الغرافيتي مساحة تعبير الشباب الحرة للاحتجاج على الواقع

رسوم الغرافيتي تحمل رسائل متناقضة بين الغضب والسخرية والفكاهة والقضايا الاجتماعية والسياسية، فهي فن شبابي تعكس الثورات الداخلية قبل أن تكون تمردا أو احتجاجا على الواقع.
الأحد 2018/05/13
فن التمرد على النمطية والتخلص من التقليدية والاحتفاء بالحياة

لندن - “الجدار ليس أقل من وثائق ثورة، مساحة مسروقة لكنها شاسعة بقدر الحرية”، هكذا يعبّر أحد رسامي الغرافيتي في شوارع القاهرة، الذي يرى أن ميزة هذا الفن أنه لا يحتاج إلى توقيع، فالفكرة هي الأهم ويكفي أن تنطلق لتكون ملكا للجميع.

وغالبا ما يكون فنّان الغرافيتي مجهولا، حيث يوقّع الرسامون الشباب على الجدران باسم مستعار يكون مزيجا من الحروف والأرقام، ويصرّ معظمهم على البقاء مجهولين حتّى لو وصلت أعمالهم إلى المتاحف.

ورغم أن الغرافيتي قد يراه البعض عملا تخريبيا هدفه تشويه المكان العام، فإنه يعتبر أيضا أحد أشكال الفن الحديث، وطريقة للدعاية مرتبطة بالشباب، ويمكن مشاهدته في صالات العرض العالمية، وهو يستخدم لإيصال رسائل سياسية واجتماعية.

شوارع عمان لوحات فنية

Thumbnail

يقول الشاب الأردني خليل العلي (25 عاما)، إنه لا يجد مبتغاه في الرسم على الورق أو اللوحات العادية، ويشعر بإحساس خاص في الرسم على الجدار، فهو متاح للجميع ويستطيع أن يشاهد أثره مباشرة في عيون الناس.

ويضيف العلي في تصريحات لـ”العرب”، أنه لم يكمل دراسته الجامعية ويعمل في مجال بعيد عن الفن، لكنه يشعر بأنه ينطلق عاليا في رسوم الغرافيتي على جدران شوارع عمان، رغم أنه يواجه عقبات أحيانا واعتراضا من بعض السكان الذين يخشون أن تحمل الرسوم دلالات سياسية أو  محظورات اجتماعية.

ويتابع “عليك دائما أن تشرح أن هدفك هو دائما إضفاء الجمال والألوان والحياة إلى الشوارع الباهتة”.

ويسعى فنانو الغرافيتي الذين هم من الشباب في العاصمة الأردنية عمان إلى تحويل جدرانها وأرصفتها والسلالم الحجرية إلى لوحات فنية بألوان زاهية، بهدف إضفاء لمسة جمالية على المدينة رغم ما يعتبرونه عملا صعبا في ظل مجتمع محافظ لا يجب تجاوز خطوطه الحمراء.

ويبدو لافتا في هذا المجتمع المحافظ دخول الفتيات بقوة إلى هذا الميدان. وتقول أماني حسن (22 عاما)، الطالبة التي تدرس الأدب الإنكليزي، إنها عاشت طفولتها في الولايات المتحدة، وعندما عادت إلى الأردن لفت انتباهها رسوم الغرافيتي في الشوارع، وأعجبتها جدا.

وأضافت، أحببت أن أدخل هذا المجال بطريقتي الخاصة، وصرت أذهب إلى أي مكان يتاح لي فيه الرسم على الجدار.

وتوضح، أشعر بسعادة عندما أرى رسومات جميلة على جدران الشوارع، لذلك عندما أرسم أريد أن أنقل هذا الإحساس بالسعادة للناس، وأرى تفاعلهم مع رسوماتي.

ومن جهته، يرى رسام الغرافيتي وسام شديد (24 عاما) أن فناني الرسوم الجدارية ليسوا أحرارا في اختيار المواضيع. ويقول “عندما نريد أن نرسم غرافيتي يجب علينا أن نكون متأكدين بنسبة ألف بالمئة أن هذا الرسم سيعجب كل الناس. لذا علينا أن نختار مواضيع محايدة لا دخل لها بالدين أو بالسياسة أو بأشياء تخدش الحياء العام كالتعرّي”.

ويضيف “في مجتمعنا هناك خطوط حمر يجب ألا نتعداها لذلك تراني أرسم وجوه نساء وورودا وطبيعة وأشجارا”.ويوضح “أغلب هذه الجدران كانت خالية وتملؤها رسائل من شبان أو شابات وأرقام هاتف وأسماء فرق كرة قدم.. لم يكن هناك فن”.

لوحات دبي

مزج التراث بالحداثة في دبي
مزج التراث بالحداثة في دبي

تحولت الجدران البيضاء في العديد من شوارع دبي إلى لوحات فنية محمّلة بلمسات تراثية تعبر عن الإمارات والثقافة في البلد، وأصبح التجول فيها أشبه بمعرض فني مفتوح لفن الغرافيتي. وقام برسمها فنانون محترفون بأحجام كبيرة على جدران الأبنية.

ويقول الفنان الإماراتي ضياء علام، أحد الفنانين التشكيلين الذين شاركوا في رسم أطول جدارية في العالم بدبي، وهو واحد من أبرز الفنانين التشكيلين في الإمارات، “فن الشوارع بأشكاله المتنوعة من رسم على الجدران وطرق وغرافيتي استطاع أن يشق طريقا مميّزا بين أساليب الفن المعاصر”.

وأضاف علام، “نجح هذا الفن في السنوات الأخيرة في استقطاب الكثير من هواة ومحترفي الرسم وأصبح يمتلك جمهورا واسعا”، موضحا أن “الفن في المناطق العامة تحول إلى إحدى أهم المبادرات الرئيسية التي تتبناها الدولة، حيث تتجلى إبداعات الفنانين في الهواء الطلق ليس فقط في استلهام مفردات المكان الطبيعية والتماهي معها، بل أيضا في استثمارها وتطويعها في سياق الرؤية الفنية”.

وأكد أن هذه الطريقة نجحت في جذب قاعدة أكبر من الجمهور لتذوق الأعمال الفنية دون الحاجة للذهاب إلى المعارض التشكيلية. وأشار إلى أن “فن الشوارع هو التمرد على النمطية والتخلص من التقليدية، لذلك لكل فنان بصمته الخاصة التي تميز إبداعاته”.

ترويج إعلاني

يرفض مصمم الغرافيك ريان قاسم تعامل البعض مع فنون الشوارع على أنها أعمال تشوه جدران الشوارع والمباني، وضرورة أن تمارس داخل الأماكن المغلقة أو التعامل معها على أنها خربشات خالية من المعاني.

وأضاف قاسم، وهو أحد المشاركين في مهرجان دبي كانفس، أن “إدراك الكثير من المطاعم والشركات لأهمية الغرافيتي جعلها تعتمد عليه باستمرار في تمجيد علاماتها التجارية والإعلان لمنتجاتها وخدماتها بشكل مميز وجذاب، وتنظيم المهرجانات المخصصة لها ساهم في الحد من ظاهرة الكتابة على الجدران التي تشوه المنظر العام للطرقات والمرافق العامة وجدران المدارس والمؤسسات واستبدالها بلوحات تشكيلية فنية تساهم في إظهار الوجه الحضاري وتعزز النهج التربوي الصحيح لدى فئة الشباب بشكل عام وطلاب المدارس بشكل خاص”.

وأكد أن الحرية الإبداعية الحقيقية لا توجد إلا في فن الشوارع، حيث التحرر من توجهات وأفكار أصحاب العمل، وإتاحة الفرصة للفنان لوضع رؤيته الخاصة به واستعراضها بما يتوافق مع اتجاهاته، والتعبير عن نفسه بالرسومات والألوان، لذلك هم يجدون في رسم الجداريات المتنفس الوحيد للتعبير عما بداخلهم بلا حدود وقيود، ليخرجوا ما في عقولهم الباطنة إلى الآخرين، ليشهدوا على تفاعلهم مع رسوماتهم.

وأشار إلى أن أسباب نجاح فن الشوارع في الإمارات يعود إلى احتوائه على عدد كبير من البيئات ذات التعدد الثقافي، الأمر الذي يمد بالأفكار الفنية التي تعكس طبيعة الحياة الغنية بالأفكار والمعتقدات والاختلافات للتعبير عنها في هيئة خلطات إبداعية تتمثل في الجداريات.

وفي تونس طور الشباب أشكالا جديدة من التعبير، فقد انتقلت التعليقات من مواقع التواصل الاجتماعي إلى الجدران في الشوارع الشعبية. وتقول أميمة بوعصيدة، الشابة التونسية المختصة في مجال التصميم والغرافيتي، “أظهرت التزاما قويا بالقضايا الاجتماعية التي تشغل المرأة التونسية، من خلال رسومي في الشوارع والأماكن العمومية”.

وأشارت مجلة “جون أفريك” الفرنسية إلى أن مظاهر التعبير الفني والغرافيتي تبدو أكثر وضوحا في شوارع مدينة صفاقس، التي حازت عام 2016 على لقب عاصمة الثقافة العربية، وقد شهدت المدينة تنظيم العديد من التحركات الفنية، ومن بينها المهرجان الدولي الذي حمل اسم “المخيم الفني للشارع العربي”.

وأصبحت رسوم الغرافيتي المنتشرة في الأحياء الشعبية والأماكن العمومية، تحمل رسائل الغضب والسخرية والفكاهة، وفي بعض الأحيان تتضمن أبيات شعر خالدة أو رسوما طريفة أو رسائل مشفرة تشد انتباه المارة.

وتختلف أشكال التعبير عن طريق الرسومات على الجدران، بشكل كبير بين المدن التونسية، ففي العاصمة أخذت كتابات كرة القدم والرسومات التي تحمل شعارات الديمقراطية، وتجسد بعض رموز النضال السياسي في تونس؛ محل الرسومات والكتابات الثورية التي ظهرت بعد الثورة.

وقالت بوعصيدة إن “الغرافيتي كان دائما فنا ملتزما، يحمل رسالة ملتزمة تجاه الأهداف النبيلة”، مشيرة إلى أنه خلال الثورة التونسية سمح الغرافيتي لها بتحرير طاقتها، والتعبير عن مواقفها في وجه الدكتاتورية، ثم لاحقا في وجه التعصب والإرهاب.

وأصبح الشباب التونسي أكثر اهتماما برسوم الغرافيتي خلال السنوات الأخيرة، مما سمح بظهور مجموعات من الشبان الذين يجدون في الجدران مجالا للتعبير عن رفضهم للظلم والفساد والبطالة.

"غرافيتي عربية" كتاب يختزن أسئلة عن الهوية

تجسيد الهوية
تجسيد الهوية

يشرح حسن مسعودي في كتاب “غرافيتي عربية” الصادر باللغة الإنكليزية الفروق الفنية بين فن الخط والغرافيتي العربيين، ويرى أنهما “ولدان من نفس الأبوين ولكنهما عاشا حياتيهما بشكل منفصل ومستقل، إنهما بشكل أساسي يدوران حول استعمال حروف الأبجدية ومركز جاذبيتهما هو جمال الكتابة حيث الحروف ليست مجرد أشكال بل تشكيلات مشحونة بالعواطف”.

ويقدم الكتاب، الذي صدر عن دار “من هنا إلى الشهرة” في بيروت، وهو من إعداد باسكال زغبي وفنان الغرافيتي الألماني دون كارل، نماذج غرافيتي من عدة مدن عربية كأعمال فنية تعكس معاناة الشعوب وآلامها، وتختزن في الوقت نفسه أسئلة عن الهوّية والتجربة الفردية لفنّاني الغرافيتي.

ويضيف مسعودي “إن الخط العربي هو الولد المحافظ بسبب ثقل التقاليد والخبرات عبر آلاف السنين (..) أما الغرافيتي فهو متحرر من التقاليد ولكنه ليس بلا قواعد”.

وبدورها تتعرض باسكال زغبي إلى تطور أساليب الغرافيتي ومضامينها في مدينة بيروت، حيث تتغير التعبيرات والشعارات والرسوم بين فترتي الحرب الأهلية التي شهدها لبنان، ومرحلة إعادة إعمار بيروت التي حملت جدرانها الموشومة تمايزا ملحوظا بين تخطيطات وشعارات الجنود السوريين وعناصر الفصائل الفلسطينية ومناصري الأحزاب اللبنانية.

وأشارت زغبي إلى كيفية تغير أشكال ومضامين خطاطي الغرافيتي لاحقا، بشكل ينبئ عن التحولات السياسية والاجتماعية التي مرت بها المدينة، وأشكال المزاج العام لدى سكانها.

ويأتي الكتاب “في ضوء الثورات العربية التي تجلب تغييرات شاملة في الشرق الأوسط، ويراقب التطورات المدهشة للغرافيتي والفنون المدنية الأخرى في المنطقة”. وذلك بحسب دار النشر التي تقترحه “كمرجع قيم وواسع يعرض استخدامات التخطيط والكتابة العربية في سياقات مدنية معاصرة”.

ويتضمن الكتاب تشكيلة واسعة من صور فنون الشارع تتراوح بين الكتابات على الشاحنات في لبنان، والتخطيطات على جدران الأزقة في البحرين، والرسوم في فلسطين، واللوحات في المدن الغربية التي تستخدم الخط العربي كفضاء تشكيلي. كما يحتوي مقالات لكتّاب يستكشفون العناصر التقليدية والمقاربات الحداثية، في الغرافيتي في الشرق الأوسط.

21