزداد عدد المؤسسات الإخبارية التي تفرض على القراء الدفع للاطلاع على محتوياتها.

وأمام هذه التحديات، أدركت إدارة تحرير الغارديان أنه كان عليها إيجاد طريقة جديدة لتمويل صحيفة الغارديان. وكان الجواب البديهي التوجه للقراء، وفي ذلك الوقت كان لدى الصحيفة 150 مليون قارئ، وأوضحت فاينر للقراء “كنتم دوما في علاقة خاصة بالغارديان مثمنين استقلاليتنا التحريرية والتزامنا بالصحافة الاستقصائية ووجهة نظرنا التقدمية المترسخة في الوقائع”.

وأشارت إلى أن القرار كان “بأننا نريد من صحافتنا أن تبقى عالمية ومجانية ومتاحة لقرائنا، وليس حصرها عند أولئك الذين يقدرون على الدفع فقط. أردنا أن نمنح الناس الفرصة في المساهمة ماليا بطرق تنجح بالنسبة إليهم، أي أنه بمقدورنا مد قرائنا (بغض النظر عن مكان عيشهم، أو مقدار دخلهم أو كيف يحبذون الحصول على الأخبار) بطريقة لدعمنا مرتبطة أيضا بشكل عميق بالروح الليبرالية والتقدمية التي بنيت عليها الغارديان”.

ونوهت بأن الصحيفة عندما طلبت دعم القراء لم تكن متأكدة من نجاح الطريقة المقترحة أو فشلها، إذ كان كل من الأصدقاء والمنافسين متشككين كثيرا لوقت طويل، لكن قراءها أنصتوا وتجاوبوا مع المبادرة. وكان ملهما العدد الكبير للقراء المنحدرين من أكثر من 180 بلدا الذين يريدون لعب دور في دعم الغارديان ماليا.

تجربة الغارديان تطرح تساؤلات حول إمكانية تطبيقها في الصحافة العربية المستقلة ومدى استجابة القراء

وكان هذا الدعم يعني الكثير بالنسبة للصحيفة وهو يساعد على حماية استقلاليتها التحريرية، مما يمنح صحافييها الحرية في نقل الأخبار المهمة في الوقت الحاضر والتحقيق فيها.

ومكن هذا الدعم من محاسبة الشركات التكنولوجية الكبرى عن طريق فضح معطيات كامبريدج أناليتيكا، والذي لم يكن ممكنا لولا مساندة القراء، وفقا لفاينر. كما أن هذه التجربة مكنت الصحيفة من التركيز على الأزمة المناخية الجارية التي لها تأثير على المجتمعات والكوكب الحي والالتزام بنقل الأخبار عن البيئة: انطلاقا من المخاطر التي تهدد الأراضي العمومية في الولايات المتحدة وصولا إلى ظاهرة الجفاف في أستراليا.

كذلك يعني الدعم المقدم من قراء الغارديان أنه بإمكان الصحيفة القتال من أجل العدل في المملكة المتحدة، ومحاسبة وزارة الداخلية على السياسة البيئية العدائية المتبعة. وأبدت فاينر فخرها بنجاح التجربة، قائلة “أن نتمكن من الإعلان اليوم بأننا تلقينا الدعم المالي من أكثر من مليون قارئ من كافة أنحاء العالم في السنوات الثلاث الماضية لخطوة مهمة جدا. إن هذا النموذج المتمثل في التمويل من قبل قرائنا عبر المساهمات والاشتراكات والعضوية الطوعية أو كجزء من برنامج الرعاة لدينا هو نموذج ناجح.

وهذا يعني أنه خلال ثلاث سنوات فقط تجد الغارديان نفسها على طريق الاستدامة، تأمل في تغطية مصاريفها بالكامل بحلول أبريل 2019. لم يكن الأمر سهلا ومازال أمامنا طريق طويل، ونحن في حاجة إليكم لتستمروا في دعمنا ماليا، ونحتاج المزيد من قرائنا لاتخاذ تلك الخطوة إن قدروا على ذلك. نستمر في مواجهة صعوبات مالية لكننا عازمون على إيجاد طرق جديدة لجعل الصحافة المفيدة تزدهر، وبمساعدتكم ستزدهر فعلا.

نحن نعيش في زمان خطير تزدهر فيه الأيديولوجيات الظلامية، وليس من المفاجئ أن يشعر الناس بالقلق والارتباك. وأعرف أنه في بعض الأحيان يمكن أن يكون من المغري التخلي عن تغطية الأخبار، لكنني متأكدة أنكم تشعرون، مثلما أشعر أنا، بأنه علينا فهم العالم إذا كنا نريد الحصول على فرصة لجعله أفضل للجميع.

ذلك بالضبط ما تحاول صحافة الغارديان فعله، أي مدكم بالحقائق حتى نتمكن عبر الوضوح من فهم ما يحدث، وإلهامكم من خلال الأفكار والرؤى لإيجاد بديل. نأمل اليوم في أن يفكر المزيد منكم في تقديم دعم لمرة واحدة أو دعم مستمر عبر المساهمة أو الاشتراك. معا، عبر الوضوح والرؤية، يمكننا إيجاد فسحة من الأمل”.

وختمت فاينر “اليوم الغارديان تقف على قدميها مرة أخرى، ويبدو أنها، من خلال إصرارها على الإبقاء على صفحاتها متاحة ومجانية للجميع، اكتسبت احترام القارئ وتقديره وقرر مساعدتها كي تتخطى الأزمة”.

هذه التجربة لصحيفة عريقة مثل الغارديان تطرح تساؤلات حول إمكانية تطبيقها في أماكن أخرى من العالم مثل الدول العربية، وبشكل خاص الصحافة المستقلة التي لا تخضع لتمويل الحكومة وتحظى بخط تحرير حر نوعا ما. ويحيل هذا التساؤل مباشرة إلى البحث في طبيعة المحتوى الذي تقدمه الصحافة العربية ومدى استجابته لتطلعات القراء، حتى يبادروا لدعم صحافتهم.

ربما ينبغي على صحافتنا العربية التفكير بجدية لبناء علاقة حقيقية مع القراء واحترام عقله بتقديم مادة جيدة لا تحكمها الأهواء السياسية والحزبية الضيقة، من أجل أن تصل إلى المرحلة التي تخولها طلب دعم القارئ والأمل باستجابته. وفي الوقت نفسه يجب على الحكومات إرخاء قبضتها قليلا عن الصحافة، وتوسيع هامش الحريات، خاصة في ظل تخلي معظم الحكومات عن دعم الصحافة المطبوعة وتركها تواجه مصيرها وأزماتها الاقتصادية منفردة.

18