الغرافين سيليكون المستقبل الخارق

السبت 2017/01/28
الغرافين مادة جديدة تمكن البشرية من صناعة كومبيوترات أسرع بـ100 مرة

إسطنبول- يندر أن يمر أسبوع دون أن نقرأ خبراً أو أكثر يتحدث عن اكتشاف تطبيقات علمية جديدة تدخل في تكوينها مادة الغرافين التي باتت تصنف في وقتنا الراهن على أنها أصلب مادة على كوكب الأرض. تسارع عمليات الاستفادة من الغرافين، يوضح كيف أن العديد من المسارات العلمية التقنية، كانت تنتظر الحصول على مادة طبيعية تتميز بقساوتها، مع إمكانية التعامل معها بشكل طيّعٍ، دون أن يخلّف استعمالها أضراراً على الإنسان أو على بيئته، أو على الطبيعة على كوكب الأرض.

وهكذا تتوالى الأرقام عن براءات اختراع تتعلق بالغرافين، وعن دمج هذه المادة في الصناعات، وفي مجالات متعددة، ولكن لا يمكن للمراكز العلمية أن تمرّ على الأخبار السابقة دون أن تعيد التمحيص فيها، فما يروّجه الإعلام عن سحر الغرافين، قد لا يعدو أن يكون مجرد انتصارات على ورق الصحافة الأسمر، وقد يكون قد حدث وجرى التحقق منه حقاً ولكن..، لا بد من التدقيق في كل شيء حتى وإن صار الأمر أشبه بأسطورة مليئة بالسحر من مقام الغرافين.

رقاقات الكربون

الغرافين وبحسب المراجع العلمية هو “مادة مكونة من طبقة وحيدة من ذرات الكربون، مرتبطة مع بعضها البعض على شكل أنماط سداسية متكررة، وتكون سماكة الغرافين أقل من سماكة الورقة العادية بحوالي مليون مرة، ولذلك فهو رقيق إلى درجة نستطيع معها اعتباره مادة ثنائية الأبعاد”. وبالإضافة إلى ما سبق تتميز المادة بالشفافية وبكونها عالية الكثافة، وهي أقوى 300 مرة من الفولاذ، وأصلب 40 مرة من الألماس، كما أنها موصّل ممتاز للحرارة والكهرباء.

لم يكن الوصول إلى مادة ثنائية الأبعاد ممكناً من الناحية العلمية النظرية، إذ كان هذا الأمر هاجساً لدى العلماء منذ أربعينات القرن الماضي، حيث تمت دراسة الغرافين، ولكن لم يجزم هؤلاء بإمكانية الحصول عليه بشكل ملموس. ولكن الرغبة الحاضرة ظلت تتنامى مع تطور التقنيات القادرة على تقشير الغرافيت. اكتشف هذه المادة في العام 2004 العالمان أندري جيم وكونستانتين نوفوسيلوف -اللذان حازا نظير ذلك على جائزة نوبل للفيزياء في العام 2010- وذلك بعد استخلاصها من الغرافيت.

وبحسب مجلة “العلوم الحقيقية” فإن فحوى البحث الذي قدمه هذان العالمان عن اكتشاف الغرافين والذي نشر في فبراير 2009 يقول “إن استخدامات الغرافين يمكن أن تكون أكثر بكثير ممّا أشيع عنه في البداية، وذلك لأن علماء من جامعة مدرسة الفيزياء وعلم الفلك وجدوا أن الغرافين يتفاعل مع مواد أخرى ليكوّن مركبات مختلفة الصفات وذلك يفتح آفاقا مستقبلية للتطور في مجال الإلكترونيات”.

طرق إنتاج الغرافين
تعد طرق إنتاج الغرافين بدرجات نقاوة عالية طرقا معقدة أو غير عملية إلى حد كبير، وأحد أشهر هذه الطرق هي التقشير الميكانيكي، والمعروف أيضا باسم تقنية الشريط اللاصق، وهو أحد السبل الفعالة لخلق طبقة واحدة أو عدد قليل من طبقات الغرافين. ومع ذلك، فالمؤسسات البحثية المختلفة في جميع أنحاء العالم تحاول إيجاد الطريقة الأكثر فعالية من حيث التكلفة لإنتاج الغرافين عالي الجودة بشكل فعال على نطاق واسع.

ترسيب الأبخرة الكيميائية هو الأسلوب الأكثر مناسبة لإنتاج جرافين أحادي الطبقة أو عدد قليل من طبقات الغرافين. هذه التقنية قادرة على استخراج ذرّات الكربون من مصدر غنيّ بالكربون من خلال الاختزال. ومع ذلك، فإن العيب الرئيسي في هذه التقنية هو صعوبة العثور على الركيزة المناسبة لتنمو طبقات الغرافين عليها، فضلا عن التعقيد في إزالة طبقات الغرافين من تلك الركيزة دون تغيير أو إتلاف التركيب الذري للجرافين.

الغرافيت هو أحد المعادن الأرضية المتوفرة طبيعياً والتطبيق الأشهر للجرافيت هو أقلام الرصاص، والغرافيت ما هو في الحقيقة إلا مجموعة من طبقات الغرافين التي ينزلق بعضها فوق بعض لتحقق ما نراه من خاصية الكتابة على الورق. الفحم هو أفضل المصادر من حيث الوفرة وهناك العديد من الأبحاث والتطبيقات الصناعية الحديثة التي تحاول إنتاج كميات وفيرة من الغرافين باستخلاصه من الفحم الحجري، وقد تمكن باحثون في جامعة أوهايو بالفعل من إنتاج الغرافين من الفحم بطرق التحليل الكهربي وهي طريقة أقل كلفة بكثير من تكلفة استخلاصه من الغرافيت. يمكنك الحصول على الغرافين باستخدام خلاط مطبخك المنزلي.

قم بصبّ مسحوق الغرافيت في الخلاط (الكربون المستخدم في أقلام الرصاص) أضف بعض الماء وبعضاً من سائل غسيل الأطباق وقم بخلط المكوّنات بسرعة عالية. تهانينا لقد حصلت على الغرافين أصلب مادة على وجه الأرض. المدهش أن هذه الخلطة السهلة هي الطريقة الأسهل لإنتاج الغرافين النقيّ على المستويات الصناعية. حيث يمكن صناعة صحائف رقيقة للغاية بسمك ذرة واحدة من الكربون، ويتوقع أن يتم إنتاج كميات كبيرة من الغرافين في المستقبل لتغطية الاستخدامات المتعددة للجرافين في صناعة الإلكترونيات بسبب خواصه الكهربية والحرارية الفريدة.

نوفوسيلوف تحدث عن الغرافين قائلاً إن المادة “موصّل جيد وبامتياز يستخدم في العديد من التطبيقات الإلكترونية ومع ذلك فإنه من البديهي إيجاد سبيل للسيطرة على خصائصه الإلكترونية باستخدام الكيمياء. ومن المؤمل أن يفتح الباب على مصراعيه لمشتقات الغرافين الكيميائية الأخرى مما يحتّم توسيع مجال استخدام تطبيقات متوقعة بشكل كبير”.

ولكن كيف تمكّن هذان العالمان من الحصول على الغرافين؟ تتحدث الوقائع التي نشرها موقع “ناسا بالعربي” عن أن الأمر كان يقوم على التحدي بأن يتم “تلميع طبقة من الغرافيت وصولاً إلى سماكة بضع طبقات قليلة جداً. حيث تمكّن طالب من الوصول إلى 10000 طبقة، لكن لم يُحقق الهدف المتمثل في رقم يقع بين 10 و100 طبقة.

وقد حاول أندري جيم سلوك نهج مختلف، واستخدم “تقنية الشريط”. فطبّقها على الغرافيت وسحبه بعيداً ليحصل على رقائق من الغرافين متعدد الطبقات. ومع سحب المزيد من الأشرطة، حصل جيم على طبقات أقل سماكة حتى وصل إلى قطعة من الغرافين بسماكة 10 طبقات. ومن ثم عمل فريق جيم على تحسين تقنيته، وفي أكتوبر عام 2004؛ أنتج الفريق طبقة وحيدة من ذرّات الكربون”.

قريبا نراه حولنا

بعد قليل من الوقت سيصبح من المألوف لدى عموم الناس أن يلحظوا وجود الغرافين كمكوّن رئيس في العديد من المواد التي يستخدمونها في حياتهم، فكما سبق وذكرنا فإن العديد من القطاعات باتت تأخذ حصتها من استخدامات المادة، وهكذا يمرّ معنا قبل فترة وجيزة قيام باحثين من جامعة ألينوي في شيكاغو ومن خلال دراسة نشرت نتائجها بمجلة المواد التطبيقية والتوصيل التابعة للجمعية الأميركية للكيميائيين، باكتشاف أن ربط خلايا الدماغ بالغرافين يميز الخلايا المتسرطنة عن الخلايا الطبيعية بطريقة بسيطة وغير غازية للجسم.

حيث يقول الباحثون إن نظام الغرافين لديه المقدرة على اكتشاف معدلات نشاط الخلايا التي تربط معه، والغرافين هو أقلّ المواد المعروفة سماكة وشديد الحساسية لما يحدث على سطحه، وهو مادة نانوية تتكون من طبقة من ذرّات الكربون موصولة بطريقة سداسية شبيهة بنمط شبك قفص الدجاج وتتشارك جميع الذرّات سحابة من الإلكترونيات تتحرك بحرية حول السطح، ويقوم ارتباط الخلية بالغرافين بإعادة ترتيب توزيع الشحنة في الغرافين فيعدّل طاقة الاهتزاز الذرّي أثناء الكشف بواسطة مطيافية رامان؛ وتختلف طاقة الاهتزاز الذري في شعرية الكريستال الغرافينية اعتماداً على ما إذا كانت تُلامس خلية سرطانية أو خلية طبيعية، وذلك لأن للخلية السرطانية نشاطا مفرطا يؤدي إلى شحنة سالبة عالية على سطحها وبالتالي تحرير المزيد من البروتونات.

طلب عال وتكاليف باهظة

نشرت وكالات الأنباء خبراً يتحدث عن عزم شركة هواوي كشف النقاب عن بطاريات ليثيوم-أيون تتميز بتكنولوجيات جديدة تعمل بمساعدة الغرافين ومقاومة للحرارة، فبحسب مؤسسة “وات لابوراتوري”، وهي مؤسسة تتبع معهد هواوي المركزي للبحوث، فإن هذه التكنولوجيات لبطاريات ليثيوم-أيون تسمح بالاستمرار في أداء وظيفتها في درجة حرارة 60 درجة مئوية، أي بنسبة 10 درجات مئوية عن الحدّ الأعلى الموجود حالياً، كما أن عمر بطاريات ليثيوم-أيون التي تعمل بمساعدة الغرافين سيصبح ضعف عمر بطاريات ليثيوم-أيون العادية، مما سيُطيل عمر البطاريات بشكل لم يسبق له مثيل.

الباحثون يؤكدون أن نظام الغرافين لديه المقدرة على اكتشاف معدلات نشاط الخلايا التي تربط معه

إمكانيات الحصول على الغرافين باهظة الكلفة، إذ أن كلفة تصنيع قشرة من الغرافين بسماكة ميكروميتر واحد وعبر طريقة الشريط اللاصق تبلغ ألف دولار، ما يجعلها أكثر المواد المصنعة من قبل الإنسان كلفة على سطح الأرض. غير أن آخر الأخبار التي تم تداولها خلال الأيام الماضية قالت بأن فريقاً من الباحثين في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا اكتشف أنه باستخدام رقائق صغيرة من الغرافين، وتشكيلها على شكل صمامات في بُنى مُعشّقة إسفنجية مثل الشبكة؛ فإنه لا يحتفظ فقط بالقوة المادية للغرافين، وإنما يبقي الغرافين بشكله الإسفنجي المسامي.

وبحسب التقرير الذي تداولته وسائل إعلامية فإن الفريق “كان قادراً على ضغط رقائق صغيرة من الغرافين باستخدام مزيج من الحرارة والضغط، وقد أنتجت هذه العملية هيكلاً قوياً مستقراً يشبه ببنيته بعض الشعاب المرجانية والكائنات المجهرية. هذه الأشكال ذات مساحة هائلة بالنسبة إلى حجمها، وثبت أنها قوية بشكل ملحوظ. وقد تم إنشاء هياكل متعددة ثلاثية الأبعاد، من أجل معرفة ما هو الحدّ الأقصى وما هي أقوى المواد الممكن إنتاجها. وللقيام بذلك، قام الفريق بإنشاء مجموعة متنوعة من النماذج ثلاثية الأبعاد، ثم أخضعوها لاختبارات مختلفة”.

تم إخضاع النتائج إلى المحاكاة الافتراضية، التي تطرح ظروف التحميل في الشد والضغط مشابهة للواقع الطبيعي، وبالاستناد أيضاً إلى ما خرجوا به من نتائج عبر الطباعة ثلاثية الأبعاد، فقد قرّر الباحثون أن المواد الجديدة ببنيتها الهندسية المتميزة هي فعلياً أقوى من الغرافين العادي، مما يجعلها أيضاً أقوى بعشر مرات من الفولاذ مع 5 بالمئة فقط من كثافته.

كما خرج الفريق بنتائج تقول بأن اكتشاف مواد قوية للغاية وتمتاز بخفة الوزن سيؤدي إلى إنتاج كمّ هائل من التطبيقات، حيث أظهرت النتائج الجديدة أن العامل الحاسم في هذه الأشكال الجديدة ثلاثية الأبعاد هو “التكوين الهندسي” غير العادي أكثر من طبيعة المواد نفسها. الأمر الذي يوحي بمواد بنفس القوة والخفة يمكن تصنيعها من مجموعة متنوعة من المواد بنفس الميزات الهندسية.

14