الغرافيتي الفج: إنه زمن الجدران الفاصلة والكلمات الخارقة له كالنجوم

لن تمنع الجدران التي نصبها الكيان الصهيوني من أن أروع الاختراقات.. تلك التي هابها تاريخيا ويهابها حاضرا، إنها اختراقات كالنجوم.
الاثنين 2019/07/29
اجتراح المعنى من خلف الظاهر (من معرض المصور جوزيف كوديلكا)

خلال السنة السابقة زرت معرضا في “دار النمر للثقافة والفن” بعنوان “الجدار” وقوامها 17 صورة فوتوغرافية صورها الفنان التشيكي جوزيف كوديلكا عن الجدار العنصري الذي بنته إسرائيل وصور من بيروت في نهاية الحرب الأهلية. وتعبر الجدران في بيروت عن عزلة داخلية تخص أهل البلد هشمتها الشظايا والرصاص.

لم أكتب عن المعرض كما لم أكتب عن المعرض الفانتازي الذي قدمته الفنانة الفلسطينية المتعددة الوسائط لاريسا سانسور، الذي شكل نوعا من طرح حلول عجائبية ومقنعة جدا عن كيفية تخطي الجدار الفاصل بناء على فكرة أنه جدار وهمي “حيَ” وقابل للتحوّل فالانحلال. وكيف لا ولا يصح إلاّ الصحيح: فكرة بنتها الفنانة انطلاقا من عرضها الفني الذي يشي بخيال عارم وواقعي جدا في آن واحد.

لم أكتب حينها لإحساسي بأن هكذا معرضين سيكونان في صلب مقال آخر لا تهمه تغطية المعرضين بقدر ما يهمه استخراج غير المباشر منهما ودفعه إلى حدود أخرى. يبدو أن الفرصة جاءت اليوم.

على طول أوتوستراد منطقة “خلدة” ترصّعت الجدران بشعارات رافضة لمستوى الحياة التي وصل إليها القاطنون في لبنان. شعارات خطها ومن دون شك لبنانيون وفلسطينيون هم الأصدق والأكثر لا مرئية في عيون الطبقة الحاكمة. بعد عدة أشهر جرى طلاء تلك الكتابات ظاهريا “لجمالية” المنظر وداخليا لأسباب عنصرية وسياسية لست هنا بصدد الحديث عنها. ثم بعد عدة أشهر أخرى عادت تلك الكتابات إلى الظهور، ليعود الطلاء من جديد يفعل فعله في منطقة مفصلية تفصل ما بين بيروت والمناطق الأخرى مثلها كمثل الجدران الفاصلة التي تأبى أن تظل كذلك.

وذكر مصدر صحافي لبناني حول ذلك “كان من بروتوكول الطلعة على الجنوب (الذهاب إلى الجنوب) أنك تقرأ على الجدران عبارة ‘يا سودة أنت يا سودة بحبك حب غريب، حتى من هيدي حرمونا'”.

تكرّر الأمر في كر وفر جاعلا من تلك الجدران صروحا افتراضية هشة تعبر عن سهولة اختراقها. صروح شبيهة بصروح لاريسا سانسور الخيالية التي لن تمنع الفلسطينيين من أن “يكونوا”.

ومنذ مطلع الشهر الحالي عادت تلك الكتابات. وربما يحلو للكثيرين تخيل أنفسهم كأنهم من خلال الإمحاء المتتالي للكتابات أمام كتاب سحري مفتوح لا تقلب صفحاته إلاّ لتعود مجددا ولا تمحى عنه الكتابات، إلاّ لتظهر مجددا من خلف طبقات الطلاء المتكررة والمُضاعفة بكتابات جديدة.

أعادتني حيوية تلك الجدران إلى أعمال المصوّر كوديلكا لاعتماده البانورامية وغياب الألوان التي اقتصرت على الأسود والأبيض والرمادي. أعادتني وبقوة إلى تلك القدرة على اجتراح المعنى من خلف الظاهر. هذا ما رأيته، وعن بعد، لحظة دخولي الصالة الواسعة لرؤية صور كوديلكا.

أقصد بالتحديد الصور التي بدت فيها مدينة بيروت والجدار الفاصل مشغولة ديجيتاليا وهي ليست كذلك البتة، الأمر الذي اكتشفته عندما اقتربت منها، فما بدا في البداية كأنها نجوم رصعت سماء ليلية انسكبت على حدود المنشآت المعمارية ليست إلاّ صفائح سوداء اخترقتها رصاصات وشظايا.

كما في صور كوديلكا، لاسيما تلك التي ذكرتها آنفا، يجيء “رفض” فكرة الجدار الفاصل وخروج المخفي الأكثر صدقا إلى العلن بالرغم من رغبة الآخرين، تأتي كذلك في أعمال سانسور الكتابات على جدران المطلية “افتراضيا” ومؤقتا سالخة للحالة الظاهرية ومعبّرة عن حياة لا يمكن هزيمتها.

الكلمات “غير الموقعة” مثلها كمثل الأعمال الفنية التي تستحق الالتفاتة إليها، والتي نعثر عليها على جدران الأوتوستراد تحمل زخما فنيا بسيطا حينا وشاعريا أحيانا أخرى وتشي بثقافة كاتبي الكلمات وحساسيتهم الشعرية.

أذكر منها “هو الحب كذبتنا الصادقة/ يا ريت عندي طيارة لأمحي فيها دمعتك في بيروت وأرى ابتسامتك في برلين/تكون كأنك لم تكن/ لولو الصعبة/ الأبد في عينيك/ متى نكون؟/ أنا من أنا؟/ أحبك حبا فلسطينيا يا هند/ نظفتوا الحيط ووسختوا البلد/ عدنا!/ الجدار جدارنا/ في عتمة الليل أشرب وأضحك/ ملك أيها الحزن وما لك علينا من تار؟/ متى الفستان الأبيض يا حميدو؟/ طرشوا الحيط فنحن أبقى!/ أنت والجدار واحد/ إنتي فلتر حياتي/ أنا هنا/ إن كنت أنا هنا فأنت أين؟/ خبز وحلم ووطن/ الأرض بتتكلم عربي”.

ويلفت النظر في هذه الكتابات “الغارفيتية” العفوية طغيان اللغة العربية وغياب الرسومات المفبركة فنيا وتحت تأثير تيارات فنية غربية كما في المنطقة المجاورة للجامعة الأميركية في بيروت.

يخرج “فنانو” جدران خلدة في ظلام الليل غير آبهين بالعتمة عند انقطاع الكهرباء ولا بخطورة تحول الأوتوستراد في أواخر الليل إلى حلبة سباق سيارات، وغير مكترثين بأضواء “البروجيكتورات” المسلطة على الجدران بغية كشفهم كما يبتغي نظام “العين الأرضية”، أو ما جرى على تسميته بـ”الجدار غير المرئي” الذي ابتكره الإسرائيليون والمتميز بأنه شاسع العدسة ومتصل بسلسلة من الأجهزة الحساسة/اللاقطة التي تراقب أي “اختراقات” أمنية لكيانهم.

أقل ما يقال عن الجدران “المكتوبة” بحضورها وعودتها المقلقة للسلطة إنها تمثل عودة ما كنت أسمعه كثيرا على لسان والدي “كان زمنا يقفل فيه مقال صحافي واحد، البلد بأسره”.

لن تنفع مطاردي أدباء الجدران من جعل تلك الجدران إسمنتية ومضادة للاهتزاز، كما لن تمنع الجدران التي نصبها الكيان الصهيوني من أن أروع الاختراقات.. تلك التي هابها تاريخيا ويهابها حاضرا. إنها اختراقات كالنجوم. اختراقات الفن والوعي الثقافي/الاجتماعي الفعال.

17