الغاز الفلسطيني والمصالحة

الأربعاء 2017/11/01

ذُكر الكثير عن بعض العراقيل التي صاحبت تسليم حماس السلطة الحكومية في غزة لحكومة عباس. وانحصر الكلام عن بعض العراقيل، في مواقف بعض الموظفين الحمساويين، وهؤلاء من بقايا العناد المديد، الذي سعت مصر حثيثا لإنهاء مرحلته السوداء.

بدورها، استنكفت حماس عن الإشارة إلى ثقل التنافخ الذي تصرف به بعض عناصر الحكومة العباسية، المتأثرة بمنطق الاشتراطات القصوى، التي ركزت على سلاح المقاومة، على الرغم من أن سلطتي رام الله وغزة أصبحتا مفوضتين من الشعب بعد أحد عشر عاما من الانتخابات العامة.

لكن من بين أهم الأسئلة التي ينبغي أن ترتفع في خضم التطور الذي تمثله المصالحة: ماذا عن غاز غزة وما هو تأثيره في تحريك هذا التطور ثم في تخليق المناورات، علما أن تقديرات حجم الغاز الفلسطيني، قفزت إلى كميات مهولة، زادت عن توقعات الـ32 مليار متر مكعب؟

موضوع الغاز، عومل منذ البداية في العام 1999 بطريقة عشوائية وغير دستورية، وقت أن كانت القيادة الوطنية تكابد المصاعب في محاولتها عبور المرحلة الأولى من اتفاقية أوسلو. فقد اكتُشف الغاز في العام الذي كان ينبغي فيه أن تنتهي المرحلة الانتقالية، والدخول في قضايا الحل النهائي. أما المحتلون الذين انقلبوا على مشروع التسوية وظلوا يراكمون على الأرض في الضفة الفلسطينية كل الوقائع التي تجعل التسوية مستحيلة، فقد كان عندهم للغاز المكتشف في بحر غزة، حسبته، قبل أن يضطر هذا الاحتلال إلى إخلاء غزة ومحاصرتها، ثم التشارك مع الجانب الرسمي الفلسطيني في التكتم على شؤون الغاز في بحرها.

انقلاب حماس في العام 2007 أوقف مسار التطور السياسي والدستوري، على أمل إطلاق سياق القصف الصاروخي المكثف، الذي تفننت في إطلاق التسميات على كل وجبة منه، والحديث عن “توازن رعب” مع إسرائيل، على طريق الانتصار العاجل بعد التبشير الخطابي بالصلاة قريبا في القدس. لقد كانت تلك الأمنية الكبيرة تستحق التغاضي ليس عن الغاز وحده، الذي سيشمله الانتصار، وإنما عن الخبز نفسه الذي صبر الناس على شحه وشح الخدمات.

الآن، هناك حراك فلسطيني اجتماعي نخبوي في غزة لفتح ملف الغاز قبل أن تنتقل المسؤولية الكاملة لممثلي الشعب المنتخبين على صعيد البت في شؤونه. وهدف الحراك هو أن يطوي الفلسطينيون مرحلة تناثر المعلومات عن الغاز واستقائها من مصادر الشركات الأجنبية، ومن بين هذه المعلومات ما يجري تداوله عن بيع صندوق الاستثمار الفلسطيني حصته في حقل “غزة مارين” لشركة يونانية. ففي حال أن يكون البيع قد تم، دون معرفة شروطه وبنوده وما تبقى للشعب الفلسطيني من غاز الحقل؛ تكون هذه المخالفة الفادحة قد جرت متزامنة مع قطع كهرباء غزة وإفقار أهلها والفتك بالأوضاع الوظيفية لكادرها وإغراقها في بؤسها.

أما موضوع الغاز فإن الفلسطينيين سيلاحقون تطوراته وسيجعلونه موضوعا مطروحا بقوة على الرأي العام

عدد الأمتار المكعبة من مخزون الغاز الفلسطيني يقفز كلما تقدمت عمليات التنقيب. وهذه يمكن أن تصبح ثروة إنقاذ وطني كفيلة بإحداث تحولات اجتماعية واقتصادية وسياسية. ومن المفارقات أنها جاءت من المنطقة الأكثر حرمانا والتي تعمد طرفا الخصومة خنق حياة سكانها. وكان غموض وضعية صندوق الاستثمار الفلسطيني أحد أسباب التقاط رئيس السلطة محمود عباس فرصة الانقلاب باعتبارها سانحة ذهبية لكي يشطب بجريرة الانقلاب الحد الأدنى من التشريع والرقابة في بنية النظام السياسي الفلسطيني.

كان بمقدوره أن يستعيد شكلا محترما، وإن كان منقوصا بسبب الانقسام، للمؤسسة التشريعية بالدعوة إلى انتخابات عامة تشارك فيها غزة بالترشيح وليس بالتصويت، تلافيا لانفلات السلطة الأمنية في الضفة على المجتمع الفلسطيني كله وقطع الطريق على حماس التي أرادت وهي ترفض التسوية، أن تستفيد من نظام “اتفاقات أوسلو” للظفر بالتمكين لجماعة الإخوان في غزة.

صندوق الاستثمار الفلسطيني جرى تصنيفه حسب توقعات أصوله، ضمن 61 صندوق استثمار سيادي في العالم، بعد اجتياز أصوله حاجز الــ800 مليون دولار، لكن الفلسطينيين لا يعلمون عن هذا الصندوق سوى أن معدلات أجور العاملين فيه تعلو بمسافة خرافية عن معدلات المشتغلين في الجهاز الحكومي وكأنهم من جنس مختلف عن جنس الناس في الحكومة. بل إن أمر هذا الصندوق، كان سببا في الانقسام الفتحاوي لأن النائب وعضو مركزية فتح محمد دحلان، كان، وهو يمتلك علاقات استثنائية وخاصة مع رئيس السلطة، من الجرأة ما جعله يعترض بشدة على انفتاح نجلي محمود عباس على الصندوق للاغتراف منه. فقد وضع دحلان إصبعه على وقائع فساد لا مجال للتوسع في شرحها في هذه المساحة. وبسبب ذلك، أصبح أقرب حلفاء عباس إليه، مرتكبا لأكبر الجرائم في واحدة من أغرب التلفيقات في الحياة السياسية للشعوب.

ألغاز كثيرة تكتنف حكاية الصندوق وحكاية الغاز. وللإنصاف، ولدت رؤوس الألغاز منذ العام 1999 دون أن ترتفع أسئلة واجبة، من بينها وليس كلها: كيف جرى توزيع حصص مشروع التنقيب عن الغاز وحقل “غزة مارين”؟ ولماذا كانت الحصة الفلسطينية التي منحت لصندوق الاستثمار 10 بالمئة؟ ولماذا دخلت شركة اتحاد المقاولين سي سي سي المختصة بمقاولات الإنشاءات، لصاحبها الراحل حسيب صباغ الذي كان صديق عباس، وهي طرف لا داعي له، ومُنحت حصة قوامها ثلاثة أضعاف حصة فلسطين؟ ولماذا أصبحت إحدى الشركات اليونانية طرفا حصريا في اتفاقيات أبرمت مع الصندوق تحت عنوان التطوير، أو حتى طرفا في اتفاقية مفترضة لبيع الحصة الفلسطينية؟ وما هي علاقة وجود مقر سي سي سي الرئيسي في اليونان بالاتفاقيات مع الشركة اليونانية؟

من هنا كان ولا يزال واجبا على حماس أن تلاحق العيار إلى باب الدار، وأن تتماشى مع المصالحة، وأن تقبل بالتأطير الدستوري للسلاح بوساطة مصر والأردن، لكي تصبح فصائل المقاومة قوة دفاع فلسطينية، وذلك كله وصولا إلى حياة دستورية، يُسأل في ظلالها كل طرف عما فعل ويفعل.

أما موضوع الغاز فإن الفلسطينيين سيلاحقون تطوراته وسيجعلونه موضوعا مطروحا بقوة على الرأي العام. فهو الثروة الفلسطينية المتاحة لتحقيق التنمية، ولا تنمية ــ بل لا ثروة ــ في ظل أوضاع داخلية سياسية وسلطوية فاسدة ومختلة.

كاتب وسياسي فلسطيني

8