الغرافيتي بمصر يهجر الشارع ويدخل القاعات المغلقة

يبحث فن الغرافيتي بمصر الآن عن متنفس للحياة، بعدما ضاقت به الجدران في الشوارع التي طالما عانقته بعد ثورة 25 يناير 2011، ليجد ضالته أخيرًا في بعض القاعات المغلقة، مستثمرًا أركانها لإعادة تقديم نفسه كفن أصبح محبوسا ويعاني التضييق.
الأربعاء 2018/07/18
فن يمزج كل الفنون

القاهرة – في قاعة لا تتجاوز مساحتها العشرين مترا، غيّر فن الجداريات بمصر لونه خالعا عن نفسه عباءة “الشعبوية” كنشاط مرتبط بالشارع يكتسب تباينه من ضوء الشمس، ويلفت أنظار المارين الرافضين له والمؤيدين، ويصبح فنا حبيس القاعات الخاصة، لا يراه إلا من يقصدها، ولا يميز معالمه سوى ما توفره المصابيح الكهربائية من إنارة.

شقت أول جدارية غرافيتي طريقها من الشارع إلى القاعات بـ”جاليري مشربية” بوسط القاهرة، ضمن معرض بعنوان “تاجر البساطة”، اختتم الأحد، في الذكرى الرابعة لرحيل طالب كلية التربية الفنية، يدعى هشام رزق، مات غرقا قبل أن يكمل العشرين من عمره، شارك فيها عدد من أصدقائه، بهدف التخليد فقط، لكن فرشاتهم هربت عن السيطرة، لتصطدم بجوانب سياسية واجتماعية، وإن بدت غير متعمدة.

هشام رزق كان من الجيل الأول لرسامي الجداريات الشباب بمصر، وأطلقوا على أنفسهم رابطة “فنانو الثورة”، ليكوّن بعدها فرقة مستقلة تحت عنوان “سكلانس″ قدّم معها عروضا من الكوميديا السوداء انطلقت من مبادرة “الفن ميدان” بساحة ميدان عابدين في وسط القاهرة، وكان الهدف منها “إضحاك البسطاء”، فأطلق عليه أقرانه “تاجر السعادة”.

انتشر الغرافيتي أو الرسم على الحائط دون إذن صاحب المكان، قبل سبع سنوات بمصر، يجمع بين التشكيل والكاريكاتير والكوميكس، وأصبح شكلا من أشكال الاعتراض السياسي.

وضمّ المعرض، الذي اختتم منتصف يوليو الجاري أعمالا سابقة للفنان الشاب وأخرى لزملائه، ذابت جميعا أمام اللوحة الضخمة التي جذبت الأنظار بمساحة 5 أمتار، حتى من اللوحات العارية بالكامل التي هدف رساموها إلى التعبير من خلالها عن قضية الحرية دون قيود.

والتقت جميع أنماط الجداريات في “تاجر السعادة”، وعانقت رسما واحدا، به رموز فرعونية تتصارع مع كتابات عربية، ومعركة بين الألوان الدافئة والباردة، عيون حائرة هنا ومنكسرة هناك، صرخات مكتومة ووجوه يبدو من انطباعاتها اليأس، وفقدان البوصلة، وفوق كل ذلك آيات قرآنية عن الموت والحساب.

بدت الخلطة مهضومة مع اشتراك عشرين شخصا في إعدادها من ذوي الميول والانتماءات المختلفة، جمع بينهم الدفاع عن حرية التعبير، وكل منهم رسم ما تمليه عليه فرشاته دون رقيب أو سلطة أعلى منظمة تنتقي منها وفقا لتوجهاته، ليتسم الرسم بالخصوبة والتلقائية المباشرة.

لم يترك رسامو الجدارية توقيعا كالمعتاد. الكل ذاب من أجل هدف إبقاء اسم الصديق الراحل في عمل فني مستوحى من أفكاره، اكتفوا فقط بعبارة صغيرة على صفحته الخاصة بموقع فيسبوك نصها “سأظل طويل الشعر مهلهل الملابس مقطع الحذاء حتى ينفض من حولي من يهتم بمظهري، ويتجمع حولي من يهتم بجوهري”.

20 فنانا يحولون ذكرى صديقهم الراحل إلى جدارية تبحث عن الحرية وسط سحب متشائمة

لا تتضمن الجدارية شعارات سياسية مثل التي خيّمت على رسوم “الغرافيتي” خلال عهده الذهبي (2011 ـ 2013)، وتبدو للوهلة الأولى رسوم متنوعة ومعالجات فوتوغرافية لمواضيع مختلفة، بينها أربع صور لجنازة لأحد الشهداء ظاهرة، وأربع أخرى مُمُوهَة، لكنها مليئة بالرسائل السياسية المبطنة.

فيها أيضا حضور بارز للحيوانات التي يمكن تأويل استخدامها ناحية التشاؤم من المستقبل، طائر الغراب الناعق المرتبط في الثقافة الشعبية بالشؤم، كلب بوليسي مدرب في وضع الهجوم، أسراب من النمل تسير بلا هوية في كل مكان شبيهة في تلميح إلى الشباب الهائم الباحث عن بوصلة لحياته.

تتجمع الإشارات وسط الجدارية حول يدين تحمل إحداهما بندقية آلية والأخرى مسدسًا ضخما، كما تتزايد الرسائل أكثر مع استخدام بعض الآيات القرآنية التي تم اختيارها وتكرارها داخل الجدارية.

تحدثت “العرب” مع خمسة فنانين مشاركين بالمعرض، رفضوا ذكر أسمائهم، بحكم أن العمل جماعي ولا سبيل لتقديم أي اسم على المجموعة، وأكدوا أن الجدارية “تجريبية” وهدفها الدفاع عن الفن المستقل وفتح المجال أمام أجيال تتطلع إلى الفن والإبداع، دون قيود ولا تتجاوز في عرفهم ذلك المعنى.

وفقا للفنانين الشباب، لم يعد الشارع مكاناً مؤهلا لممارسة “الغرافيتي” صاحب البعد السياسي والاجتماعي، فالجداريات المسموح بها حاليًا هي الرسوم الطبيعية أو الهندسية التي يتم فيها ابتزاز طلاب الفنون الجميلة بتلوين أسوار منشآت، وبعدها تضع شركات الدهانات التي تبرّعت بالألوان اسمها تحت العمل في دعاية مجانية.

لعب فن “الغرافيتي” دورا بارزا في الانتقاد السياسي على مدار المرحلة الانتقالية بمصر وتم تطويره ليحمل طابعا كوميديا ساخرا، لكن لم تتغير نظرة الحكومات اللاحقة عن مجرد “مجموعة مراهقين”، يقومون بتلطيخ الجدران وتشويهها وكتابة عبارات هجومية ليس لها علاقة بالحربة وتضع تحت طائلة جرائم السب والقذف.

كان شارع محمد محمود، المواجه لمقر وزارة الداخلية بوسط القاهرة (قبل نقلها الآن لشمال القاهرة)، الحاضن الأكبر لرسوم الغرافيتي بمصر المطالبة بتسليم السلطة للمدنيين في الفترة الانتقالية، لكن الحي مسح جميع رسومات الشارع، وبينها آخر أعمال هشام رزق، وجدارية رسمها صديقه عمار أبوبكر في رثائه على حائط الجامعة الأميركية في القاهرة.

يعتبر رسامو “الغرافيتي” الأجواء الحالية تصلح للعشرات من الجداريات لكن المعضلة في مساحة الحرية، بعضهم يقول إن هناك أملا في العودة للشارع، والبعض الآخر يتمنى فقط أن يظل باقيًا داخل القاعات ولا يتم منعه أيضا فيها.

قابل المشاركون في المعرض الآراء التي تربط بين جداريتهم والسياسة بالابتسامة، لا يجزمون بالتأويلات، واكتفوا بالقول “عمل مفتوح ولكل شخص حق قراءته كما يرى وتأويله كيفما يشاء”.

 

14