الغذاء الفاسد يسمم أبدان اللبنانيين

ضحايا التسمم الغذائي في لبنان يكشفون الغطاء عن عدد كبير من الأغذية والمياه الفاسدة والمصانع والمحلات غير المستوفية لأدنى شروط الصحة والنظافة، حتى أصبح الفساد عنوانا لكل مطعم ومحل حلويات وبقالة وفرن خبز، فصار اللبنانيون لا يعرفون ماذا يأكلون أو يشربون.
الخميس 2016/08/25
لا شيء يصلح للأكل

بيروت- اتسعت دائرة الفساد الغذائي في لبنان لتشمل اللحوم والمعلبات والخبز والخضار وحتى المياه ليصبح المواطن مهددا بالتسمم من أي شيء يستهلكه، وازدادت مخاوف اللبنانيين على أطفالهم في ظل عجز الحكومة عن وضع حد لهذه الموجة من الفساد التي تزداد كل يوم، في ظل غياب الرقابة وطغيان المحسوبية والرشوة.

وفي ظل استمرار أزمة فساد الغذاء التي تلاحق صحة اللبنانيين، بالرغم من جهود وزارة الصحة للسيطرة عليها، يبحث اللبنانيون عن أمنهم الغذائي لدى أديار الرهبنة اللبنانية المارونية المنتشرة في عدد من المناطق اللبنانية.

وإذا كان حق الإنسان في الحصول على الغذاء الكافي والآمن هو أحد الحقوق المعترف بها في القوانين المحلية والدولية، لا يزال اللبنانيون يحلمون بالحصول على هذا الحق، بعد الكشف عن ملف فساد الغذاء الذي يبدأ بالمياه ولا ينتهي برغيف الخبز.

ويتساءل اللبنانيون قائلين، “إذا تبيّن أن اللحوم فاسدة، ربّما نأكل الحبوب أو الخضار، لكن في حال تلوّثت المياه ماذا سنشرب؟”. وأثبتت الفحوصات التي تم إجراؤها للمياه التي تباع من الشركات أن قسما كبيرا منها غير مطابق للمواصفات.

وأكد وزير الصحة العامة، وائل أبوفاعور، أن أغلب محطات تكرير المياه في لبنان غير مطابقة لمواصفات الجودة والتنقية، مشيرا إلى أن هناك أكثر من 800 محطة ومؤسسة تقوم بتعبئة وتكرير وبيع المياه للمواطنين.

وتؤكد جمعية حماية المستهلك في لبنان أن عملية بيع المياه في لبنان تتم خارج أطر المراقبة، ولا تتمتع بمعايير السلامة والصحة العالمية، وهناك أكثر من ألف محل لبيع المياه داخل الأراضي اللبنانية تعمل في ظل غياب المراقبة، مع جهل مصدر مياهها التي تباع للمواطنين، بالإضافة الى أن أكثر من 80 في المئة من هذه المحال لا تمتلك تراخيص للعمل، ولا تخضع للرقابة، ومعظمها يفتقر إلى أدنى معايير النظافة وأساليب التعقيم.

لا تزال حالات التسمم تصيب المواطنين بسبب تلوث الغذاء وفساده حيث تتحدث بعض التقارير عن وجود من 10 إلى 15 حالة تسمم أسبوعيا

وبالرغم من قيام وزارة الصحة اللبنانية بتحديد المعايير والمواصفات المطلوب تطبيقها في المؤسسات الغذائية حرصا على سلامة الغذاء، وذلك في لائحة تم تسليمها للمطاعم والفنادق ومؤسسات الصناعات الغذائية، لم تتمكن الوزارة بعد من إقفال هذا الملف، حيث تتحدث بعض التقارير عن وجود من 10 إلى 15 حالة تسمم أسبوعيا.

وتكشف العينات التي تؤخذ من المطاعم عن وجود السالمونيلا في اللحوم وكذلك إيكولاي وبكتيريا متعددة الأنواع داخل اللحوم في هذه الأماكن، والمدهش في الأمر أن هذا ليس موجودا في مطاعم مغمورة أو ليست مرخصة وإنما في الكثير من المطاعم بعضها منتشر حول العالم.

وفي العام 2014 أطلق وزير الصحة العامة في لبنان وائل أبوفاعور حملة “سلامة الغذاء” التي طالت مؤسسات ومطاعم وأفرانا، وأظهرت نتائج كشوفات وزارته مخالفات غذائية خطيرة وقاتلة في مختلف المناطق اللبنانية.

ومن مظاهر الفساد المشارك في هذه الكارثة القضاء، حيث يصرح أحد المسؤولين عن حماية المستهلك أنه تم ضبط وتحرير محاضر بقيمة 25 مليون ليرة ضد أشخاص ومحلات ومخازن في قضايا فساد أغذية، لكنه تعجب من إفراج القضاء عن بعضهم حتى أن الغرامات قدرت بـ500 ألف ليرة فقط.

وهناك واقعة أخرى أُحيلت للنيابة العامة ضد تجار ضبطت بمخازنهم أكثر من 170 طنا من اللحوم الفاسدة وأكثر من 10 أطنان من الأسماك، وعلم قاضي التحقيق بأن أكثر من 100 مؤسسة تتعامل مع هؤلاء التجار ولكن حتى اليوم لم يتم التحذير منها.

ولا تزال وزارة الصحة تصدر تقريرا أسبوعيا، في إطار استمرار حملة “سلامة الغذاء”، تعلن فيه أسماء المطاعم ومحال الحلويات والمحال التجارية والمطاحن والأفران التي تمّ إغلاقها وتلف محتوياتها لعدم توفر الشروط الصحية المطلوبة فيها. كما يظهر تقرير الوزارة الأسبوعي أسماء المطاعم والمحال التجارية والمطاحن والأفران التي قامت بتسوية أوضاعها.

بضاعة منتهية الصلوحية

وقد صدر قانون سلامة الغذاء في لبنان في 24 نوفمبر العام الماضي، وأبرز ما تضمّنه إنشاء الهيئة اللبنانية لسلامة الغذاء، وحصر مهمات مراقبة الغذاء بهذه الهيئة، مع وجود آلية للتنسيق بين الهيئة والإدارات والوزارات المعنية، ومراعاة المعاهدات الدولية لسلامة الغذاء، لا سيما تلك المتصلة بتدابير الصحة والصحة النباتية والقيود الفنّية على التجارة.

ولكن هذه الهيئة لم تنشأ حتى الآن، ويطالب المجتمع المدني بإنشائها بأسرع وقت ممكن لتأمين حماية صحة المواطن اللبناني. وقد أثارت قضية الفساد الغذائي الأخيرة التي تهدد حياة اللبنانين سخطا بين رواد مواقع التواصل الاجتماعي، الذين حرصوا على نشر القضية بكثافة في تدويناتهم الخاصة بشكل ساخر من خلال نشر تصريحات لمسؤولين عن هذه القضية.

منتوجات الأديار مصدر ثقة

في ظل هذا الواقع، وجد العديد من اللبنانيين في منتوجات أديار الرهبنة اللبنانية المارونية مصدرا يحوز على ثقتهم، لناحية تأمين غذاء طبيعي بعيدا عن التلوث والفساد.

ويتوجه قسم كبير من المواطنين اللبنانيين الى الأديار اللبنانية المارونية التي تمتلك مساحات واسعة من الأراضي في العديد من المناطق اللبنانية، وتقوم بزراعتها موسميا، وتبيع ما يفيض من إنتاجها عن حاجة الرهبان في تلك الأديار لمن يرغب من المواطنين.

وقال الأب أنطوان سلامة من دير سيدة طاميش في جبل لبنان “تتنوع منتوجات الأديار اللبنانية المارونية، بحسب المناطق، ففي شمال لبنان هناك زراعة الخرما إضافة إلى التفاح والإجاص والخوخ والكرز والأفوكادو، وفي دير مار موسى مثلا في جبل لبنان هناك زراعة الكرمة ومنها يصنع النبيذ المعروف باسم ‘اديار’ وكذلك في دير كفيفان (شمال لبنان) ودير قبيع ( جبل لبان)”.

وفي الأراضي التابعة لدير سيدة طاميش، أضاف الأب سلامة، “هناك أشجار الزيتون التي يستخرج منها الزيت، والكرمة التي بات عددها قليلا وكان يصنع منها العرق، وهناك أشجار الأفوكادو والقشطة والحمضيات بمختلف أنواعها، إضافة إلى الخضار والأبقار التي نصنع من حليبها الأجبان والألبان إلى جانب تربية الدجاج وإنتاج البيض، وكل هذه المنتجات تعرض للبيع اليوم في دكان صغير تابع للدير”.

وزارة الصحة لا تزال تصدر تقريرا أسبوعيا، في إطار استمرار حملة “سلامة الغذاء”، تعلن فيه أسماء المطاعم ومحال الحلويات والمحال التجارية والمطاحن والأفران التي تمّ إغلاقها

وقد بدأت عملية بيع الإنتاج في دير سيدة طاميش منذ حوالي 25 عاما، تابع الأب سلامة، “لكن بعد الكشف عن أزمة فساد الغذاء، ازدادت نسبة شراء الناس لمنتجات الدير بشكل كثيف، وخاصةً الأجبان والألبان”.

وأشار إلى أن “هذه الزراعة غير مربحة لكنّها تردّ كلفتها، ورغم ذلك نحن مستمرون بالإنتاج الزراعي”، مشيرا إلى أن” الزراعة في الأراضي التابعة للدير، تتميّز باستخدام مياه نظيفة واستخدام مدروس للأدوية الكيميائية والمخففة جدا، إضافة إلى وجود العديد من مستأجري مساحات من أراضي الدير، يزرعون بالطريقة العضوية”.

وقالت زبيدة عكاوي مسؤولة المبيعات في أحد أديار الراهبات في منطقة المتن الشمالي في جبل لبنان، الذي فضلت رئيسته عدم ذكر اسمه، “يتهافت سكان المنطقة إلى الدير لشراء منتجاته من الخضار والألبان والأجبان كلما سربت وسائل الإعلام أخبارا عن التلوث في مياه الري في مناطق البقاع أو الجنوب، أو تلوث المنتجات الزراعية والحيوانية في البعض من المحال التجارية أو المصانع، فيزداد الطلب على منتجات الدير بشكل كبير حيث لا نتمكن في معظم الأحيان من تلبيته”.

وأضافت “ينتج الدير أيضا بعض المنتوجات المحضرة باتباع الطريقة التقليدية، دون استخدام للمواد الحافظة، حيث يتم حفظها بواسطة الملح أو السكر أو الخل الطبيعي، إضافة إلى الزيتون والزيت والزعتر البري المطحون، وماء الزهر والورد وكلها من صنع الراهبات في الدير”.

ماذا نأكل؟

قالت ريما التي فضلت عدم ذكر اسمها كاملا “في ظل الفساد وانعدام الثقة بقدرة المسؤولين اللبنانيين على ضبطه، لا أشتري أيا من أصناف الخضار أو الفاكهة إلا من منتوجات الأديار حيث التربة والمياه نظيفتان”.

لحم برائحة كريهة

وقال فادي لحود “منذ حوالي 15 عاما أتردد على دير سيدة طاميش وأشتري ما ينتجه الدير من فاكهة وخضار وأجبان وألبان لأني أثق بأن هذه المنتجات خالية من المواد المضرّة، وأعرف أن مياه الري المستخدمة في الزراعة نظيفة غير ملوثة، وإذا لم أستطع تأمين حاجتي من المزروعات هنا أذهب إلى بعض القرى الجبلية لتأمينها، حيث المياه نظيفة والمنتجات خالية من المواد المضرّة”.

وقال إسماعيل ساحة “إن المواطن اللبناني يعيش هاجس فساد الغذاء والتلوث وتأثيرهما على صحة الإنسان، وتشير التقارير إلى ازدياد الأمراض السرطانية في لبنان بنسبة 25 بالمئة، والسبب هو تلوث التربة الذي يؤدي إلى تلوث الغذاء، إضافة إلى استخدام الأسمدة والأدوية الكيميائية بطرق عشوائية”.

وأضاف سماحة “بالرغم من مراقبة وزارة الصحة، لا تزال حالات التسمم تصيب المواطنين بسبب تلوث وفساد الغذاء، أما سبب ما يحصل فهو عدم قيام المسؤولين بواجباتهم، ولا تتحمل وزارة الصحة المسؤولية وحدها بل ينبغي أن يتكامل دورها مع دور وزارة الزراعة والاقتصاد والبلديات”.

وقد كشف وزیر الصحة العامة مؤخرا عن البدء بتطبيق برنامج تصنیف الجودة في المطاعم اللبنانية في العاصمة بيروت، بهدف إعطاء الثقة للمواطن اللبناني والمقیم والسائح الأجنبي، ومن جهة ثانیة إعطاء الحافز للمطعم اللبناني لتحسین أٔوضاعه، حيث من المفترض تعلیق الشهادة على مدخل المطعم لیراها المواطن أو المقیم أو السائح ویقرر ما إذا كان سيدخل إلى المطعم أم لا.

ورغم كل محاولات وزارة الصحة، يبقى الغذاء الآمن الخالي من أي تلاعب أو فساد، مطلب اللبنانيين جميعا، وهم يأملون في تحقيقه في أقرب وقت ممكن، وإن كان ذلك ليس بالأمر السهل.

20