الغرباء

الجمعة 2015/04/10

الدكتور محمد جابر الأنصاري مثقف عربي يتميز بالرؤية المستقبلية، والحس العملي، والبحث الجدي عن النماذج الناجحة في التجارب الثقافية والحضارية العالمية سواء كانت شرقية أم غربية، ويكتسي كتابه “العالم والعرب سنة 2000” أهمية بالغة، وأعتقد أنه يستحق أن يكون أحد المشاريع الثقافية والفكرية والتربوية المهمة لبلداننا لأنه يقدم “نظرات مستقبلية في بروز القوى والاتجاهات العالمية الحديثة وتأثيرها على المصير العربي في القرن الواحد والعشرين”.

لقد استوقفني الدكتور الأنصاري بعمق تحليله لجذور “التربية اليابانية وخصائصها المميزة”، بناء على هذا يقترح على الفكر العربي القيام بما يدعوه بالإطلالة “الفكرية الجديدة المقارنة” من أجل استيعاب “تجارب الأمم الشرقية، لا من أجل تقليدها كما قلدنا الفكر الغربي، وإنما من أجل اكتشاف خصوصية أمتنا في النهاية، مثلما اكتشف جيراننا في الشرق خصوصياتهم، ثم انطلقوا منها لتحقيق النجاح والقوة بتميز ملحوظ”.

يشخص الدكتور الأنصاري خصائص التجربة التعليمية التربوية اليابانية، باعتبارها موقفا فكريا وثقافيا من العصر، مبرزا أن النموذج الياباني في “مجال التربية والتعليم يركز على الخلفية الحضارية والقومية اليابانية” وعلى ترسيخ “روح التلمذة الجادة في الأمة اليابانية بعامة عبر مراحل تاريخها واستعدادها لأن تقف -عندما يتطلب ذلك المصير القومي أو المعترك الحضاري- موقف التلميذ المجدّ من الحضارات والنماذج المتقدمة دون عقد نقص أو استعلاء من ناحية، ودون التفريط في ثوابت الشخصية اليابانية ومقوماتها من ناحية أخرى”.

حسب تحليل الدكتور الأنصاري فإن اليابان كان لها موقف من الحضارة الصينية قديما، ومن ثمّ أعادت الكرة ووقفت موقف التلميذ المجدّ من الحضارة الغربية الحديثة. إن هذا الموقف الثقافي التربوي قد جعل التجربة اليابانية ترى العالم الخارجي ليس مجرد خرائط وعلاقات دبلوماسية، بل “كمدرسة واسعة، مدرسة لا تفرض مناهجها وأفكارها على الطالب، وإنما الطالب هو الذي يختار من علومها ومعارفها وتجاربها ما يشاء وكيف يشاء”.

في هذا السياق لإضاءة عناصر المثاقفة اليابانية الإبداعية مع التجارب الثقافية والتعليمية المتطورة، يورد الدكتور الأنصاري عبارة للمفكر الجزائري الراحل مالك بن نبي التي تقارن بين الموقف العربي والموقف الياباني من الغرب، ومن الحضارة الحديثة ككل، والتي جاء فيها أن التجربة اليابانية قد “وقفت من الحضارة الغربية موقف التلميذ، ووقفنا (نحن العرب المسلمين) منها موقف المستورد للأشياء”.

وفي الواقع فإن المشكلة الثقافية التي يطرحها الدكتور الأنصاري، وهو يتأمل التجربة اليابانية عن كثب، مفصلية ومن دون حلها في مجتمعاتنا فإننا سنبقى غرباء عن الجزء الفاعل من ذاتنا، وأسرى ظاهرة مسخ حداثة الآخرين وتقدمهم بتخلفنا عند حصول التماس بهما.

كاتب جزائري مقيم في لندن

15