الغاريمبيروس يدمرون غابات الأمازون من أجل أوقية ذهب

الغابات المدارية تنمو لتعود إلى سابق عهدها بشكل بطيء في منطقة مناجم تعدين الذهب المهجورة.
الثلاثاء 2020/07/14
التكالب على الذهب يزداد مع ارتفاع سعره

ريو دي جانيرو - يغمر الطمي سيقان الرجال حتى الركب، وهم واقفون داخل حفرة عميقة لمنجم، ويقومون برش الجدران بالمياه المندفعة من الخراطيم، بينما يقوم أحدهم بامتصاص المادة المتساقطة، ويصاحب عملهم صوت قعقعة من مولد الكهرباء.

وتدفع مضخة المياه إلى أعلى حيث تتدفق فوق سقالة مغطاة بسجادة تشكل منحدرا، ويجرف العمال أتربة الأرض بنية اللون مترا بعد متر بخراطيم المياه ويدفعونها إلى أسفل المنحدر، وسط درجة الحرارة العالية المعهودة في المناطق المدارية، وذلك لمدة 12 ساعة في اليوم طوال شهر كامل، ثم يغسلون السجادة بمحلول من الزئبق، وما يتبقى هو عبارة عن تراب الذهب، وما تخلفه هذه العملية التي تقوم بها مجموعة من الباحثين بشكل غير مشروع عن الذهب في منطقة الأمازون، هو معالم واضحة من الدمار.

وتستعيد الغابة المطيرة أشجارها المقطوعة بصعوبة، في الأماكن التي يقطع فيها عمال المناجم الذين يعملون بشكل مستقل وغير مشروع بإقليم الأمازون والمعروفون باسم “غاريمبيروس”، ممرات بين الأشجار الكثيفة، ويحفرون الأرض بعمق مثلما هو الحال في بلدة كربوريزاو غربي ولاية بارا البرازيلية.

وحذر مؤخرا باحثون من جامعة ليدز البريطانية من المشكلات التي تعاني منها غابات الأمازون، والمتعلقة بإعادة نمو أشجارها، وذلك في دراسة نشرتها دورية “جورنال أوف أبلايد إيكولوجي” أي البيئة التطبيقية.

وقال ميشيل كالاماندين المؤلف المشارك في الدراسة إن “الغابات المدارية تتأثر بشدة بالتنقيب عن الذهب والتعدين بشكل عام، ومن الصعوبة أن تنمو أشجارها مرة أخرى بشكل طبيعي لتستعيد ما فقدته”، وحذر كالاماندين والباحثون الآخرون من أن “التداعيات السلبية للتعدين ستستمر لفترة طويلة من الزمن، وينطبق نفس الحال على التغير المناخي، ومن هنا يكون من الضروري بذل جهود نشطة لإعادة استزراع الأشجار المقطوعة”.

ويعد إقليم الأمازون أحد أكبر مخازن ثاني أوكسيد الكربون على مستوى العالم، ومع ذلك فإن القدرة الاستيعابية للامتصاص والتخزين تتقلص نتيجة تدمير الغابة المطيرة.

وتشير الدراسة إلى أن الغابات المدارية تنمو لتعود إلى سابق عهدها بشكل بطيء في منطقة مناجم تعدين الذهب المهجورة، وأجرى الفريق بحثا ميدانيا في منجمين للذهب توقف العمل فيهما مؤخرا في جويانا، وقاموا بتحليل عينات من التربة وحددوا الكتلة الحيوية لكل شجرة أي ما تحتويه من طاقة. وفي بعض الأماكن عادت الخضرة بالكاد، حتى بعد مرور وقت طويل على وقف أنشطة استخراج الذهب.

وتشير نتائج الدراسة إلى أن نضوب المواد الغذائية اللازمة للأشجار يؤثر في إمكانية نموها مرة أخرى، بشكل يفوق تأثير التلوث بالزئبق، وتعد طبقة التربة الخصبة للغابة المطيرة رفيعة للغاية، ومع ذلك فإن المحتوى العالي لمادة الزئبق له تداعيات خطيرة على الأمن الغذائي، وعلى إمدادات المياه والتنوع الحيوي.

حيوانات غابات الأمازون تموت من جراء شرب المياه الملوثة والسكان الأصليون يصابون بالمرض

وفي هذا الصدد قال داريو كوبناوا نائب رئيس منظمة “هوتوكارا” المعنية بحقوق قبيلة يانومامي، وهي من السكان الأصليين بمنطقة شمال الأمازون، إن “حيواناتنا تموت من جراء شرب المياه الملوثة، كما إننا نصاب بالمرض”.

ويوجد اليوم أكثر من 20 ألفا من الغاريمبيروس وهم المنقبون عن الذهب بشكل غير مشروع، متناثرين عبر الأراضي التي يعيشون عليها، وبدأ السكان الأصليون في المنطقة الذين يعتبرون أنفسهم “أوصياء على الغابة” حملة لطرد الغاريمبيروس من مناطقهم الكائنة بين البرازيل وفنزويلا والتي يضارع حجمها مساحة البرتغال.

ويعد البحث عن الذهب بشكل غير مشروع في شمالي قارة أميركا الجنوبية إلى جانب مرتفعات جويانا، مسؤولا عما نسبته 90 في المئة من قطع الأشجار في جويانا وسيرينام وجويانا الفرنسية وفنزويلا وكولومبيا والبرازيل.

ويتركز البحث غير المشروع عن الذهب بمنطقة الأمازون البرازيلية، في الإقليم الغربي من ولاية بارا حيث توجد المئات من مناجم تعدين الذهب غير المشروعة، ويتواجد المنقبون منذ فترة طويلة في منطقة تعيش فيها قومية موندوروكو للسكان الأصليين.

وزادت عمليات البحث غير المشروعة عن الذهب في مناطق السكان الأصليين المحمية والمتنزهات الوطنية بشكل عام، ويشير تقرير لمنظمة “السلام الأخضر” (غرينبيس) المدافعة عن البيئة، إلى أن منطقة يضارع حجمها مساحة 1841 ملعبا لكرة القدم، تمت فيها إزالة الأشجار بمناطق السكان الأصليين والمتنزهات الوطنية، سعيا للتنقيب عن الذهب خلال الأشهر الأربعة الأولى من عام 2020، مقارنة بمنطقة تعادل مساحتها 1218 ملعبا لكرة القدم خلال نفس الفترة من العام الماضي.

وثمة أماكن مثل كربوريزاو تشبه قرية في أفلام رعاة البقر، فلا يوجد بها مكتب بريد أو مصرف، ولكن توجد بها عشرة متاجر تشتري وتبيع الذهب الذي يقدمه الغاريمبيروس. وهم يبادلون الذهب بالنقود التي ينفقونها في المدينة، وينتقل الذهب بدوره إلى دول خارجية، عن طريق مدينة ساو باولو البرازيلية ومنها إلى الولايات المتحدة أو أوروبا أو آسيا.

ويقول داريو كوبناوا إن الذهب يأتي على حساب دماء السكان الأصليين، وذكرت قبيلة يانوماني مؤخرا أن الباحثين عن الذهب بشكل غير مشروع قتلوا اثنين من السكان الأصليين، ويعيد الحادث ذكريات مريرة من أيام حمى الذهب التي انتابت البعض في السبعينات والثمانينات من القرن العشرين، عندما قتل الغاريمبيروس ما نسبته 25 في المئة من السكان الأصليين في المنطقة، وفقا لما قاله كوبناوا.

ومن ناحية أخرى أدت جائحة كورونا إلى إحياء الرغبة في الحصول على الذهب، حيث أن هذا المعدن النفيس يحتفظ بقيمته من الناحية الاقتصادية.

ويتهم المنتقدون الرئيس البرازيلي جيبر بولسونارو الذي رحب بفتح إقليم الأمازون أمام الأنشطة الاقتصادية، بأنه يشجع المنقبين عن الذهب وبالتالي دفع عملية إزالة الغابات.

ويعرب كالاماندين عن خشيته من إمكانية أن يؤدي السباق مع الزمن إلى تفاقم الوضع، ويقول “حيث من المتوقع أن يرتفع سعر أوقية الذهب من 1700 دولار في الوقت الحالي، إلى ثلاثة آلاف دولار خلال الأشهر المقبلة، فإن الكثير من المنقبين عن الذهب يسارعون إلى استئناف نشاطهم”.

20