الغجر جماعة بلا هوية توحدهم ولا وطن يحلمون بسيادته أو العودة إليه

السبت 2014/09/27
الغجر لم يحتفظوا بمدونات تخصهم لكن ملامحهم توحي بأن الهند موطنهم

لندن- تسأل الكاتبة الأميركية ايزابيل فونسيكا: “من أين أتى الغجر؟، ثم تجيب؛ وطنهم في أي مكان، كل مكان يمكن أن يكون وطنا”، تلك هي سيرة الغجر أكثر جماعة انسانية انتشارا على الأرض.

لا أصل لها سوى عادات أبنائها وتقاليدهم. الغجر ليسوا “بقايا” شعب ولا بأقلية أو طائفة ولا أتباع ديانة منسية، هم جماعة، يقال إن هجرتها الأولى انطلقت من شمال الهند، ثم انشطرت إلى جماعات اتّخذت من الترحال مصيرا.

هم “شعب” بلا هوية توحّدهم ولا قومية تجمعهم، ولا وطن يحلمون بسيادته أو بالعودة إليه يوما. مجموعات آمنت أن كل الأرض وطنهم وأن التسكّع لعنتهم. وكما تقول فونيسكا لم يكن للغجر أبطال ولا أساطير عن التحرر العظيم وعن تأسيس الأمة وعن الأرض الموعودة.

ليس لديهم رومولوس وريموس ولا إينياس المقاتل المتجول، ليست لديهم أضرحة أو صروح ولا أطلال ولا كنائس أو أماكن عبادة، إنهم جاؤوا ليجوبوا القفار.

الغجر شعب تحدثت عنه الثقافة الشعبية برومنسية وحطت من قدرهم في الوقت ذاته، وهو شعب قاسى قرونا من الاضطهاد وعدم التسامح في أوروبا وفي الشرق الأوسط.

غرابة أطوار الغجر وطريقة حياتهم جعلت منهم شخصيات ثرية لكثير من الكتّاب والأدباء، منهم غابريال غارسيا ماركيز الذي خلق شخصية ميلكيادس في روايته “مئة عام من العزلة”.

ومن حكايات الغجر استلهم فيكتور هوغو بطلي رائعته “أحدب نوتردام” كزيمودو وأزميرلدا، وعن معاناة الغجر، في العصر الحديث، تتحدّث أحدث أعمال الروائي الجزائري عمارة لخوص، رواية “مزحة العذراء الصغيرة”، التي تدور أحداثها حول حادثة اتهام فتاة ذات 15 ربيعا الغجر بتهمة الاغتصاب بشارع سان سلفاريو الشعبي بمدينة تورينو شمال إيطاليا، الأمر الذي يسبب استنكار سكان الحي للفعل وتهجمهم على الغجر مما يولد حملة عنصرية. وغير ذلك كثير من الروايات والأعمال الدرامية التي استلهمت مواضيعها وأبطالها من حياة الغجر، التي تعدّ مصدر البوهيمية في العالم، حيث الحرية والبساطة والقيود المنكسرة.

لكن لهذه الخصوصيات ثمن دفعه الغجر ولا يزالون، فطبيعة حياتهم جعلتهم أكثر الفئات تهميشا في المجتمعات التي استقرّوا فيها وأكثر “الأقليات” غير المرحّب بها، وليس أدلّ على ذلك من تصريح وزير الداخلية الفرنسي الأسبق ورئيس الوزراء الحالي، مانويل فالس، حين قال “مخطئ من يعتقد بأن هناك إمكانية لحل مشكلة الغجر عن طريق الاندماج”.

استطاع الغجر المحافظة على تراثهم وتقاليدهم وطقوسهم

من بين الذين فروا من سوريا نجد الدومر (الغجر) وهي طائفة مهمشة تعاني من التمييز العنصري في جميع أنحاء الشرق الأوسط. كما هو الحال بالنسبة إلى معظم مجموعات الغجر، فهم ضحايا الأحكام المسبقة رغم تاريخهم الضارب في القدم، ويتم استبعادهم دائما عن حياة المجتمع.

وما يجري لهم في سوريا والعراق اليوم، هو صفحة من صفحات الأيام العصيبة التي عاشها ويعيشها الغجر، الغجر المتواجدون في كل بلدان العالم تقريبا، بسبب الحروب والصراعات، خاصة في المئة سنة الأخيرة سواء في ألمانيا أو أوروبا الوسطى والشرقية في التسعينات أو في الشرق الأوسط حاليا.

القليل من الغجر في الشرق الأوسط أو في أي مكان في العالم يعيشون في المدن ولهم ظائف ثابتة، أما الأغلبية الساحقة فيمكن رؤيتهم وهم يتسولون في الشوارع، أو يقرعون الطبول ويعزفون على المزمار وغيرهما من الآلات الموسيقية في الحفلات والأعراس، أو يقرؤون الطالع أو يؤدون أعمالا يدوية، وهم يفتقدون اللغة المكتوبة ليأرّخوا معاناتهم ليسمعوا أصواتهم.


من هم الغجر؟


تقول ايزابيل فونسيكا في كتابها “سيرة الغجر”، “جاء في كتاب المؤرخ الفارسي حمزة الأصفهاني ‘تاريخ ملوك الأرض’ أن للغجر أسماء كثيرة تضمر في معظمها الإهانة، ومنها: التتار والكفار والعرب والأغريق والأتراك واليهود وشعب فرعون والآثينيون والحمقى”. ويرى هنريتش غريلمان في كتابه: “أطروحة عن الغجر” أن هؤلاء استمدوا أصلهم من الهراطقة اليونان.

ولكي يجعل غريلمان نظرية الأصل الغرائبي أقوى تأثيرا رسخ فكرة أنماط غجرية من النسوة الغانيات وآكلات الجيف. وهكذا حفل تاريخ الغجر بالخرافات والتكهنات التي انتهت عند الكتاب المقدس. فقيل إن الغجر هم الأحفاد الملعونون لقايين: “عندما، أنت، تحرث الأرض فإنها لن تمنحك قوتها بل تكون طريدا ومتسكعا في العالم”، على ما جاء في “سفر التكوين”. وأشار الغجر أنفسهم بصورة مخادعة إلى أن التسكع في الأرض هو لعنتهم “المقدسة”.

وتقول أغلب الدراسات والأبحاث إن هجرتهم الأولى انطلقت من شمال الهند، إلى افغانستان مرورا بإيران والعراق وبلاد الشام ومصر وأسبانيا ومعظم دول أوروبا الشمالية والوسطى وصولا إلى فرنسا والمملكة المتحدة عبورا بالأطلسي في اتجاه الولايات المتحدة ودول أميركا الجنوبية.

خلال هذه الرحلة انقسم الغجر إلى مجموعتين: مجموعة سافرت في اتجاه الشمال وأصبحوا الغجر الأوروبيين ويعرفون بـ”الروم”، وتعني المتسكع، أما المجموعة الثانية فسافرت في اتجاه الجنوب وأصبحوا يعرفون بـ”الدومر”، وتعني قبائل غير معروفة.

في سوريا وفلسطين والأردن ولبنان هم "غجر" أو "نور" وفي السودان هم "الحلب" وفي العراق "كاولية"

حتى أواخر القرن العشرين ظلت شعوب الغجر تعيش حياة التنقل والترحال. وهناك من الغجر، من تأثر بأنماط عيش الشعوب التي ساكنوها وبوسائل المدنيَّة، فتحوّلوا إلى الحياة الحضرية وهجروا عيش الترحال، وسكنوا البيوت في المدن والقرى، واحترفوا حرَف أهلها ولكنهم بقوا على اتصال وثيق ببعض تقاليدهم الموروثة عن هجرتهم الأولى، وهو اتصال مقرون بالحنين والتوق إلى عالمهم القديم المشحون بالعاطفة، وهناك من يقول إن الذين استقروا هم جماعات طُردت من الجماعة الغجرية الكبيرة في وقت ما لخروجها على قواعد العُرف والتقاليد السائدة بينهم.


من هم غجر الشرق الأوسط؟


الغجر في الشرق الأوسط هم كتلة بشرية متكونة من سبع مجموعات غجرية توجد في ست بلدان بالأساس، ويطلق عليهم اسم “الدومر”، يتواجد ثلثيهم في الشرق الأوسط (خاصة مصر ولبنان والعراق وسوريا) والثلث الآخر في آسيا الوسطى (خاصة في إيران). يعيش غجر الشرق الأوسط متفرقين في مصر وإيران والعراق ولبنان وتركيا. وأغلبهم رحّل يهيمون من منطقة إلى أخرى ويعتمدون على الناس لكسب عيشهم.

ومن الشائع أن يختص الغجر في مهنتين اثنتين أو أكثر من أجل تسهيل التأقلم مع تغير حاجات المجتمع. وعندما يصبح سكان منطقة ما في غير حاجة إلى مهارة معينة من مهارات الغجر ينتقل هؤلاء إلى منطقة أخرى تحتاج خدماتهم.
الغجر عاشوا بين حضارات وشعوب مختلفة

استقرت المجتمعات الغجرية في كل مكان تقريبا، من الشرق الأوسط إلى آسيا الوسطى. خارج سوريا، يمكن للمرء أن يجدهم في لبنان وتركيا والأردن وفلسطين ومصر، وأيضا في قبرص وكردستان العراق وفي إيران وأوزبكستان وأفغانستان.

وينقسم غجر الجنوب إلى عدة مجموعات أهمها:

* الهَلَب: وهم أكبر المجموعات الدومرية ويتركزون في مصر وليبيا

* النَوَر: يتركزون في مصر (الدقهليه)-فلسطين- الأردن -سوريا -إيران

* الغُربَتي: يتواجدون في غرب إيران وأيضا في سوريا والأردن

* اللولي: يتركزون في غرب إيران وأزبكستان وقرغيزستان

* الزُط: يتواجدون في سوريا والعراق

* المهتار: يتركزون في إيران(محافظة فارس ومحافظة كهكیلویه)

* الكراتشي: يتواجدون في شمال إيران والقوقاز وشمال تركيا

* اليُرُك: يتواجدون في تركيا وإيران

* البراكي: يتواجدون في سوريا والأردن

* المزنوق: يتواجدون في أزبكستان وإيران


ما هي طريقة عيشهم؟


يتميز أغلب الغجر بالبشرة الداكنة والشعر الأسود. وطريقة عيشهم جعلت منهم موضوعا مثيرا للفضول وكتبت حولهم الكثير من الروايات الدرامية، مثلما صيغت حولهم الكثير من الحكايات في الخيال الشعبي جعلت منهم محلّ ارتياب وحتى الخوف بين أهالي المناطق التي يحلّون بها. الغجر الرحل إما يتنقلون في قوافل من العربات أو يركبون الجمال أو الحمير أو الخيول. ويعيش الغجر المستقرون في منازل شبيهة بالمنازل الموجودة في المنطقة التي يستقرون فيها.

عرف الغجر منذ وقت طويل بمهاراتهم في العزف والغناء والرقص، كما يمتهنون الكثير من المهن الأخرى المتنوعة. الرجال هم صناع مهرة للمناخل والطبول وأقفاص العصافير وحصائر القصب، وتتولى النساء بيع القماش والأحذية وأواني المطبخ أو المنتوجات التي يصنعها الرجال، والكثير منهن يرقصن ويغنين، وبعض النساء والأطفال يجبرون على التسول أو حتى سرقة الطعام كوسيلة للبقاء.

هجرة الغجر عن طريق الشرق الأوسط وشمال أفريقيا إلى أوروبا

هناك صورة نمطية للغجر تتمثل في عاداتهم الحياتية المتسخة بسبب طريقة عيشهم غير المستقر، فمن النادر عندهم ممارسة عادات الصحة والنظافة. كما لا يحظى الأطفال بالعناية اللازمة إذ تتدلى شعورهم طويلة، ونادرا ما يلبسون الأحذية. وتستعمل العربات المجرورة بمثابة وحدات عيش ودكاكين وكذلك للتنقل، مما يساهم في جعل طريقة عيشهم غير صحية. وتكتسب قيم العدالة والوفاء والأخلاق أهمية كبرى في حياة الغجر، إضافة إلى المعاملة بلطف والصداقة. ويتم التحكم في الخارجين عن الطريق السوي بحزم كبير يصل إلى الطرد من المجموعة.


ما هي احتياجاتهم؟


يحتاج الغجر في الشرق الأوسط إلى تحسين جودة الرعاية الصحية والتغذية والسكن وتوفير الفرص التعليمية المناسبة من أجل الترفيع في مستوى معيشتهم.

من الناحية الروحية جعلت طريقة عيشهم غير المستقرة من الصعب على البعثات الدينية الوصول إليهم، فضلا عن أن شهرتهم بالسرقة والتسول جعلتهم غير مرغوب فيهم. ولا تتوفر لدى أغلبية الغجر مصادر دينية. وغجر الشرق الأوسط هم أكثرية مسلمة وأقلية مسيحية، وفق المجتمع الذي يحتكون به، لكن هناك عددا قليلا بقي متشبثا بمعتقدات الغجر التقليدية.

ومن معتقدات الغجر أن الإنسان خلق من أصول ثلاثة وأن أجداد البشرية ثلاثة رجال أحدهم أسود وهو جد الأفارقة والآخر أبيض وهو جد الأوروبيين وأمثالهم من البيض والأخير هو جد الغجر، وأن هذا الجد يسمى (كين) وقد قتل شقيقه وعوقب من الله بأن جعله هائما في الأرض هو وذريته من بعده.


كيف يعيش أغلب غجر الشرق الأوسط؟


يشير تقرير لشبكة "إيرين" الإنسانية أنه من بين جميع المجتمعات اللبنانية، يعتبر الدومر، الذين يصفهم بعض الباحثين بأنهم “غجر لبنان”، الأكثر تهميشاً

كمال فورال تارلان، مصوّر ومخرج متخصّص في الأفلام الوثائقية، وهو من بين القلة النادرة بتركيا –سواء على مستوى الأفراد أو الجمعيات- التي تناهض للاعتراف “بالأقليات الخفية”. في حوار مع صحيفة “لونوفال اوبسرفاتور” الفرنسية، “يشمل الشرق الأوسط بمجمله أكثر من خمسة ملايين من الغجر، إذا أخذنا في الاعتبار طائفة “الزوط” في إيران و”الغربة” في العراق، وما إلى ذلك. وتحتوي سوريا على أوسع مجتمعات للغجر في جميع أنحاء الشرق الأوسط. ومن المؤسف أنه لم يتمّ بعد إحصاء عددهم بحكم أن معظمهم لا يملكون وثائق هوية.


◄ غجر سوريا


يؤكد مراقبون أنه يصعب وجود بيانات رسمية عن اللاجئين الغجر السوريين، لأنهم يرفضون الاعتراف بأنهم غجر حتى يتمكنوا من الحصول على المساعدات وتفادي معاملات التمييز. ويقول كمال فورال تارلان: “معظم الغجر معروفون بكونهم موسيقيين أو عرّافين، والواقع أنهم حرفيون أو أطباء أسنان غير معترف بهم وليسوا بدوا. وعلى الرغم من تواجدهم منذ قرون في سوريا، فهم لا يُعتبرون جزءا من السكان”.

وأحصت البيانات الرسمية الأولية 10.000 من الغجر اللاجئين في أورفة (في الأناضول) في بداية الحرب. ولكن وفقا لكمال فورال تارلان، الذي يوثق حياة الدوم في هذه المنطقة من جنوب شرق تركيا، يبلغ عددهم أكثر من 30.000، منتشرين في جميع أنحاء البلاد. ويقول تارلان: “لم ترغب الدول المجاورة لسوريا أبدا في إيواء اللاجئين الغجر. لذلك، في البداية، أخفى الغجر، في المخيمات، هويتهم حتى لا يتمّ استبعادهم. ولكن بحكم نزعتهم إلى الحرية المطلقة، كان من المستحيل احتجازهم في مكان محدّد. لذلك سرعان ما سعوا إلى اللجوء إلى الأماكن حيث استقرت أسرهم من قبلهم، في لبنان وتركيا والأردن”.

ويقول الغجر اللاجئين من سوريا إلى تركيا إنهم تعرضوا إلى العنف من النظام والمعارضين على حد السواء بما أنهم لم يناصروا أيا من الجانبين وبقوا على الحياد. كما أجبروا على النزوح وتم تحطيم ونهب ممتلكاتهم. ونتيجة للغارات الجوية على مدينة حلب مات الكثير في أحياء مثل الحميدية والأشرفية حيث كان يقطن الكثير من الغجر.

بمرور الأيام عمدت المجموعات التي تتقاتل على أساس ديني أو مذهبي إلى زيادة استعمال العنف تجاه الطوائف التي تحمل اعتقادات مختلفة. وأجبرت المجموعات الغجرية، وخاصة الذين يدينون بعقيدة علوي بكتاشي، على حياة النزوح واللجوء إلى المناطق تحت سيطرة النظام أو البلدان المتاخمة وترك منازلهم في حلب وحما وحمص بسبب الضغوط من الإسلاميين المتشددين. وبالرغم من عدم توفر إحصائيات دقيقة عن عدد الغجر في تركيا الذين لجأوا من سوريا إلى تركيا فيقدر عددهم بعشرة آلاف غجري من اللاجئين السوريين.


◄ غجر العراق


يؤكد مراقبون أنه يصعب وجود بيانات رسمية عن اللاجئين الغجر السوريين، لأنهم يرفضون الاعتراف بأنهم غجر حتى يتمكنوا من الحصول على المساعدات وتفادي معاملات التمييز

قبل الاحتلال الأميركي للعراق كان هناك حي مشهور للغجر قريب من حي أبو غريب المعروف بمعتقلات التعذيب. وما حدث للجالية الغجرية هناك هو مثال بارز لمعاناة الغجر خلال الحروب. في عهد صدام كانت هذه الجالية التي تعد قرابة خمسين ألف نسمة تعيش على الموسيقى والرقص في الحفلات والمناسبات.

وبعد الغزو الأميركي، تم تدمير البيوت وقمع الأقليات الإثنية والدينية. ونال الغجر نصيبهم من الخراب إذ تم تدمير أحيائهم بالكامل وإحراق منازلهم. وفي خضم الفوضى تعرض الغجر للكثير من الهجمات الوحشية التي شنتها المجموعات الأصولية مثل المليشيات الشيعية وتنظيم القاعدة وتنظيم الدولة الإسلامية مما أسفر عن فقدان الآلاف من الأرواح من بين الأطفال والنساء والرجال.

نتيجة لسكوت الحكومة العراقية عن هذه المجازر أجبرت آلاف العائلات الغجرية على ترك قراها ومدنها ونزح أفرادها إلى المدن الكبرى حيث وجدوا أنفسهم مجبرين على ممارسة أعمال غير قانونية مثل التسول والسرقة والبغاء. كما أجبر الكثير منهم على العودة إلى حياة الترحال بسبب التمييز المسلط عليهم في المناطق التي قصدوها.


◄ غجر مصر


في مصر بالرغم من وجود مليونين ونصف المليون من الغجر لا توجد شهادات ميلاد رسمية ولا أرقام بطاقات هوية لأغلبهم. هناك مجموعات الدومر (الغجر) تصل أعدادهم إلى مئة ألف في كثير من المدن مثل القاهرة والاسكندرية، وأجبر الدومر المنعزلون اجتماعيا على العيش في مناطق فقيرة. ويشتغلون في أعمال يومية مثل سباكة المعادن وقراءة الطالع والرقص.

بعد انهيار نظام مبارك في سنة 2011 وضع الكثير من الغجر آمالهم في الثورة لكن سرعان ما انهارت تلك الآمال، حيث يعتبر الإسلاميون الأقليات الإثنية والدينية غير مساوية لهم.

ويعمل الغجر في مصر في صناعة المناخل من شعر الخيل والرقص الشعبي وتدريب القرود ـ خاصة من يسكنون منطقة الأزبكية بالقاهرة ـ وأعمال البهلوانات في الموالد، وتقوم الغجريات بقراءة الطالع والغناء والتسول. من مشاهير الغجر في مصر الفنان الشعبي الريس متقال.


◄ غجر لبنان وتركيا


يشير تقرير لشبكة “إيرين” الإنسانية أنه من بين جميع المجتمعات اللبنانية، يعتبر الدومر، الذين يصفهم بعض الباحثين بأنهم “غجر لبنان”، الأكثر تهميشاً، إذ أشار تقرير جديد إلى أن ما يصل إلى 68 بالمئة من أطفالهم لا يذهبون إلى المدارس.

وفي إطار دراسة بشأن التمييز ضد الدومر في لبنان، أحصت جمعية “أرض الانسان” اللبنانية والمنظمة غير الحكومية السويسرية “تير ديزوم” 112 من المنتمين إلى هذه المجموعة في المناطق التي توجد فيها: بيروت وجنوب لبنان. 72 في المئة منهم يحملون الجنسية اللبنانية.

وتشير كاترين هالي، رئيسة قسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لدى “أرض الانسان”، إلى ان معظم الغجر يحملون الجنسية، إلّا أنهم لا يعتبرون لبنانيين. فهم مجموعة اجتماعية ينظر إليها على أنها أقل درجة. ولذلك يُنسب إليها العديد من المواقف المنحرفة. فيُعتبر الرجال كسالى يستفيدون من عمل المرأة التي، بدورها، تُعتبر ضعيفة ودون حياء.

ظل الغجر ضحايا الحروب بين الدول وبين الجماعات الدينية والإثنية

من جهته، قال جيسون سكواير، ممثل منظمة “تير ديزوم” في لبنان إن “نتائج هذه الدراسة تصرخ مطالبة جميع الأطراف الفاعلة على الساحة الإنسانية بإعادة التفكير في مبادراتها وبرامجها الحالية وإضافة الدوم وأطفالهم إلى الخريطة الإنسانية في لبنان”. وأضاف أن “المجتمع الأوسع في لبنان لا يعيش أو يجرب نفس المصاعب اليومية التي يواجهها الدومر”.

في تركيا، تشير عالمة الاجتماع سيلين أونين، في دراسة لها حول حقوق الغجر في المجتمعات المحلية في تركيا، إلى أن الغجر لا يتمتعون بأي من حقوق المواطنين (المدنية والاجتماعية والسياسية والثقافية).

وليست حالة الدومر أفضل في الأردن حيث يتراوح عددهم بين 25 ألفا و50 ألفا. ويرى بعض الباحثين أنها أكثر المجتمعات “هامشية” في البلاد، في حين أنهم استقروا بها منذ زمن بعيد.


ماهو مستقبل الغجر في الشرق الأوسط؟


ظل الغجر ضحايا الحروب بين الدول وبين الجماعات الدينية والإثنية الذين عاشوا معا لقرون. واليوم ما هو رأي الادارات الجديدة والهياكل السياسية في الشرق الأوسط عن مستقبل الأقليات الدينية والاثنية بمن فيهم الغجر؟ يبقى السؤال إلى حد الآن دون جواب. وما لم تعطى الضمانات في أن يعيش هؤلاء الناس في “سلام ومساواة” مع حقهم في حياة انسانية ستتشوه بنية التعددية الثقافية في الشرق الأوسط. وفي في ظل اشتعال التعصب الاثني في كل أرجاء العالم من أوروبا إلى الشرق الأوسط سيبقى الغجر “شعبا لا يحصى”، وسيرة عذابات هذا العصر، الذي لم يفضح المؤرخون عوالمه السرية ومدوناته شديدة الحلكة وكثيرة الوحشية لأكثر المجموعات الإنسانية تهميشا.

“الغجر يكذبون كثيرا. وهم إذ يكذبون يتوهمون تسلية أنفسهم، ومراوغتها بعبث البقاء. فمعجزة البقاء جعلت الغجر يقاومون كل محاولات التذويب، والانخراط في الجماعات، والقيام بتدوين تاريخهم وما فيه من حكايات”. (سيرة الغجر – إيزابيل فونيسكا).

6