الغرافيتي وفن القصص المصورة يجتمعان في القاهرة

استضافت قاعة العرض في مؤسسة مدرار للفنون المعاصرة في القاهرة معرضا مشتركا لأعمال اثنين من الفنانين المصريين الشباب، هما أحمد توفيق ومحمد المغربي، حيث أقيم المعرض تحت عنوان “الطيب والشرس والحذاء القرمزي”، وضمّ عددا من الأعمال المرسومة على الورق.
الأربعاء 2015/09/30
الرسومات تعكس ميلا صريحا إلى السخرية

يمثل معرض الثنائي المصري أحمد توفيق ومحمد المغربي الذي حمل عنوان “الطيب والشرس والحذاء القرمزي”، وطريقة تنظيمه جانبا من الرؤية التي تعتمد عليها مؤسسة مدرار للفنون المعاصرة بالقاهرة منذ إنشائها، في سعيها إلى لفت الانتباه للمواهب الجديدة والمهارات الخلاقة خارج سياق العرض التقليدي.

فأحد الفنانين وهو أحمد توفيق مازال يدرس الفن في المعهد العالي للفنون التطبيقية في القاهرة، بينما تخرج شريكه محمد المغربي في معهد التكنولوجيا، وكلا الفنانين يخطوان أولى خطواتهما في عرض أعمالهما على الجمهور لأول مرة، وإن كانا من قبل قد شاركا في عدد من الفعاليات الجماعية أو المشاريع المشتركة مع آخرين.

أول ما يلفت انتباه الزائر إلى هذا المعرض هو وجود ذلك النص المصاحب للأعمال، حيث يمثل النص قصة قصيرة كتبها محمد المغربي. تستقي القصة تفاصيلها من العناصر المرسومة، وتعكس كما العنوان ميلا صريحا إلى السخرية، فبدلا من الكلمة التقليدية المصاحبة للعروض الفنية، والتي تتضمن عادة تعريفا بالتجربة أو شرحا مسهبا لأسلوب الفنان، جاء النص على نحو ملفت.

وهو يحكي عن فتاة اعتادت وضع كل ما تطاله يدها تحت المجهر، فلا ترى سوى مجموعة من الخطوط والعلاقات الهندسية، لكنها حين قررت إخضاع الحذاء القرمزي لنفس التجربة فاجأتها تلك العلامات والأرقام المطبوعة، والتي تشبه كثيرا رموز الأسعار على معلبات السلع الاستهلاكية.

وفي حين يحيلنا النص في هيئته تلك إلى أجواء القصص المصورة “كوميكس”، ويوحي إلى زائر المعرض بأنه مقدم على مطالعة نص بصري لبناء درامي ما، إلاّ أننا سرعان ما ندرك أنه لا يمثل فــي الحقيقـــة أيّ ترجمة للأعمال المعـــروضة، هو فقط يستعير سياقـه مــن العنــاصر المرسومة، من دون أن يمثل كيانا موازيا أو شارحا لها.

فلسنــا إذن أمـام قصـة مصورة، بل هي مجــرد محاولة لكسر النمط السائد للنصوص المصاحبة للأعمال الفنية. هكذا يفسر المغربي وجود هذا النص المصاحب للأعمال، والتي وزعت على جدران القاعة دون مراعاة لتخصيص حيز محدد لكل فنان على حدة، وهو الأمر الذي فرض نفسه خلال اللحظات الأخيرة قبيل الافتتاح -كما يقول المنظمون- رغم هذا التباين اللافت في طبيعة الرسوم المعروضة، من حيث التقنية المستخدمة في صوغها، أو في طريقة البناء.

ففي حين تبدو أعمال توفيق ذات طبيعة حرة وأقرب إلى روح القصص المصورة؛ من سيطرة لدرجات اللون الصريحة والمباشرة إلى المبالغة في تأكيد ملامح الشخصيات والعناصر، تبدو أعمال المغربي ذات طبيعة صارمة وحادة في اعتمادها على الأشكال الهندسية التي يعالج بها تلك الصور، والتي استقى معظمها من شبكة المعلومات. صور “الكوميكس” التي رسمها أحمد توفيق تحيلك إلى أجواء من السخرية، فهو يستدعي أبطال الحكايات الشعبية ويمزج بينها وبين أبطال قصص “الكوميكس” العالمية في إطار واحد، ليخلق مزيجا من المرح والنقد اللاذع لكثير من المظاهر الاجتماعية والأحداث الراهنة.

هذا الميل الساخر لم يخل حتى من توقيعه على الأعمال المعروضة، إذ يوقع باسم “توفيج”، بنفس الكيفية التي يُنطق بها اسمه في صعيد مصر، حيث يعيش ويعمل.

أما في أعمال محمد المغربي فثمة ميل إلى توظيف العمارة كمرجع بصري وفلسفي، وهو يسعى كذلك إلى التجريب بوسائط متعددة مثل الرسم والتصوير والطباعة والتحريك.

معظم الأشكال التي اعتمد عليها المغربي في أعماله مرسومة بالأبيض والأسود، أو الألوان الحيادية، فهو يجمع صوره من شبكة الإنترنت، ثم يعيد صوغها من جديد واضعا إياها عبر أنساق هندسية من الخطوط والدوائر والعلامات والأرقام.

ما يلفت الانتباه في الأعمال المعروضة أن هناك حدودا مشتركـة في مـا بينها وبين رسوم الشارع أو ما يعرف بالغرافيتي، فبعض هذه الأعمال تبدو قريبة الشبه من هذه الرسوم التي انتشرت في شوارع القاهرة وغيرها من المدن المصرية مع اندلاع الثورة، إذ يغلب على تلك الرسوم -خلافا لطبيعتها الساخرة- تقشف واضح في استخدام درجات اللون وتوظيف المساحات، والتي تسيطر عليها في أغلب الأحيان شخصية واحدة أو عنصر واحد.

16